ليس أصعب على الأمم من أن تخلط بين القوة والضجيج، وبين القيادة والسيطرة، وبين الدولة والسلطة. ففي لحظات الاضطراب، ترتفع الأصوات، وتعلو الخطابات الحادّة، ويظنّ كثيرون أن مَن يملك القدرة على إثارة الغرائز يملك القدرة على صناعة التاريخ. لكن التاريخ نفسه يروي قصة مختلفة تمامًا. فالغريزة السياسية تستطيع أن تكسب معركة، لكنها لا تستطيع أن تبني وطنًا. منذ أن كتب ابن خلدون مقدمته الشهيرة، أدرك أن الدول لا تقوم على العصبية وحدها، بل إن العصبية نفسها تذبل عندما تتحول إلى غاية بدلًا من أن تكون وسيلة. أما مالك بن نبي، فقد رأى أن نهضة الأمم لا تبدأ بتغيير الحكومات فقط، بل بتغيير الأفكار التي تحكم المجتمع. بينما ذهب توماس هوبز إلى أن الدولة هي المخرج الوحيد من فوضى الصراع الدائم، لأنها تنقل الإنسان من منطق القوة إلى منطق القانون. وعلى الرغم من اختلاف الأزمنة والبيئات، فإن هؤلاء جميعًا التقوا عند حقيقة واحدة: لا مستقبل لمجتمع تحكمه الغرائز أكثر مما تحكمه المؤسسات. فالسياسة التي تُبنى على الخوف قد تنتصر في موسم انتخابي، لكنها لا تنتج استقرارًا. والسياسة التي تقوم على تعبئة الانقسامات قد تحشد الجماهير، لكنها تعجز عن بناء الاقتصاد، أو استعادة الثقة، أو صناعة الأمل. أما الاعتدال، فهو ليس منطقة رمادية بين طرفين، ولا هو ضعف في اتخاذ القرار، بل هو شجاعة العقل عندما يرفض أن تستعبده الانفعالات. إنه القدرة على رؤية الوطن بأكمله، لا رؤية جزء منه فقط. skip render: ucaddon_material_block_quote ولذلك، فإن الاعتدال غالبًا ما يدفع ثمنًا باهظًا في البدايات، لأن الجماهير، في لحظات الغضب، تنجذب إلى مَن يرفع سقف الشعارات، لا إلى مَن يضع أسس الحلول. لكن الزمن، وهو القاضي الأكثر عدلًا، يعيد ترتيب الأحكام. فعندما تهدأ العواصف، لا يسأل الناس مَن كان أكثر صراخًا، بل مَن كان أكثر قدرة على حماية الدولة. إن التجربة اللبنانية تقدّم مثالًا واضحًا على هذه الحقيقة. فكل مرحلة غلبت فيها لغة الغلبة على لغة الشراكة، دفعت البلاد ثمنًا من استقرارها واقتصادها ووحدتها. وكل مرحلة اقترب فيها اللبنانيون من فكرة الدولة والمؤسسات، تنفّست البلاد شيئًا من الأمل، مهما كانت التحديات. وهذا هو الامتحان الحقيقي لأي مشروع سياسي: هل يجعل الدولة أكبر من الأحزاب؟ وهل يجعل المواطن أغلى من الاصطفافات؟ وهل يحوّل الاختلاف إلى تنافس في خدمة الوطن، لا إلى صراع على وجوده؟ إن الاعتدال لا ينتصر لأنه يملك جمهورًا أعلى صوتًا، بل لأنه ينسجم مع طبيعة الدولة نفسها. فالدولة لا تعيش بمنطق الغلبة الدائمة، وإنما بمنطق التوازن، والقانون، والعدالة، والمؤسسات. وكل محاولة لاستبدال هذه القواعد بغرائز السياسة قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها تزرع أسباب أزمات جديدة. حين تتراجع الغرائز… تتقدّم الدولة ومن هنا، فإن المشاريع الوطنية التي تجعل الدولة غايتها لا تموت بسهولة. قد تتراجع، وقد تتعرض لحملات التشكيك، وقد تخسر مواقعها السياسية، لكنها تبقى كامنة في وجدان المجتمع، لأن الحاجة إليها تتجدد كلما أثبتت الأزمات أن البديل عنها هو المزيد من الانقسام. إن التاريخ يعلّمنا أن الاعتدال لا يسابق الزمن، بل يصاحبه. وقد يبدو بطيئًا مقارنة