في أزمنة «التحوّلات الكبرى»، لا تُقاس قوّة الدول بحجم جيوشها أو بما تمتلكه من أدوات النفوذ، بل بقدرتها على إدارة ضعفها بحكمة، وقراءة موازين القوى بواقعية، وتحويل موقعها الجغرافي والسياسي إلى عنصر قوّة بدلًا من أن يكون مصدرًا للخطر. لعلّ هذا هو السؤال الذي يواجه لبنان اليوم أكثر من أيّ وقت مضى: كيف يبقى الوطن وطنًا، في زمن يريد فيه الآخرون أن يكون مجرّد ساحة ضمن خرائطهم وصراعاتهم؟ هنا تحديدًا تبرز فلسفة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لا بوصفها تجربة سياسية مرتبطة بمرحلة معيّنة، بل رؤية متكاملة لبقاء لبنان. فقد كان يرى أنّ لبنان، رغم صغر مساحته، يستطيع أن يكون كبيرًا في علاقاته، منفتحًا على العرب والعالم من دون أن يتحوّل إلى تابع، ومتواصلًا مع الجميع من دون أن يصبح جزءًا من محاور الآخرين. لم تكن هذه مجرّد براعة دبلوماسية، بل فلسفة وطنية عنوانها: حماية لبنان عبر تعزيز الدولة، وتوسيع شبكة علاقاته، والحفاظ على استقلال قراره. الاستقلال الذكي من هذه الرؤية تنطلق فكرة أساسية: فلبنان لا يستطيع أن يعيش منعزلًا عن محيطه والعالم، كما لا يستطيع أن يعيش تابعًا لأيّ قوّة خارجية. وبين العزلة والتبعية توجد مساحة أوسع وأكثر نضجًا، هي مساحة الاستقلال الذكي. فالاستقلال الحقيقي لا يعني قطع العلاقات، كما أنّ الانفتاح لا يعني الارتهان. والسياسة الحكيمة هي التي تجعل العلاقات الخارجية امتدادًا للمصلحة الوطنية، لا انعكاسًا للانقسامات الداخلية. في الدول الصغيرة، لا تُقاس الحكمة بالقدرة على مواجهة الجميع، بل بالقدرة على جعل استقرارها مصلحةً للجميع. ومن هنا يصبح السؤال الصحيح ليس: مَن معنا؟ بل: كيف نجعل العالم كلّه معنيًّا باستقرار لبنان؟ فالصديق الحقيقي هو مَن يساعد لبنان على أن يكون دولةً قويةً بمؤسساتها، لا ساحةً مفتوحةً لصراعات الآخرين. والشريك الحقيقي هو مَن يوسّع هامش القرار الوطني، لا مَن يضيّقه. skip render: ucaddon_material_block_quote منطق الدولة لا الغلبة غير أنّ نجاح أيّ سياسة خارجية يبدأ من الداخل. فلا يمكن للبنان أن يطالب العالم باحترام سيادته إذا كان عاجزًا عن إنتاج شراكة وطنية تحمي هذه السيادة. ولهذا، لم يكن رفيق الحريري يرى النجاة في انتصار فريق على آخر، بل في انتصار الدولة على منطق الغلبة، وانتصار الشراكة على الانقسام. فالتعدّد اللبناني، في نظره، ليس عبئًا ينبغي التخلّص منه، بل مصدر غنى يمكن تحويله إلى عنصر توازن إذا أُدير ضمن دولة عادلة ومؤسسات قوية. ومن هنا تصبح الوحدة الوطنية أكثر من قيمة أخلاقية؛ إنّها إحدى أدوات السيادة نفسها. ويغدو الحوار وسيلةً لحماية الوطن، لا علامة ضعف، ويصبح الاعتدال خيارًا استراتيجيًّا، لا مجرّد موقف سياسي، ويغدو التواصل بين المكوّنات الوطنية استثمارًا في الاستقرار، لا تنازلًا لأيّ طرف. لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال: إلى أيّ محور ينتمي لبنان؟ بل: كيف نجعل لبنان نقطة التقاء للمصالح، بدلًا من أن يبقى ساحةً لتصادمها؟ وهنا يكمن الفارق الجوهري بين لبنان الدولة ولبنان الساحة. الوطن أولًا عندما تترسّخ هذه الفكرة، يصبح واضحًا أنّ الأحزاب تتغيّر، والتحالفات تتبدّل، والمصالح الإقليمية تتغيّر باستمرار، وقد يتحوّل الصديق إلى خصم، والخصم إلى شريك. أمّا الوطن، فإذا خسرناه، فلن يبقى هناك ما يستحقّ أن نختلف عليه أصلًا. ولهذا، لا بدّ من أن تبقى هناك مساحة وطنية مشتركة تتقدّم على كلّ الاصطفافات، نستطيع أن نقول فيها: قد نختلف في السياسة، لكنّنا لا نختلف على لبنان. هذه ليست عبارة عاطفية، بل قاعدة من قواعد البقاء. ففي زمن