كلما جلستُ لأخطّ حرفاً في الآونة الأخيرة، تراجعتُ. كنتُ أكتب الفكرة ثم أمحوها، ليس عجزاً عن التعبير، بل لأن الحرص على أمن هذه المدينة، وعلى سلامة الوطن، بات يتقدم عندي على أي مقال صحفي أو استعراض مطلبي محق. غير أن الصمت لم يعد خياراً حين تكتشف أن صمتك يتقاطع مع هواجس ومخاوف يهمس بها الجميع في منازلهم وجلساتهم المغلقة الناس في مدينتنا صيدا يعيشون القلق نفسه، ويسألون الأسئلة الحرجة ذاتها: بين بيع الأراضي في “مناطق الخطر”، وشراء شقق متواضعة بأسعار خيالية في صيدا… إلى أين نمضي؟ وهل ما نشهده هو مجرد نزوح عابر، أم أنه ملامح تغيّر ديمغرافي دائم يغذيه الطمع وتفرضه لغة الحرب؟ حين يغيب اليقين ويختلط الخوف بالشك، ندرك أن الموضوع بات خطيراً جداً، فلا يجوز للفيل أن لا يرى ما وراء الشجرة. بورصة الخوف وسماسرة “الاستقرار المستعجل” القصة لا تحتاج إلى تحليلات معقدة، بل تبدأ من تفاصيل بسيطة تشبه حكايات بيوتنا. شقة صغيرة في صيدا، معروضة للبيع منذ سنتين، شقة متواضعة وإن كانت في نظر أصحابها “ستّ النساء”، لم تجد مشترياً بعشرين ألف دولار. فجأة، وبلحظة خاطفة، طار السعر، وبيعت بسرعة بخمسة وأربعين ألفاً! هذه ليست حالة فردية، بل عينة من مشهد يمتد على طول الساحل. ينقل لي أحد السماسرة أن الأسعار من صيدا وصولاً إلى خلدة، وخصوصاً في برجا – حكاية برجا تحتاج مقالاً آخر – قفزت بشكل جنوني وعادت إلى ما كانت عليه قبل انهيار العملة وسقوط السوق العقاري. سمسار آخر، ابن الجنوب الذي يعرف تفاصيل صيدا جغرافياً وبشرياً بحكم عمله المستمر فيها منذ أكثر من عشر سنوات، يروي لي دهشته. يقول إن الطلب الأخير على إحدى الشقق وصل إلى حدود الـ180 والـ200 ألف دولار كاش. المفارقة ليست في الرقم فقط، بل في الشروط: يريدونها “مفروشة” ومع حديقتها، يبحثون عن “السكن السريع” الفوري… يبحثون عن استقرار مستعجل، مهما كان الثمن وبأي شروط. أو أن إشاعة التكليف الشرعي حقيقية بين الاستئجار طويل المدى أو الشراء مهما كلّف الثمن. skip render: ucaddon_material_block_quote استباحة الأرصفة وهواجس الميدان هذا التهافت العقاري يقابله في الميدان مفصل آخر لا يقل خطورة: مشهد الكورنيش والشارع الصيداوي. هناك حالة من الاستباحة الصامتة للأرصفة ومواقف السيارات المجانية العامة التي كانت أصلاً تشكل أزمة لأبناء المدينة. في عينة حية، تجد محلاً مؤجراً حديثاً بات يسيطر بقوة الأمر الواقع على أكثر من ثمانية مواقف للسيارات المحيطة به. المشهد يتجاوز التجارة إلى نمط حياة مريب: نساء تنام داخل المحل، ورجال يبيتون في السيارات المركونة في محيطه، “رابيدات” و”بيك آب” وسيارات أغلبها بلا لوحات، بلا نمر، تتحرك وتتمركز بطريقة تثير الريبة وتزرع القلق في نفوس الجوار، بل وعندما تتحرك آلية ما تُستبدل بغالونات الماء أو منشر غسيل! نحن أمام مشكلة هائلة تتجاوز قدرة المدينة على الاحتمال. لغة الأرقام الصادرة من خلف كواليس الأجهزة الأمنية تصدم العقل. صيدا التي كان يبلغ عدد سكانها، مع أهلنا في المخيمات الفلسطينية، حوالي 300 إلى 350 ألف نسمة، تضم اليوم في أزقتها وشققها وضواحيها أكثر من 700 ألف نازح! نحن نتحدث عن ضِعف العدد الأصلي. ضغط هائل على البنى التحتية، أزمة مياه ومجارٍ، استنزاف للخدمات، واختناق يومي لا تحتمله جغرافيا المدينة ولا قدرتها الاقتصادية، وخوف بين من يستضيف والمضيف، و”كل الناس خير وبركة… احسبها على حالك”. حين ينطق التاريخ: دروس صور وبعلبك هذا المشهد المعقد يعيدنا بالذاكرة إلى دفاتر التاريخ القريب والبعيد، ويجبرنا أن نتمحّص في تحولات الجغرافيا اللبنانية. من يقرأ تاريخ مدينتين عريقتين مثل صور وبعلبك، يعرف جيداً أنهما كانتا في حقب سابقة بتركيبة ديمغرافية ذات أغلبية من طائفة معينة، وكيف تبدلت الموازين والظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية عبر العقود ليأخذا حُلّة ديمغرافية مغايرة تماماً، تماهت مع واقع جديد. التاريخ ليس مجرد أحداث مضت، بل هو دروس تمشي على الأرض. والخشية اليوم، بين السطور وفي عمق النفوس، أن تكون صيدا أمام مسار شبيه، يُرسم ببطء تحت وطأة الحاجة والنزوح، ويُنفذ بأموال الطمع العقاري، فتصبح “حدت” أخرى فتُسمى “الحدث”، وهذه مخاوف عاشها العونيون في بداية عودة الجنرال عون الرئيس السابق. حين يُباع الحجر بالخوف، تُشترى المدن على مهل من طوق الشام إلى بوابة الجنوب عند هذا الحد، لا يمكن للعين الصحفية إلا أن تقرأ ما هو أبعد من الحدود اللبنانية. يتملكنا تساؤل قلق الكيان ومريب الاستفهام: هل نحن أمام محاولة لإنتاج “دمشق جديدة” بدلاً من تلك التي حُررت وعُدّلت هويتها؟ التجربة السورية حاضرة كشاهد حي. فالعاصمة دمشق لم تتغير بين ليلة وضحاها، بل خضعت لطوق ديمغرافي محكم عبر خطة ذكية وممنهجة قادها حافظ الأسد المقبور واستكملها بشار الأسد الهارب. بدأت الفكرة قديماً تحت مسميات تنظيمية وإسكانية، من خلال بناء “مساكن الضباط” ثم تجمعات العسكر، لتتحول تلك الأطراف تدريجياً عبر العقود إلى أحياء سكنية شاسعة ومكتظة، تحاوط قلب الشام التاريخي وتخنقه ديمغرافياً وعسكرياً عند أي منعطف، مغيرةً وجه المدينة إلى الأبد، وهذا ما حصل في عاصمة الأمويين التي استُرجعت بملايين المشردين والشهداء والجرحى. فهل ما يجري على طول الساحل الصيداوي اليوم هو محاكاة لتلك “الأطواق” ونحن على أبواب عاشوراء؟ تحركات مريبة تحت غطاء إنساني هذا التوجس يكتسب بُعداً ملموساً وثقه تقرير لافت ومقلق نشره المصدر الإلكتروني “البوصلة” تحت عنوان: “مخاوف في صيدا من تحركات عصائب أهل الحق تحت غطاء إنساني”. التقرير أثار الأنشطة الأخيرة لـ”عصائب أهل الحق” العراقية، المصنفة على قوائم الإرهاب الدولية، في مدينة صيدا وجوارها، حيث يُسجل للمنظمة حركة نشطة في توزيع المساعدات الغذائية والإنسانية، وسط علامات استفهام كبرى يسوقها التقرير في نقاط ثلاث تصيب جوهر المشهد: • الغطاء الإنساني الوهمي: حيث يرى المراقبون أن توزيع تلك المساعدات ليس سوى واجهة ذكية لكسب حاضنة شعبية محلية، وتثبيت نفوذ سياسي وميداني مباشر في عصب “بوابة الجنوب”. • غياب الدولة المريب: وهو ما يطرح تساؤلات حارقة حول غياب الرقابة الرسمية والأمنية للدولة اللبنانية، وسط اتهامات صريحة لـ”حزب الله” بتسهيل دخول الحركة وتأمين حريتها المطلقة في التنقل والنشاط. • التنسيق ووحدة الساحات: تشير القراءات السياسية إلى أن هذا التواجد المستجد يأتي بالتنسيق الكامل مع “حزب الله” لتعزيز مفهوم “وحدة الساحات” على الأرض، والتحضير العملي لسيناريوهات ميدانية وأمنية مستقبلية عبر استخدام فصائل حليفة وعابرة للحدود. skip render: ucaddon_box_testimonial
