قد يكون ما سيلي واحدًا من أغرب الأخبار التي قد تقرؤها في حياتك، وقد يصلح لاحقًا ليُدرَّس في كليّات الإعلام باعتباره «خبرًا عجيبًا». بلدية صيدا تسرق المال من «المتسوّلين». نعم، بهذه البساطة والغرابة. فقد تفتّقت العبقرية الإدارية والمالية لرئيس بلدية صيدا عن اقتراح قضى بالاستيلاء على الأموال التي وُجدت بحوزة عدد من المتسوّلين في المدينة، علمًا أنّ «الغلمان» الذين تم توقيفهم من قبل شرطة البلدية، أُوقفوا وهم يبيعون «الطبلة» في شوارع المدينة، وليس يتسوّلون على الطرقات والتقاطعات المعروفة. بحسب معلومات حصلت عليها «البوست»، فقد تم توقيف عدد من الصبيان الذين لا تزيد أعمارهم على 15 عامًا بسبب بيعهم أدوات موسيقية، ووُجد بحوزتهم مبلغ من المال يزيد على 6 ملايين ليرة. طلب رئيس البلدية أن تُضاف إلى الصندوق البلدي وتُستخدم للصرف على شرطة البلدية، مهما تكن الحاجة لذلك. كما عُلم أنّ مبلغًا يزيد على 20 مليون ليرة ضُبط بحوزة أحد المتسوّلين قبل مدة، وتمت مصادرته لصالح صندوق الشرطة البلدية. الأكيد أنّ لا أحد منّا مع ظاهرة التسوّل في الطرقات، لا سيّما أنّ منعها يعود الفضل فيه في صيدا لرجل الأعمال مرعي أبو مرعي، الذي بادر على نفقته الخاصة إلى منعها من الشوارع لا للبلدية نفسها. أمّا أن يصل الأمر بإدارة رسمية إلى مصادرة أموال “المعدومين”، لا سيّما أنّ اثنين منهم يبيعان في الشوارع لسداد تكاليف عملية غسل الكلى لإحدى شقيقاتهما، فهو أمر مؤسف في بلد يزيد فيه الغباء يوميًا حدّ التخلّف.
كأنّنا لا نزال في زمن “أبو عبدو” متربعًا على عرشه في عنجر… محاولة جديدة لقمع حرية الصحافة والإعلام، والرأي والفكر ومحاربة الفساد. خلافًا لكل القوانين المرعية الإجراء، جرى أمس التواصل مع رئيس تحرير صحيفة “البوست”، نادر صبّاغ، من قبل شخص لم يُعرّف عن نفسه حتى، لإبلاغه بوجوب الحضور إلى مبنى المباحث الجنائية في قصر العدل في بيروت، ظهر الإثنين، من دون توضيح السبب. القانون واضح ولا لبس فيه: الصحافة لا تخضع إلا لقانون محكمة المطبوعات، وما عدا ذلك ليس سوى ترهيب أجهزة، و”زكزكات” نافذين، ومحاولة إسكات من قبل فاسدين “لم يجنّسوا بعد”. قرارنا واضح، كما أكّدت علينا نقابة المحررين واتحاد الصحافيين/ات في لبنان: نحن لا نمثل أمام محاكم ترهيب كهذا، صار معيبًا في هكذا زمن. محاولات المتضررين في “الدولة العميقة” المتبقية، مما نقوله وننشره، لن تجدي نفعًا. تاريخنا النضالي على مدى أكثر من 30 عاماً شاهد على ذلك.. ستبقى “البوست”، كما شعارها: عربيّة – حرّة – أبيّة صوت المخنوقين…