العواصف، قد لا يستطيع لبنان أن يغيّر اتجاه الرياح، لكنّه يستطيع أن يُحسن توجيه أشرعته، وأن يعرف كيف يحمي نفسه وسط الأمواج المتلاطمة. لبنان لا يُبنى بالغلبة، ولا يُحمى بالعزلة، ولا ينجو بالتبعية العلاقات جسور لا خنادق من هذا المنطلق أيضًا، لم يكن رفيق الحريري ينظر إلى العلاقات الخارجية باعتبارها اصطفافًا دائمًا، بل شبكة مصالح متبادلة. فقد كان يدرك أنّ لبنان لا يستطيع فرض إرادته على العالم، لكنّه يستطيع أن يجعل العالم يرى في استقراره منفعةً مشتركة. وهنا تتجلّى إحدى أهمّ قواعد السياسة للدول الصغيرة: ابنِ علاقاتك بحيث يحتاج الآخرون إلى نجاحك، لا بحيث تحتاج أنت إلى رضاهم. فعندما تصبح مصلحة الآخرين مرتبطة باستقرار لبنان، تتحوّل العلاقة إلى شراكة متوازنة، لا إلى تبعية. ويصبح الانفتاح مصدرًا لتعزيز السيادة، لا بابًا لانتقاصها. هذه هي المعادلة التي تحتاجها الدول الصغيرة دائمًا: ثبات في المبادئ، ومرونة في الوسائل، وتقديم المصلحة الوطنية على أيّ اعتبار آخر. فلسفة النجاة في نهاية المطاف، لا تكون البطولة الوطنية في خوض كلّ المعارك، بل في امتلاك الحكمة التي تميّز بين معركة تستحقّ أن تُخاض، وأخرى يجب منعها قبل أن تبدأ. وربّما كان أعمق ما يمكن استعادته اليوم من فلسفة رفيق الحريري هو هذا الإدراك العميق بأنّ لبنان لا يُبنى بالغلبة، ولا يُحمى بالعزلة، ولا ينجو بالتبعية. بل ينجو عندما يدرك جميع أبنائه حقيقةً بسيطةً وعميقةً في آن واحد: لسنا نحن لبنان كلّه، ولا يملك أحد لبنان وحده؛ نحن جميعًا جزء من لبنان، ولبنان أكبر من الجميع. عندها يصبح الحوار مصدر قوّة، والاعتدال استراتيجية وطنية، والانفتاح استثمارًا سياسيًّا، والعلاقات الخارجية أداةً لتعزيز السيادة، لا وسيلةً للارتهان. فالمسألة ليست أن نعرف مَن سينتصر في صراعات العالم، بل أن نعرف كيف يبقى لبنان بعد أن تنتهي تلك الصراعات. skip render: ucaddon_box_testimonial
ليس في “الكلام المبتور” الذي قالته النائب السابقة بهية الحريري ما يستدعي التضامن معها بوصفه دفاعًا عن شخصها، ولا الاصطفاف خلفها بوصفها ممثلةً لقوة سياسية. فالمسألة أبعد من ذلك. إنها لحظة حقيقة كشفتهم كما “هم”، وأسقطت كل محاولات التجميل والنفاق والتكاذب، وكل الكلام المستهلك عن البيوت المفتوحة، والتضامن الأخوي، ومواجهة العدو، والتكاتف والتعاضد. “هم” هكذا؛ كانوا، وسيبقون، مهما حاول الآخرون مدّ الجسور إليهم، ومهما قُدّمت لهم التنازلات والتضحيات. لم تقدّم بهية الحريري بيوتًا ومدارس ودعمًا وتعاونًا فحسب، بل قدّمت أغلى ما لديها، “دم شقيقها”، ومع ذلك، لم تسلم من حملات التخوين والتحريض واستباحة الكرامات. نعم، إنهم يريدون صيدا فندقًا ليليًّا، وماخورًا بحريًّا، ومعبرًا للحلويات، وأسواقًا شعبية رخيصة، ومكبًّا للنفايات، وواجهة بحرية مستباحة للنراجيل والوشوم. وإذا لم تُسلَّم لهم المدينة كما يريدون، يصبح “الآخر”، في خطابهم، شريكًا في دم المظلومين، وعدوًّا للمحرومين، ومتآمرًا على المقاومة. قالت بهية الحريري ما تقوله أغلبية مَن عاصروهم وعايشوهم واختبروهم. ومن هنا، فإن الدفاع عنها في وجه التحريض على دمها ليس دفاعًا عن شخص، ولا عن تيار، ولا عن قوة سياسية قد نختلف معها أكثر مما نتفق، بل هو دفاع عن أنفسنا، وعن حقنا في قول ما نراه من دون تهديد أو ترهيب أو استباحة. إن الوقوف في وجه «التشبيح» و«الهوبرة» ليس ترفًا سياسيًّا، بل واجب أخلاقي ووطني، قبل أن يمتد “الوباء الأصفر” إلى ما تبقّى من وجود وكرامة وحرية في هذه المدينة المتآكلة…
