لم يعد مشروع الممرّ الاقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي (IMEC) مجرّد خط نقل للبضائع، بل تحوّل إلى أحد أبرز عناوين الصراع على شكل النظام العالمي المقبل فالدول لم تعد تتنافس على الجيوش فقط، بل على الموانئ، وخطوط السكك، والكابلات البحرية، وسلاسل الإمداد، أي على “الشرايين” التي يتدفّق عبرها الاقتصاد العالمي، ومن يملك الشرايين يملك الحياةIMEC في جوهره محاولة غربية–هندية لخلق طريق بديل لطريق الحرير الصيني، لا يمرّ عبر بكين ولا يخضع لنفوذها. إنه مشروع لإعادة رسم خرائط التجارة بحيث تصبح الهند مركزًا صناعيًا ضخمًا مرتبطًا بالخليج وأوروبا عبر شبكة نقل متكاملة، مدعومة سياسيًا وماليًا من الولايات المتحدة وحلفائها. وفي عالم يتجه نحو “تفكيك العولمة” إلى كتل متنافسة، تصبح هذه الممرّات أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن القواعد العسكرية.غير أن المشروع يصطدم بأكثر مناطق العالم اضطرابًا: شرق المتوسط والبحر الأحمر. فالحروب، والاشتباكات الإقليمية، والتوترات البحرية، كلها تجعل أي ممرّ دولي في هذه المنطقة رهينة الاستقرار السياسي والأمني. ومع ذلك، فإن مجرّد طرح المشروع يطلق سباقًا محمومًا بين الدول على من يكون “بوابة العبور” ومن يبقى خارج الخريطة. المرافئ لا تُهمَّش لأنها ضعيفة…بل لأن لا أحد يطالب بها. ليس الخطر أن يتجاوز المشروع صيدا، بل أن لا تطرق المدينة بابه إرسال فرنسا وفدًا متخصصًا إلى بيروت لمناقشة المشروع يعكس حجم الاهتمام الأوروبي بتثبيت موطئ قدم في هذه الشبكة الجديدة، خصوصًا مع الدور المتوقع لشركة الشحن العملاقة CMA-CGM، التي يقودها رجل الأعمال اللبناني-الفرنسي رودولف سعادة. فالشركة ليست مجرد فاعل تجاري، بل لاعب لوجستي عالمي قادر على التأثير في خرائط النقل البحري وسلاسل الإمداد. المدينة المنسيّة غير أنّ النقاش الدائر في الأوساط الرسمية يتركّز بصورة شبه كاملة على مرفأي بيروت وطرابلس، باعتبارهما البوابتين البحريتين الأساسيتين للبنان. ويُطرح تطويرهما وتوسيعهما كشرط لاندماج البلاد في المشروع. لكن هذا التركيز يطرح سؤالًا مقلقًا: لماذا يُستبعد مرفأ صيدا من الحسابات، رغم موقعه الجغرافي الحيوي على الساحل الجنوبي وقربه من طرق التجارة الإقليمية؟ قد يكون التفسير تقنيًا مرتبطًا بقدرات المرفأ الحالية، لكنه قد يكون أيضًا سياسيًا واستراتيجيًا. فالموانئ ليست مجرد بنى تحتية، بل نقاط نفوذ وسيطرة على حركة التجارة والتمويل وحتى الأمن. وفي منطقة تتداخل فيها المصالح الدولية والإقليمية، يصبح اختيار ميناء دون آخر قرارًا يتجاوز الاعتبارات الاقتصادية. يزداد القلق حين يقترن المشروع بحديث عن محاولات للهيمنة على الموانئ اللبنانية أو وضعها تحت إدارة خارجية مباشرة أو غير مباشرة. فالمرفأ الذي يدخل في شبكة التجارة العالمية الجديدة