بالاندفاع، لكنه أكثر رسوخًا من العاصفة. فالعاصفة تقتلع الأشجار، لكنها لا تستطيع أن تمنع الربيع من العودة. وهكذا، فإن انتصار الاعتدال ليس وعدًا حتميًا، بل احتمال تقوّيه التجارب عندما يقترن بالرؤية، والعمل، والقدرة على مراجعة الذات وتجديد المشروع. فالأفكار التي تخدم الدولة وتضع الإنسان في مركز اهتمامها تملك من أسباب البقاء أكثر مما تملكه الأفكار التي تعيش على الانقسام. skip render: ucaddon_box_testimonial
لم يكن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب السماح لشركات الطيران الأميركية بإعادة تسيير رحلات مباشرة إلى لبنان مجرد تفصيل سياحي أُضيف إلى نتائج زيارة الرئيس جوزف عون للبيت الأبيض، بل حمل دلالة سياسية وأمنية تتجاوز بكثير عدد الرحلات التي قد تُسيَّر بين بيروت ونيويورك أو واشنطن. فالقرار يطوي، من حيث المبدأ، صفحة بدأت عام 1985، عندما أوقفت إدارة الرئيس رونالد ريغان الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان، عقب اختطاف طائرة أميركية وتحويلها إلى مطار بيروت في واحدة من أشهر عمليات خطف الطائرات خلال الحرب الأهلية اللبنانية. قرار تاريخي بعد أكثر من أربعين عامًا، اختار ترامب الإعلان عن رفع الحظر مباشرة بعد لقائه عون، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن تريد تقديم خطوة عملية ورمزية تعكس انتقال تعاملها مع لبنان من مرحلة الحذر والعقوبات الأمنية إلى مرحلة الانفتاح المشروط والثقة التدريجية. لكن القرار، على أهميته، لا يعني أن الطائرات الأميركية ستبدأ الهبوط في مطار بيروت فورًا، إذ لا تزال العودة الفعلية مرتبطة بتقييم أمني أميركي شامل للمطار، وبقرارات تجارية تتخذها شركات الطيران نفسها، استنادًا إلى الجدوى الاقتصادية والمخاطر التشغيلية وكلفة التأمين. توقيت الإعلان لا يقل أهمية عن مضمونه. فالقرار لم يصدر بوصفه إجراءً تقنيًا منفصلًا اتخذته إدارة الطيران الفيدرالية، بل جاء على لسان الرئيس الأميركي وبعد لقاء سياسي على أعلى مستوى، ما يجعله جزءًا من حزمة رسائل أرادت واشنطن توجيهها بشأن مستقبل لبنان. الرسالة الأولى أن الإدارة الأميركية ترى أن لبنان دخل، أو يمكن أن يدخل، مرحلة أمنية وسياسية مختلفة عن تلك التي حكمت النظرة الأميركية إليه طوال العقود الماضية. والرسالة الثانية أن واشنطن تريد مكافأة المسار الذي يقوده عون، وإظهار أن التعاون مع الدولة اللبنانية يمكن أن ينتج فوائد مباشرة لا تقتصر على المساعدات العسكرية والبيانات الدبلوماسية. أما الرسالة الثالثة فهي أن الولايات المتحدة مستعدة لإعادة دمج لبنان تدريجيًا في شبكة العلاقات الاقتصادية والسياحية الدولية، شرط أن ينجح في تثبيت الاستقرار وتعزيز سلطة مؤسساته الشرعية. skip render: ucaddon_material_block_quote جرح عام 1985 تعود جذور الحظر إلى 14 حزيران/يونيو 1985، عندما اختُطفت طائرة شركة «تي دبليو إيه» الأميركية، الرحلة رقم 847، بعد إقلاعها من أثينا في طريقها إلى روما. وكان على متنها 153 راكبًا وأفرادًا من الطاقم، بينهم عشرات الأميركيين. حمل الخاطفان مسدسات وقنابل يدوية وأجبرا الطائرة على تغيير مسارها، لتتنقل خلال الأزمة بين بيروت والجزائر، قبل أن تستقر مجددًا في العاصمة