ليس أصعب على الأمم من أن تخلط بين القوة والضجيج، وبين القيادة والسيطرة، وبين الدولة والسلطة. ففي لحظات الاضطراب، ترتفع الأصوات، وتعلو الخطابات الحادّة، ويظنّ كثيرون أن مَن يملك القدرة على إثارة الغرائز يملك القدرة على صناعة التاريخ. لكن التاريخ نفسه يروي قصة مختلفة تمامًا. فالغريزة السياسية تستطيع أن تكسب معركة، لكنها لا تستطيع أن تبني وطنًا. منذ أن كتب ابن خلدون مقدمته الشهيرة، أدرك أن الدول لا تقوم على العصبية وحدها، بل إن العصبية نفسها تذبل عندما تتحول إلى غاية بدلًا من أن تكون وسيلة. أما مالك بن نبي، فقد رأى أن نهضة الأمم لا تبدأ بتغيير الحكومات فقط، بل بتغيير الأفكار التي تحكم المجتمع. بينما ذهب توماس هوبز إلى أن الدولة هي المخرج الوحيد من فوضى الصراع الدائم، لأنها تنقل الإنسان من منطق القوة إلى منطق القانون. وعلى الرغم من اختلاف الأزمنة والبيئات، فإن هؤلاء جميعًا التقوا عند حقيقة واحدة: لا مستقبل لمجتمع تحكمه الغرائز أكثر مما تحكمه المؤسسات. فالسياسة التي تُبنى على الخوف قد تنتصر في موسم انتخابي، لكنها لا تنتج استقرارًا. والسياسة التي تقوم على تعبئة الانقسامات قد تحشد الجماهير، لكنها تعجز عن بناء الاقتصاد، أو استعادة الثقة، أو صناعة الأمل. أما الاعتدال، فهو ليس منطقة رمادية بين طرفين، ولا هو ضعف في اتخاذ القرار، بل هو شجاعة العقل عندما يرفض أن تستعبده الانفعالات. إنه القدرة على رؤية الوطن بأكمله، لا رؤية جزء منه فقط. skip render: ucaddon_material_block_quote ولذلك، فإن الاعتدال غالبًا ما يدفع ثمنًا باهظًا في البدايات، لأن الجماهير، في لحظات الغضب، تنجذب إلى مَن يرفع سقف الشعارات، لا إلى مَن يضع أسس الحلول. لكن الزمن، وهو القاضي الأكثر عدلًا، يعيد ترتيب الأحكام. فعندما تهدأ العواصف، لا يسأل الناس مَن كان أكثر صراخًا، بل مَن كان أكثر قدرة على حماية الدولة. إن التجربة اللبنانية تقدّم مثالًا واضحًا على هذه الحقيقة. فكل مرحلة غلبت فيها لغة الغلبة على لغة الشراكة، دفعت البلاد ثمنًا من استقرارها واقتصادها ووحدتها. وكل مرحلة اقترب فيها اللبنانيون من فكرة الدولة والمؤسسات، تنفّست البلاد شيئًا من الأمل، مهما كانت التحديات. وهذا هو الامتحان الحقيقي لأي مشروع سياسي: هل يجعل الدولة أكبر من الأحزاب؟ وهل يجعل المواطن أغلى من الاصطفافات؟ وهل يحوّل الاختلاف إلى تنافس في خدمة الوطن، لا إلى صراع على وجوده؟ إن الاعتدال لا ينتصر لأنه يملك جمهورًا أعلى صوتًا، بل لأنه ينسجم مع طبيعة الدولة نفسها. فالدولة لا تعيش بمنطق الغلبة الدائمة، وإنما بمنطق التوازن، والقانون، والعدالة، والمؤسسات. وكل محاولة لاستبدال هذه القواعد بغرائز السياسة قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها تزرع أسباب أزمات جديدة. حين تتراجع الغرائز… تتقدّم الدولة ومن هنا، فإن المشاريع الوطنية التي تجعل الدولة غايتها لا تموت بسهولة. قد تتراجع، وقد تتعرض لحملات التشكيك، وقد تخسر مواقعها السياسية، لكنها تبقى كامنة في وجدان المجتمع، لأن الحاجة إليها تتجدد كلما أثبتت الأزمات أن البديل عنها هو المزيد من الانقسام. إن التاريخ يعلّمنا أن الاعتدال لا يسابق الزمن، بل يصاحبه. وقد يبدو بطيئًا مقارنة بالاندفاع، لكنه أكثر رسوخًا من العاصفة. فالعاصفة تقتلع الأشجار، لكنها لا تستطيع أن تمنع الربيع من العودة. وهكذا، فإن انتصار الاعتدال ليس وعدًا حتميًا، بل احتمال تقوّيه التجارب عندما يقترن بالرؤية، والعمل، والقدرة على مراجعة الذات وتجديد المشروع. فالأفكار التي تخدم الدولة وتضع الإنسان في مركز اهتمامها تملك من أسباب البقاء أكثر مما تملكه الأفكار التي تعيش على الانقسام. skip render: ucaddon_box_testimonial