تشهد صيدا القديمة “البلد” أعمالا ميدانية مثيرة للقلق داخل أحد المباني المصنّفة آيلة للسقوط، والصادر بحقها قرار رسمي سابق عن بلدية صيدا يقضي بوقف أي أعمال فيها، نظرًا لما تشكّله من خطر مباشر على السلامة العامة. وبحسب صور ومعلومات متداولة وصلت إلى “البوست” فإن ما يجري داخل المبنى لا يندرج في إطار أعمال ترميم عادية، بل يُخشى أن يكون أعمالًا مخالفة قد تؤدي إلى تفاقم وضعه الإنشائي، خصوصًا أنه لا يزال مأهولًا بعدد من العائلات، ما يرفع مستوى الخطورة إلى حدّ احتمال تهديد حياة السكان في حال حصول أي تصدّع إضافي أو انهيار جزئي أو كامل. وتكمن الخطورة، وفق متابعين، في أن الأعمال الجارية قد تمسّ بأساسات المبنى أو سقوفه، في وقت يُفترض فيه أن تكون الأولوية لإخلائه أو تدعيمه وفق الأصول الهندسية والقانونية، لا تنفيذ أعمال قد تزيد هشاشته وتعرّض القاطنين فيه للخطر. كما أثار توقيت هذه الأعمال، بالتزامن مع يوم عطلة رسمية، تساؤلات حول ما إذا كان الهدف فرض أمر واقع بعيدًا عن الرقابة البلدية والإدارية، وسط مخاوف من استغلال غياب المتابعة المباشرة لتنفيذ أعمال ممنوعة في مبنى سبق أن وُضع تحت دائرة الخطر. وحمّلت جهات أهلية محلية المسؤولية الكاملة للبلدية وأحد مالكي العقار الجدد في حال حصول أي تداعيات قد تترتب على هذه الأعمال، لا سيما في حال وقوع أضرار تطال السكان أو المبنى.
ماذا لو جلستَ في قاعة سينما، منتظرًا أفضل فيلم في العام، لتكتشف بعد دقائق أنك غير قادر على تحمّله؟ ليس لأنه سيئ، بل لأنه صامت أكثر مما ينبغي… ثابت أكثر مما يُحتمل. تخيّل المشهد: قاعة مكتظّة، أضواء تنطفئ، عرض يبدأ. دقيقة، دقيقتان، ثلاث… ست دقائق تمرّ ولا شيء يتغيّر. سقف أبيض، بلا حركة، بلا قصة. يبدأ التململ. همسات، احتجاجات مكتومة. في الدقيقة السابعة، ينهض بعض الحضور غاضبين: “ما هذا العبث؟”. ثم، ببطء شديد، تتحرّك الكاميرا. تنخفض من السقف إلى الأسفل. لتكشف الحقيقة: امرأة مشلولة بالكامل، هذا السقف هو عالمها الوحيد. ثماني دقائق من حياتها كانت كفيلة بإرهاق جمهور لم يحتمل الصمت، بينما هي تعيشه عمرًا كاملًا. هذه ليست قصة عن فيلم. إنها قصة عن الإدراك المتأخر. عن لحظة تصطدم فيها رفاهية الشكوى بحقيقة العجز. skip render: ucaddon_material_block_quote في لبنان، لا يحتاج المشهد إلى كاميرا كي ينكشف. السقف حاضر، والجمود أوضح من أن يُخفى. لكن الأخطر ليس في الجمود نفسه، بل في التكيّف معه. خذ مثال الطائفة السنية اليوم. ليست المسألة غياب زعيم تقليدي فحسب، ولا فراغًا عابرًا في القيادة. ما يحدث أعمق من ذلك بكثير: حالة شلل سياسي واجتماعي، حيث الصوت خافت، والقرار مؤجّل، والاتجاه ضائع بين تقاطعات الطوائف الأخرى. كأن جماعة بأكملها تُحدّق في السقف ذاته. تراه كل يوم، كل ساعة، كل لحظة… حتى تفقد القدرة على التساؤل: هل يمكن أن يتغيّر؟ المفارقة أن هذا الشلل لا يُقابل دائمًا بالرفض، بل أحيانًا بالتبرير. يُعاد إنتاجه عبر خطاب الحذر، أو الواقعية الزائفة، أو الخوف من “الأسوأ”. وهنا تكمن الخطورة: حين يصبح العجز خيارًا مريحًا، لا مأساة يجب كسرها. في الفيلم، لم يحتمل المشاهدون ثماني دقائق من الصمت. في الواقع اللبناني، هناك من اعتاد سنوات من الغياب. لكن هل المشكلة في “غياب الرجل”، كما يُقال؟ أم في فكرة أن الطوائف تحتاج رجلًا أصلًا؟ هذا سؤال لا بد منه. لأن اختزال أزمة طائفة كاملة في غياب قائد هو، بحد ذاته، جزء من الأزمة. إنه يعيد إنتاج نموذج الزعامة الفردية، بدل مساءلة البنية التي تجعل الطائفة رهينة لها. ربما الشلل الحقيقي ليس في غياب شخص، بل في غياب مشروع. غياب رؤية جماعية قادرة على إعادة تعريف الدور، خارج منطق التبعية أو رد الفعل. لبنان اليوم ليس بلد الأزمات الطارئة، بل بلد الأزمات المزمنة التي تمّ تطبيعها. كل طائفة وجدت طريقتها الخاصة في التكيّف: بعضها عبر فائض القوة، وبعضها عبر فائض الخطاب، وبعضها، كما في الحالة السنية، عبر فائض الانتظار. انتظار ماذا؟ لا أحد يعرف بدقة. ربما “لحظة إقليمية”، أو “تسوية دولية”، أو عودة زعيم من الماضي. لكن الزمن السياسي لا ينتظر أحدًا، ومن يكتفي بدور المتفرّج، ينتهي به الأمر خارج المشهد. في نهاية ذلك الفيلم القصير، ظهرت رسالة بسيطة: “عرضنا عليكم ثماني دقائق فقط من حياتها، ولم تستطيعوا تحمّلها”. في لبنان، السؤال يجب أن يُطرح بشكل معكوس، كم سنة يمكن أن تُحتمل قبل أن يتحوّل الصمت إلى هوية؟ وكم من الوقت يحتاج مجتمع ما ليكتشف أن السقف ليس قدرًا… بل نتيجة؟ ليست الدعوة هنا إلى الشكوى، بل إلى كسرها. وليست إلى استحضار زعيم، بل إلى استعادة الفعل. skip render: ucaddon_box_testimonial