skip render: ucaddon_box_testimonial رحلة محمية المفارقة أن الرحلة الخاصة ستتحول إلى عملية أمنية تحمل بصمتها الرسمية. فدوجي، البالغة من العمر 29 عامًا، ستسافر إلى منطقتين تصنّفهما السلطات الأميركية ضمن الوجهات عالية الخطورة، وسترافقها وحدة حماية من شرطة نيويورك بناءً على توصية أمنية. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. ليس غريبًا أن تزور زوجة عمدة نيويورك عائلتها في سوريا أو لبنان، وليس غريبًا أن تطلب الحماية إذا كانت وجهتها تنطوي على مخاطر أمنية. لكن ما يلفت الانتباه هو أن رحلة شخصية تتحول، بسبب طبيعة الوجهة، إلى مهمة أمنية تتحمل شرطة نيويورك جزءًا من تبعاتها. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: مَن يدفع كلفة الحماية؟ بل أيضًا: مَن ستزور دوجي في لبنان؟ هل ستقتصر الرحلة على أفراد العائلة والأصدقاء؟ هل ستكون هناك لقاءات مع شخصيات سياسية أو ثقافية أو دينية؟ هل ستزور مؤسسات أو مجموعات سبق أن ارتبطت بها؟ أم أن بيروت ستكون مجرد محطة عائلية في رحلة لا تحمل أي بُعد آخر؟ لا توجد، حتى الآن، تفاصيل معلنة تجيب عن هذه الأسئلة. وربما تكون الإجابة أبسط مما يتخيل البعض: زيارة عائلية لا أكثر. لكن غياب التفاصيل هو بالضبط ما يجعل الأسئلة مفتوحة، خصوصًا عندما تترافق الرحلة مع حماية شرطية أميركية. صلة ببيروت دوجي ليست غريبة عن لبنان، فقد أقامت في بيروت عام 2019 ضمن برنامج فني، وارتبط اسمها منذ ذلك الوقت بمشهد ثقافي ونسوي وسياسي ناشط في المدينة. كما شاركت لاحقًا في فعاليات نسوية وفلسطينية في أوروبا، الأمر الذي جعل نشاطها الثقافي يتقاطع بصورة واضحة مع مواقفها السياسية. وهي، مثل زوجها، معروفة بمواقفها المؤيدة للفلسطينيين والمنتقدة لإسرائيل، وهي مواقف جعلت اسمها عرضة لجدل سياسي وإعلامي متكرر منذ وصول ممداني إلى موقعه في نيويورك. وقد عادت إلى الواجهة منشورات قديمة لها على وسائل التواصل الاجتماعي، بعضها شديد اللهجة، واعتذرت لاحقًا عن الألم الذي تسببت به بعض منشوراتها السابقة، بينما ظل الجدل قائمًا حول مواقفها السياسية. كما كان لها حضور في نشاطات مرتبطة باليسار الأميركي وبالاشتراكيين الديمقراطيين في نيويورك، وشاركت، من خلال الفن، في حملات سياسية مؤيدة لمرشحين ينتقدون إسرائيل ويرفضون التمويل المرتبط بـ«أيباك»، إضافة إلى دعم مشروع قانون يستهدف جمعيات خيرية مرتبطة، بحسب مؤيديه، بدعم عنف المستوطنين الإسرائيليين. لبنان المعقّد كل ذلك يجعل لبنان في هذه الرحلة أكثر من مجرد اسم على خريطة. فالبلد الذي ستصل إليه دوجي ليس بلدًا عاديًا في الحسابات الأميركية، بل بلد شديد التعقيد سياسيًا وأمنيًا، تتداخل فيه الدولة مع الأحزاب والقوى السياسية والفصائل والمجتمع المدني والمؤسسات الثقافية، وتتقاطع فيه ملفات لبنان وسوريا وفلسطين وإسرائيل والولايات المتحدة، على نحو يصعب معه فصل الخاص عن العام بسهولة. ومع ذلك، ينبغي عدم القفز إلى الاستنتاجات. لا دليل معلنًا على أن دوجي ستجري لقاءات سياسية في لبنان، ولا ما يثبت أن رحلتها تحمل أجندة تتجاوز زيارة العائلة. لكن غياب المعلومات لا يعني أن الأسئلة غير مشروعة، خصوصًا عندما تترافق رحلة خاصة مع حماية أمنية أميركية، وعندما تكون صاحبتها زوجة أحد أكثر رؤساء بلديات نيويورك إثارةً للجدل السياسي في السنوات الأخيرة. الخاص والعام ممداني يقول إن زوجته شخصية غير عامة، وإن حياتها الخاصة يجب أن تبقى بعيدة عن الأضواء. وقد يكون محقًا في ذلك. لكن المشكلة أن صفة «غير عامة» تصبح أقل بساطة عندما تدخل شرطة نيويورك في تفاصيل حياتها الخاصة. فإذا كانت الرحلة شخصية بالكامل، فلماذا تتحمل موارد المدينة كلفة حماية صاحبتها في الخارج؟ وإذا كانت الحماية ضرورية بسبب المخاطر، فهل ستُعلن كلفتها؟ ومَن يتحملها؟ وهل توجد قواعد واضحة تنطبق على جميع المسؤولين وعائلاتهم، أم أن القرب من السلطة يمنح امتيازات لا يحصل عليها الآخرون؟ مَن ستلتقي؟ ثم هناك سؤال آخر أكثر إثارةً للفضول: ماذا ستفعل دوجي في لبنان؟ هل ستزور بيروت التي تعرفها منذ سنوات؟ هل ستعود إلى الأوساط الفنية التي احتضنت تجربتها؟ هل ستلتقي ناشطات وناشطين تعرفهم؟ هل ستزور شخصيات سياسية أو اجتماعية؟ أم أنها ستغلق أبواب الرحلة على دائرتها العائلية، ولن يكون في جدولها أي لقاء عام؟ حتى الآن، لا أحد يملك الإجابة الكاملة. لكن عندما تسافر زوجة عمدة نيويورك إلى لبنان وسوريا برفقة عناصر من شرطة المدينة، فإن السؤال عن برنامج الرحلة يصبح طبيعيًا، والسؤال عن كلفتها يصبح أكثر إلحاحًا، والسؤال عن الأشخاص الذين ستلتقيهم يصبح جزءًا من حق الجمهور في معرفة أين تنتهي الحياة الخاصة وأين تبدأ الوظيفة العامة. في السياسة، التفاصيل الصغيرة هي التي تكشف أحيانًا الصورة الكبيرة. وربما لا تكون قصة راما دوجي في لبنان قصة سياسية على الإطلاق، وربما تكون مجرد رحلة إلى العائلة. لكن إلى أن تتضح التفاصيل، يبقى السؤال الأكثر بساطة هو الأكثر إثارة: مَن ينتظرها في لبنان؟
لم يكن كامي شوتان، رئيس الوزراء الفرنسي، يعتقد أن مرسومه الصادر عام 1938 سيبقى حاضرًا في الذاكرة العربية بعد قرابة قرن من الزمن. فقد اعتبر يومها اللغة العربية في الجزائر لغة أجنبية، وأخضع تعليمها لإذن من سلطات الاحتلال، في واحدة من أخطر المحاولات الاستعمارية لاقتلاع هوية شعب بأكمله. كان الاحتلال الفرنسي يدرك أن الجيوش تستطيع احتلال الأرض، لكنها لا تستطيع احتلال الإنسان ما دام يحتفظ بلغته. ولذلك لم يكن استهداف العربية إجراءً تربويًا، بل كان مشروعًا سياسيًا متكاملًا لإنتاج جيل يفكر بعقل المستعمر، ويقرأ تاريخه بعين المستعمر، وينظر إلى ذاته كما يريد المستعمر. ولم تكن فرنسا استثناءً. فقد سلك الإيطاليون الطريق نفسه في ليبيا، وحاول البريطانيون تقليص حضور العربية في مصر والسودان. كان الجميع يدرك الحقيقة ذاتها: إسقاط اللغة هو أقصر طريق لإسقاط الهوية. لكن المفارقة الكبرى أن ما عجز عنه الاستعمار بقوانينه وسجونه، بدأ يتحقق اليوم في عدد من الدول العربية بأيدٍ عربية. skip render: ucaddon_material_block_quote تراجع حاد في لبنان، تبدو القضية أكثر تعقيدًا، لأن المشكلة لم تعد مرتبطة باحتلال أجنبي، بل بغياب رؤية وطنية واضحة لموقع اللغة العربية داخل النظام التعليمي. فمنذ سنوات، تتراجع العربية تدريجيًا في عدد من البيئات التعليمية لصالح اللغات الأجنبية، حتى بات بعض الطلاب يتخرجون وهم أكثر قدرة على التعبير بالإنجليزية أو الفرنسية من قدرتهم على كتابة صفحة واحدة بالعربية السليمة. ولا تكمن الخطورة في تعلم اللغات الأجنبية، فهي ضرورة لا خلاف عليها، بل في تحويلها إلى معيار للتفوق، بينما تُختزل العربية في مادة مدرسية جامدة، لا ترتبط بالعلم ولا بالإبداع ولا بسوق العمل. وهنا تبدأ صناعة القطيعة بين الإنسان وهويته. إن أخطر ما يمكن أن تفعله المناهج ليس حذف درس أو إضافة مادة، بل إعادة تشكيل وعي الطالب. فالطفل الذي يُربّى على أن لغة النجاح هي لغة أجنبية، وأن العربية لا تصلح إلا لحصص القواعد والامتحانات، سيكبر وهو يحمل قناعة بأن التقدم يعني الابتعاد عن لغته، وأن الحداثة تبدأ بالتخلي عن جزء من هويته. وهذا ليس تطويرًا للتعليم، بل إعادة إنتاج لعقدة ثقافية عمرها أكثر من قرن. والمفارقة أن لبنان، الذي كان يُعرف بأنه عاصمة النشر العربي، ومركز الصحافة والثقافة والفكر، بات يواجه