اللبنانية. واستمرت محنة الرهائن 17 يومًا، وقُتل خلالها الغطاس في البحرية الأميركية روبرت ستيثم، بعدما تعرض للتعذيب ثم أُلقيت جثته قرب الطائرة في مطار بيروت. وقعت العملية في ذروة الحرب الأهلية، حين كانت الدولة اللبنانية عاجزة عن فرض سيطرتها الكاملة على المطار ومحيطه، وكانت عمليات خطف الأجانب والتفجيرات واستهداف المصالح الأميركية جزءًا من مشهد أمني شديد الخطورة. ردّت إدارة ريغان بوقف الرحلات الجوية المباشرة وفرض قيود مشددة على التعامل مع مطار بيروت. كما ظهرت داخل الكونغرس دعوات إلى اتخاذ خطوات لعزل المطار وإغلاقه أمام الحركة الدولية، باعتباره، وفق النظرة الأميركية آنذاك، منشأة لا تستطيع الدولة اللبنانية ضمان أمنها. وتضمنت تشريعات أميركية صدرت عام 1985 تشجيع الإدارة على اتخاذ خطوات من أجل إغلاق مطار بيروت دوليًا إلى حين توفير الضمانات الأمنية المطلوبة. وبذلك، لم يكن توقف الرحلات نتيجة ضعف الطلب أو خسائر تجارية، بل كان عقوبة أمنية وسياسية مرتبطة بصورة لبنان بوصفه دولة غير قادرة على حماية المسافرين والطائرات الأجنبية. أكثر من رحلة تنبع أهمية قرار ترامب من أنه يزيل واحدة من أقدم علامات عدم الثقة الأميركية بلبنان. فالرحلة الجوية المباشرة ليست مجرد وسيلة نقل، بل اعتراف عملي بأن مطار الدولة قادر على تلبية المعايير الأمنية المطلوبة، وأن البلد لم يعد يُعامَل فقط باعتباره ساحة خطر مفتوحة. ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار القرار شهادة سياسية مبدئية للبنان، لكنه ليس شهادة أمنية نهائية. فقد أكدت التقارير التي رافقت الإعلان أن استئناف الرحلات سيبقى مرتبطًا بإجراء تقييم أمني أميركي شامل لمطار رفيق الحريري الدولي وترتيباته التشغيلية. وسيكون على الجهات الأميركية مراجعة آليات تفتيش الركاب والحقائب والشحن، وإجراءات دخول العاملين إلى المناطق الحساسة، وحماية الطائرات أثناء وجودها على الأرض، إضافة إلى طبيعة الأجهزة الأمنية التي تدير المطار ومدى قدرتها على منع أي تدخل غير رسمي في عملياته. لذلك، فإن القيمة الأولى للقرار أنه يفتح الباب المغلق، لا أنه يضمن عبور الطائرات منه فورًا. من خطف الطائرة إلى استعادة الثقة… لبنان يعود إلى الأجواء الأميركية امتحان المطار يضع الإعلان الدولة اللبنانية أمام امتحان بالغ الحساسية. فقد كانت مسألة أمن مطار بيروت وحصرية القرار داخله من أكثر الملفات إثارة للجدل في العلاقات اللبنانية–الأميركية.وكلما تصاعد التوتر الإقليمي، عادت شركات الطيران الأجنبية إلى تعليق رحلاتها أو تقليصها، ما جعل لبنان يعتمد إلى حد كبير على شركة طيران الشرق الأوسط، التي واصلت العمل في ظروف انسحبت فيها شركات دولية كثيرة. إعادة الشركات الأميركية تتطلب مستوى مختلفًا من الضمانات. فهذه الشركات لا تتحرك فقط وفق قرار سياسي، بل وفق حسابات تتعلق بسلامة الطواقم والطائرات، وتعليمات إدارة الطيران الفيدرالية، وتحذيرات وزارة الخارجية، وشروط شركات التأمين. وهنا تظهر مفارقة لا يمكن تجاهلها: فبينما أعلن ترامب رغبته في تسهيل سفر الأميركيين إلى لبنان، كانت وزارة الخارجية الأميركية لا تزال تضع لبنان ضمن مستوى التحذير الأعلى، «لا تسافر»، بسبب المخاطر الأمنية والاضطرابات واحتمالات