لم تعد المسألة مجرد أزمة نزوح عابرة تتعامل معها عاصمة الجنوب اللبناني بخلفيتها الإنسانية المعهودة، بل تحوّلت في الآونة الأخيرة إلى واقع ضاغط يهدّد السلم الأهلي وهوية المدينة القانونية. الشواهد اليومية في شوارع صيدا، من أسواقها التجارية إلى واجهتها البحرية، باتت توثّق حالات غير مسبوقة من الاستفزاز، والتطاول السافر على عناصر شرطة البلدية، والتعدّيات المستمرة على الأملاك العامة والخاصة من قِبل بعض المجموعات الوافدة. أمام هذا المشهد، يتصاعد الغضب الصيداوي ليعلن نهاية زمن التراخي: صيدا التي فتحت أبوابها ومنازلها انطلاقًا من واجبها الوطني والإنساني، لن تسمح بأن تُستباح كرامتها، أو أن يُفرض عليها واقع الفوضى تحت أي شعار. الاستفزاز الممنهج تجاوزت الأمور حدود “الإشكالات الفردية” لتأخذ منحى التمرّد على الأنظمة المحلية. فشرطة البلدية، التي تمثل السلطة المحلية والوجه التنظيمي للمدينة، تعرّضت لأكثر من محاولة تطاول واعتداء مباشر أثناء قيامها بواجبها في منع البسطات العشوائية وإخلاء الأرصفة والكورنيش البحري. هذا الرصيف، الذي يمثل متنفس المدينة ومرفقها الحيوي، تحوّل في كثير من أجزائه إلى مربعات عشوائية ومظاهر تشوّه الطابع المدني لصيدا، وسط إصرار من المخالفين على ضرب القرارات الرسمية بعرض الحائط. إن هذا التجرؤ على هيبة القانون لا يمثل اعتداءً على عنصر بلدي فحسب، بل هو طعنة في خاصرة الاستقرار الصيداوي. كما أن التراخي الرسمي والأمني في حسم هذه التجاوزات منذ بدايتها أسهم في إعطاء انطباع خاطئ بأن المدينة يمكن تحويلها إلى ساحة مفتوحة للمخالفات، وهو ما ترفضه الفعاليات الشعبية جملةً وتفصيلًا. skip render: ucaddon_material_block_quote من الاستضافة إلى حماية الأرض أثبتت التجارب أن الرهان الأكبر في المحطات المصيرية يقع على عاتق أبناء صيدا أنفسهم. فالأمن لا يبدأ فقط من مخافر الدولة، بل من وعي الشارع وتضامنه. وفي هذه المرحلة الدقيقة، لم يعد مطلوبًا من الصيداويين الاكتفاء بدور المتفرج أو الشاكي؛ بل إن المسؤولية الوطنية تفرض عليهم اليوم الانتقال إلى مربع المبادرة وحماية مدينتهم عبر جبهة أهلية متماسكة. يتجلّى دور أهل المدينة اليوم في فرض معادلة واضحة لا تقبل اللبس “النزوح مسؤولية إنسانية، لكن النظام سيادة كاملة”. لذلك، يجب على العائلات الصيداوية والقوى المحلية رفع الغطاء عن أي شخص، سواء كان من أبناء المدينة أو من الضيوف، يحاول استغلال هذه الأزمة لتحقيق مكاسب مادية غير قانونية، والتبليغ عنه فورًا. كما أن تفعيل لجان الأحياء والشباب في مختلف مناطق صيدا لرصد أي تحرك مشبوه أو تعدٍّ على البنى التحتية، من مياه وكهرباء وشبكات صرف صحي، والتبليغ الفوري عنه، يمثل خط الدفاع الأول الذي يمنع استفحال الفوضى. شرطة البلدية، التي تواجه نقصًا في العديد والإمكانات، بحاجة اليوم إلى “حاضنة شعبية” قوية. فعندما يشعر المخالف أن التعدي على الشرطي سيواجَه بغضب ورفض من كل أبناء الحي، سيفكر ألف مرة قبل الإقدام على أي حماقة. صيدا في عين العاصفة: حين تصبح الفوضى تهديدًا للسلم الأهلي لوضع حدّ للمهزلة يُعدّ استمرار هذا الفلتان التنظيمي مهزلة حقيقية يجب أن توضع لها نهاية فورية. والمطلوب اليوم هو تنسيق رفيع المستوى، وتكثيف غير مسبوق للجهود بين بلدية صيدا، والأجهزة الأمنية الرسمية، وأبناء المدينة، والفعاليات الأهلية، لضرب المخالفات بيد من حديد. فلم يعد هناك متسع للمجاملات أو المداراة على حساب أمن الاستقرار اليومي. صيدا كانت وستبقى مدينة النخوة والشهامة، لكن شهامتها لم تكن يومًا مرادفًا للضعف أو القبول بفرض “أمر واقع” يشوّه معالمها ويهدد سلامة سكانها. إن التضامن الحقيقي لأبناء المدينة اليوم هو المقياس؛ فإما أن ينتفض الوعي الجماعي الصيداوي ليعيد الأمور إلى نصابها ويفرض احترام القانون على الجميع دون استثناء، وإما أن تُترك المدينة لقمة سائغة للتخبط والفوضى. skip render: ucaddon_box_testimonial