تحديًا حقيقيًا في الحفاظ على مكانة العربية داخل مؤسساته التعليمية. ولا يمكن تجاهل أن تفاوت السياسات بين المدارس، واختلاف أولويات التعليم، يفتحان نقاشًا مشروعًا حول كيفية تحقيق التوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على اللغة الوطنية. الاستعمار حارب العربية بالقانون… ونحن نحاصرها بالمدارس الثقة المفقودة إن الدول التي تتصدر مؤشرات الابتكار لم تحقق ذلك لأنها تخلت عن لغاتها. اليابان لم تتقدم بالإنجليزية، وألمانيا لم تبنِ جامعاتها بالفرنسية، والصين لم تجعل مستقبلها مرهونًا بلغة غيرها. كلها انفتحت على العالم، لكنها فعلت ذلك من موقع الثقة بلغتها، لا من موقع الشعور بالنقص تجاهها. أما في عالمنا العربي، فقد أصبح بعض الآباء يفاخرون بأن أبناءهم لا يجيدون العربية، وكأن الجهل باللغة الأم شهادة تميز اجتماعي. وأصبحت أسماء المؤسسات والإعلانات وقوائم المطاعم تتزاحم فيها اللغات الأجنبية، بينما تتراجع العربية في الفضاء العام، لا بقرار رسمي، بل بثقافة استهلاكية رسخت فكرة أن اللغة الأجنبية تمنح مكانة أعلى. هنا تتجاوز القضية حدود المدرسة لتصبح قضية دولة. فالمناهج ليست كتبًا فقط، بل هي مشروع وطني لصناعة المواطن. وإذا خرج الطالب من اثني عشر عامًا من التعليم وهو يشعر بالغربة عن لغته، فإن الخلل لم يعد في الطالب، بل في الفلسفة التي صاغت هذا التعليم. لا يحتاج لبنان إلى حرب على اللغات الأجنبية، بل إلى ثورة حقيقية في تعليم العربية؛ ثورة تجعلها لغة علم وتقنية وبحث وإبداع، لا مجرد لغة محفوظات. فاللغات لا تتصارع عندما تكون الدولة واثقة من هويتها، وإنما تتصارع عندما تغيب الرؤية، ويصبح التعليم أسيرًا لاعتبارات السوق أكثر من كونه مشروعًا لبناء الإنسان. ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل مسؤول تربوي وكل واضع للمناهج: هل كان شوتان سيحتاج إلى إصدار قانونه لو رأى أن بعض المجتمعات العربية باتت، من دون إكراه، تُضعف حضور العربية بنفسها؟ ربما لا. فالمستعمر كان يحتاج إلى جيش، وإلى سجون، وإلى قوانين، وإلى رقابة حتى يفرض لغته. أما اليوم، فإن ما عجز عنه بالسلاح، قد يتحقق أحيانًا عبر مناهج تعليمية غير متوازنة، وثقافة اجتماعية تخلط بين الانفتاح والتخلي عن الذات. skip render: ucaddon_box_testimonial
يستيقظ رئيس بلدية الهلالية (شرق صيدا) ميشال أبو زيد صبيحة كل يوم “سعيدا” وهو يرتدي ثيابه ويتفحص كاميرات المراقبة على هاتفه متوجها من منزله في الأشرفية إلى صيدا. فالمنصب الذي يشغله منذ أكثر من عام كان “استثمارا ناجحا” بكل المقاييس، وجاءت “السيبة ثلاثية الأضلاع” بين بعض أصحاب المولدات وتجار البناء في البلدة والبلدية لتكرس ممارسات باتت رائحها القذرة تنتشر لتضر بأصحابها. تأكيدا لما كانت “البوست” قد نشرته منذ أيام عن تجاوزات ومخالفات جمة بدأت تتنامى من ممارسات البلدية الحالية كما من ملفات قديمة، علمت الصحيفة من مصادر مطلعة أن وزارة الداخلية والبلديات وجّهت أمس تنبيهاً إلى رئيس البلدية على خلفية ملاحظات تتصل بأدائه وطريقة تعاطيه مع عدد من الملفات الحيوية، كما تم تبليغ عدد من موظفي البلدية للمثول أمام القضاء المختص على خلفية قضايا سابقة. وبحسب المعلومات المتوافرة، فإن التنبيه جاء بعد تسجيل ملاحظات على تصرفات رئيس البلدية وآلية إدارته لبعض الشؤون المحلية، حيث طُلب منه تحسين أدائه وحسن ممارسة صلاحياته، والابتعاد عن أي ممارسات من شأنها إثارة الاعتراضات أو الإضرار بحسن سير العمل البلدي. وهكذا تتجه الأنظار إلى كيفية تعاطي رئيس البلدية مع هذه الخطوة، وما إذا كانت ستترجم عملياً إلى تغيير في أسلوب الإدارة والتعامل مع الملفات والمواطنين.