الإرهاب وضعف بعض الخدمات. ولا يمكن قيام خط جوي منتظم ومستدام بينما يبقى لبنان مصنّفًا وجهة عالية الخطورة. ولذلك، قد تكون الخطوة التالية الأكثر أهمية هي تعديل التحذير الأميركي من السفر، أو استثناء مناطق ومسارات محددة منه، بعد اكتمال المراجعة الأمنية. مكسب للعهد سياسيًا، يشكّل القرار مكسبًا واضحًا للرئيس جوزف عون، لأنه يقدّم نتيجة ملموسة لزيارته إلى واشنطن. فعوض أن تنتهي الزيارة بصور وبيانات عامة، خرجت بإعلان يمس حياة مئات آلاف اللبنانيين والأميركيين من أصل لبناني، ويعيد فتح صلة انقطعت منذ أربعة عقود. كما يسمح القرار لعون بتقديم نفسه شريكًا قادرًا على إعادة بناء الثقة الدولية بلبنان، خصوصًا أن الإعلان جاء ضمن سياق أميركي أوسع يتصل بدعم الجيش وتثبيت سلطة الدولة وتنفيذ الترتيبات الأمنية الجديدة. لكن هذا المكسب يحمل في داخله التزامًا. فواشنطن التي رفعت الحظر سياسيًا ستنتظر من العهد الحفاظ على الشروط التي سمحت برفعه، وفي مقدمها ضمان أمن المطار ومنع استخدامه أو مرافقه خارج سلطة الدولة. وبالتالي، قد يتحول قرار الرحلات إلى أداة ضغط ناعمة: مكافأة قابلة للتوسع إذا تقدّم مشروع الدولة، وقابلة للتجميد مجددًا إذا تراجعت الثقة الأمنية. الاغتراب اللبناني يمتلك لبنان جالية كبيرة ومؤثرة في الولايات المتحدة، تضم رجال أعمال وأطباء وأكاديميين وناشطين وعائلات حافظت على روابطها الاجتماعية والاقتصادية مع وطنها الأم. وخلال العقود الماضية، اضطر المسافر بين البلدين إلى المرور عبر مطارات أوروبية
ما هكذا يكون ردّ الجميل، يا وزير الصحة. فصيدا، التي فتحت أبوابها وقلوب أهلها للنازحين ولا تزال، لا يجوز أن تُعامَل هي ومؤسساتها بهذه الطريقة السيئة. ليس المستشفى التركي في المدينة من «كوكب آخر»، بل هو صرح طبي وصحي مميّز، يحاول القائمون عليه المحافظة عليه برموش العين، فلماذا يُحرم من أبسط حقوقه ومستحقاته؟ هل تعلم أنك ستقوم خلال يومين بما عجزت إسرائيل عن القيام به بحق المرضى اللبنانيين، من خلال ممارساتك وممارسات وزير المال، وأنتما اللذان تنتميان إلى «بيئة» احتضنتها صيدا في أحلك الظروف وأصعبها؟ فتردّان لها المعروف بحرمان المستشفى من أمواله اللازمة لشراء مادة المازوت، لتتوقف ماكينات تشغيل الأكسجين للمرضى، فتقتلوهم اختناقًا، تمامًا كما فعل الإسرائيليون في مستشفيات غزة. صيدا ليست مكسَر عصا، بل تستحق التبريك والتبجيل لما قامت به، حتى على حساب أهلها. ولا يجب السكوت على معاملة صرح بدأ يشق طريقه بصعوبة وثبات بهذه الطريقة، فيُحرم موظفوه من رواتبهم منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وتضطر إدارة المستشفى إلى التسوّل للحصول على بضعة ليترات من المازوت، كي تبقى ماكينات ضخّ الحياة عاملة، وكذلك لتأمين أكياس المصل… ليس أي مستشفى في الجنوب أو البقاع أو الضاحية، أو في أي مكان، أولى من المستشفى التركي. وما ينطبق على غيره من المستشفيات الحكومية ينطبق عليه، وإلا فستكون مسؤولية الطامّة في قابل الأيام في رقاب مَن استهانوا، واستكثروا، وتعاملوا بخفّة مع حياة الناس وكرامة مدينة وتضحيات أهلها… ويبقى السؤال المتجدّد والمملّ نفسه مع كل استحقاق كهذا: أين سياسيو المدينة وفاعلياتها وقواها الفاعلة ممّا يحصل؟