قد يكون ما سيلي واحدًا من أغرب الأخبار التي قد تقرؤها في حياتك، وقد يصلح لاحقًا ليُدرَّس في كليّات الإعلام باعتباره «خبرًا عجيبًا». بلدية صيدا تسرق المال من «المتسوّلين». نعم، بهذه البساطة والغرابة. فقد تفتّقت العبقرية الإدارية والمالية لرئيس بلدية صيدا عن اقتراح قضى بالاستيلاء على الأموال التي وُجدت بحوزة عدد من المتسوّلين في المدينة، علمًا أنّ «الغلمان» الذين تم توقيفهم من قبل شرطة البلدية، أُوقفوا وهم يبيعون «الطبلة» في شوارع المدينة، وليس يتسوّلون على الطرقات والتقاطعات المعروفة. بحسب معلومات حصلت عليها «البوست»، فقد تم توقيف عدد من الصبيان الذين لا تزيد أعمارهم على 15 عامًا بسبب بيعهم أدوات موسيقية، ووُجد بحوزتهم مبلغ من المال يزيد على 6 ملايين ليرة. طلب رئيس البلدية أن تُضاف إلى الصندوق البلدي وتُستخدم للصرف على شرطة البلدية، مهما تكن الحاجة لذلك. كما عُلم أنّ مبلغًا يزيد على 20 مليون ليرة ضُبط بحوزة أحد المتسوّلين قبل مدة، وتمت مصادرته لصالح صندوق الشرطة البلدية. الأكيد أنّ لا أحد منّا مع ظاهرة التسوّل في الطرقات، لا سيّما أنّ منعها يعود الفضل فيه في صيدا لرجل الأعمال مرعي أبو مرعي، الذي بادر على نفقته الخاصة إلى منعها من الشوارع لا للبلدية نفسها. أمّا أن يصل الأمر بإدارة رسمية إلى مصادرة أموال “المعدومين”، لا سيّما أنّ اثنين منهم يبيعان في الشوارع لسداد تكاليف عملية غسل الكلى لإحدى شقيقاتهما، فهو أمر مؤسف في بلد يزيد فيه الغباء يوميًا حدّ التخلّف.
كي يُقدم على خطوةٍ من هذا النوع، وليست المرة الأولى، حُكمًا كان رئيس بلدية صيدا مصطفى حجازي يظنّ أنه سيشارك في منتديات مجموعة العشرين الصناعية الدولية G20، لا في تجمّع فؤاد السنيورة في بناية السادات، وإلا لكان أعاد حساباته بدقّة، متجنّبًا افتعال مشكلة إضافية تُسجَّل في مسيرة “إنجازاته” في الشأن العام. حجازي، الذي يعلم الصيداويون جميعًا أنه لولا قرار الأيام الأخيرة قبيل الانتخابات من قبل النائب السابق بهية الحريري، لما كان متربّعًا على كرسي البلدية اليوم، وأنه وفريق عمله الأساسي محسوبون على جو “آل الحريري” في الصغيرة قبل الكبيرة، فما المستجدّ الذي يدفعه إلى خطوات غير محسوبة، كالمشاركة في مجموعة يترأسها السنيورة، المغضوب عليه حريريًا؟ بحسب أوساط سياسية مطّلعة، لوحظ منذ مدة قيام حجازي بمحاولات واضحة للتمايز عن “جو الحريري”، والتقرّب من بعض القوى السياسية الأخرى في المدينة، تحت عنوانٍ فضفاض مفاده أن البلدية وعاءٌ للجميع، وقد جاءت صورته مترأسا طاولة السنيورة، وإن كان يلهو بهاتفه المحمول كما عادته، لتزيد من الامتعاض “الحريري” تجاه على مستوى القيادة والقاعدة الشعبية على السواء. هذه المحاولات، وإن بدت خفيفة، إلا أنها في مدينة كصيدا، حيث يعرف الجميع بعضهم بعضًا، ولا تخفى بواطن الأمور خلف ظواهرها، سجّلت امتعاضًا واضحًا لدى مؤيدي الحريري، الذين اعتبروا أن في الأمر إنكارًا لواقع أن “إم نادر” هي من أجلست حجازي حيث هو اليوم، وأنها الأقدر على إزاحته من مكانه. يبدو أن مجريات الأمور آخذة في التفاعل بهذا الاتجاه، وقد تحمل الأيام المقبلة مفاجآت غير متوقعة للكثيرين.
ما إن تناهى إلى مسامع جهاتٍ حزبيةٍ معروفة تحضيرُ سكان حيّ البرغوث في صيدا لتوقيع عريضةٍ ترفض إعادة بناء “مجمع الزهراء”، وتقديمها إلى وزير الداخلية ونواب المدينة وقواها السياسية والاجتماعية قاطبةً، لمنع إعادة إعمار المجمع بالشكل الذي كان عليه، حتى رصدت مصادر أهلية متابعة إطلاقَ حملةِ تحشيدٍ طائفيةٍ وشعبويةٍ لشدّ العصب المذهبي، وجمع التبرعات بسرعة بهدف البدء بإطلاق ورشة إعمار المجمع دون انتظار أحد. وفي هذا الإطار، تداول ناشطون مقاطعَ صوتيةً لشخصياتٍ معروفةٍ ومجهولة، إضافةً إلى بياناتٍ وُزّعت على نطاقٍ واسع على مجموعات واتساب، تدعو إلى تحفيز تقديم التبرعات لبناء المجمع، وتهاجم وتخوّن وتشتم كلَّ من قد يعترض هذه الخطوة من أهالي صيدا الأصليين الرافضين لها. أسلوبٌ قديمٌ مكشوف، بات مدعاةً للسخرية أكثر ممّا يستدعي الاستفزاز، وهو اتهام كلّ معارضٍ بالعمالة والصهيونية والإمبريالية العالمية، وصولًا إلى حدّ القذف بالنجاسة. قد يسكت أغلب سياسيّي صيدا وقواها عن القيام بأيّ تحرّكٍ حيال هذا الأمر، لأسبابٍ عديدةٍ تتوزّع بين الخوف والانبطاح والسذاجة والغفلة، لكن الأكيد أنّ جلّهم، كما أكثرية الصيداويين، يعلمون جيّدًا في داخلهم أنّ “مجمع الزهراء” لم يكن يومًا دارَ عبادةٍ فحسب، فالكثير من أهل المدينة الذين لا يزالون أحياءً يروون الكثير من الأحداث التي جرت معهم في أقبِيته وبين غرفه المظلمة. لو كان هذا الأمر في قريةٍ مسيحيةٍ في أعالي جرود جبيل، لكان الكلام مختلفًا، لكن في صيدا، حيث لا أحد يجرؤ على قول الحقّ والحقيقة، ستسلك القضية منحًى مختلفًا، لكنه لن يختلف عمّا تشهده المدينة منذ سنين من تغييرٍ في الهوية والديموغرافيا، لا يُتطرّق إليه إلا في البيوت وعلى كراسي المقاهي.