يصبح جزءًا من منظومة نفوذ أوسع، ما يفسّر الحساسية العالية تجاه أي ترتيبات تتعلق به. الموقع الجغرافي هدية… لكن النفوذ قرار خارج المشهد وسط كل ذلك، تبدو صيدا وكأنها خارج المشهد بالكامل. لا خطة لتطوير مرفئها، ولا حضور في النقاشات الكبرى، ولا ضغط سياسي يفرض إدراجه ضمن الخيارات المطروحة. وهذا الغياب لا يعكس فقط ضعف الإمكانات، بل أيضًا غياب الإرادة السياسية القادرة على تحويل الموقع الجغرافي إلى ورقة قوة. لا يعني تجاهل مرفأ صيدا فقط خسارة فرصة اقتصادية كبيرة فحسب، بل قد يكرّس خللًا طويل الأمد في توزيع الأدوار داخل لبنان، حيث تُحتكر البوابات البحرية في مناطق محددة، فيما تُترك مناطق أخرى خارج معادلة التنمية والنفوذ. التاريخ الاقتصادي مليء بمدن كانت مزدهرة لأنها على طريق التجارة، ثم اندثرت حين تغيّر الطريق. وفي عالم يعاد فيه رسم خطوط النقل والطاقة، لا يكفي أن تكون في المكان الصحيح، بل يجب أن تملك القدرة على فرض نفسك جزءًا من المسار. في عالم تتحدد فيه مكانة الدول، بل المدن، بقدرتها على الاندماج في شبكات التجارة العالمية، فإن السؤال لم يعد إن كان لمرفأ صيدا دور محتمل، بل لماذا لا يوجد من يطالب به أصلًا. فالمرافئ لا تموت جغرافيًا، بل سياسيًا.
مرةً جديدةً يَضرِبُ “الحدَفُ” كخبرٍ طريفٍ عن صيدا، فقد علمت “البوست” عن استخدام هذا النوع من الحلويات الذي تشتهر به المدينة في شهر رمضان تحديداً، كسلاحٍ استراتيجي على موائد السياسيين من خارجها. في هذا الإطار، ذكرت مصادر مطّلعة أنّ عددًا من الشخصيات السياسية والعاملين في الشأن العام يعمدون إلى شراء “الحدَف” من أحد محال الحلويات الشهيرة، المعروفة بطريقة تسويقها الغريبة لكمياتٍ محدودةٍ من هذه الحلوى التي تنفد قبل انتصاف النهار، لإهدائها إلى سياسيين كبادرةٍ تعكس التَّغنّي بعادات المدينة في شهر رمضان. وهكذا تتحوّل قطع الحلوى بالجوز إلى سلاحٍ سياسي لفتح الأبواب أمام الساعين إلى خوض غمار العمل السياسي وشؤون البلاد والعباد.
شهد السحور الرمضاني السنوي لإحدى الجمعيات الأهلية الرئيسة في صيدا مشاهدَ متنافرةً في الشكل والمضمون، لا سيّما على الطاولتين الرئيسيتين للحدث. إذ سعى منظّمو الحفل، بحسب ما علمت جريدة “البوست”، إلى تجنّب أي اشتباك سياسي أو شخصي بين المدعوين الأساسيين، عبر فصل طاولة ضيوف الشرف إلى طاولتين لمنع أي نفور أو امتعاض بين النائب السابق بهية الحريري والرئيس فؤاد السنيورة، وكذلك بين النائب أسامة سعد والرئيس السابق للبلدية محمد السعودي، فضلًا عن تفادي احتكاك بين إحدى الشخصيات المالية ورئيس سلطة تنفيذية سابق. وهكذا تتحوّل المناسبات الرمضانية، التي ينبغي أن تكون مبعثًا للزهد والتراحم والتسامح، إلى ميدانٍ للصراعات السياسية والشخصية المكتومة، التي لا يدفع أصحابها ثمنها بقدر ما تدفعه المدينة التي تحتضنهم.