لم يعد جائزًا لرئيس بلديّة صيدا ولا لمجلسها الحالي أن يختبئ خلف الأعذار الواهية لتبرير ما يجري في المدينة. ما يحصل لم يعد تفصيلا عابراً، ولا مخالفةً يمكن التستّر عليها، إنه مسارٌ خطيرٌ من التفكّك والانكفاء والتواطؤ الصامت، سيدفع ثمنه أهل صيدا وحدهم لاحقا إن لم يعالج من اليوم، فيما سيتحمّل مصطفى حجازي، ومعه كلّ من تولّى أو غطّى أو سكت، مسؤوليّة الصدام الآتي. المدينة اليوم أمام مشهدٍ مقلقٍ ومهين. تعدّيات تتمدّد، وفوضى تتكاثر، ووجوهٌ غريبة عن نسيج صيدا تفترش الشوارع والأرصفة والمساحات العامّة، بلا حسيبٍ ولا رقيب، فيما البلديّة تقف في موقع المتفرّج العاجز، أو المتواطئ الخانع، وكأنّ ما يجري لا يعنيها. والأخطر أنّ هذا المشهد لم يعد هامسًا في المجالس الضيّقة، بل صار على كلّ لسان، يتداول به الناس بقلقٍ وغضبٍ ومرارة. المفارقة الفاضحة أنّ المدينة نفسها كادت تقوم ولا تقعد سابقًا بسبب تراخيص مُنحت لـ”كيوسكات” محدّدة، استوفيت عنها رسوم بلديّة مقطوعة، يومها ارتفعت الأصوات، وامتلأت المنابر بالاعتراضات والاعتراضات المضادّة، أمّا اليوم، ومع اجتياحٍ أكثر وقاحةً وخطورة، فقد خرس كثيرون، وابتلعت الألسن نفسها التي كانت لا تهدأ. الأشدّ استفزازًا أنّ بعض أبناء صيدا، حين حاولوا في مراحل سابقة فتح أكشاكٍ أو نصب خيمٍ أو الاستفادة من مساحةٍ هنا أو هناك، وُوجهوا بالقمع والمنع والتشدّد. أمّا اليوم، فالمشهد معكوس، البلدية نفسها التي شدّدت على أهل المدينة، تنحني أمام هجمةٍ وافدة تتمدّد على الطرقات، وتحتلّ الأملاك العامّة، وتفرض مشهديّةً نافرةً وغريبة، بأوشامها وسلوكها الفجّ، تُدفع بصيدا، نحو صورةٍ هجينةٍ لا تشبهها، أقرب إلى نسخةٍ منقحة عن “حيّ السَّلَم” وتشعّباته. والكل يعلم أن قصصهم غالبا ما تبدأ ب”إسبرس” ومقهى وكراسي ونرجيلة…وتنتهي بطغيان. إن استمرار هذا الواقع لا يفتح باب الفوضى فحسب، بل يفتح بابين معًا، كلاهما أسوأ من الآخر: إمّا أن يشعر أهل المدينة بأنّ من حقّهم هم أيضًا التعدّي، ما دام القانون لا يُطبَّق إلا انتقائيًّا، وإمّا أن تنزلق الأمور إلى احتكاكاتٍ وصداماتٍ مباشرة بين أبناء المدينة والمخالفين الجدد من الوافدين، على قاعدة أنّ ما سُمِح لهؤلاء حُرِّم على غيرهم. الذي يجري اليوم على الكورنيش البحري، والتعديات أمام مراكز الإيواء، وصفةٌ جاهزة لإشعال نزاعٍ أهليٍّ واجتماعيٍّ داخل مدينةٍ مثقلة أصلًا بالأزمات. وليست المسألة هنا شكلًا أو ذوقًا أو حساسيّاتٍ مناطقيّة، بل هيبة مدينة، وحقّ أهلها في شوارعهم، ومفهوم القانون نفسه: هل هو قانونٌ على البعض فقط، أم على الجميع؟ لا تخدعكم ابتساماتُ النفاق تحت عدسات الكاميرات، ولا العباراتُ الإنشائية، ولا شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”. هذه حجّة الجبناء دائمًا حين يريدون إسكات الناس عن حقوقهم. الحقيقة أبسط وأوضح، صوت الحقّ يعلو، ولا يُعلى عليه. ومن حقّ صيدا أن تسأل، وأن تغضب، وأن ترفض تحويلها إلى مدينةٍ مستباحة باسم “الخنوع البلدي” والتواطؤ المقنّع من جميع الساكتين.