في أقلّ من شهر، نجح القيّمون على شؤون بلدية صيدا في تفويت فرص كان يمكن أن تدرّ على خزينة البلدية أكثر من نصف مليون دولار، نتيجة سوء الإدارة، وغياب الرؤية، وضعف القدرة على استثمار الفرص المتاحة لمصلحة المدينة وأهلها. فبحسب مصادر اقتصادية مطّلعة لـ«البوست»، يكفي احتساب فرصتين ضائعتين فقط ليتبيّن حجم الخسارة. الأولى تمثّلت في عدم نجاح المدينة في استضافة فعالية مرتبطة بتنظيم كأس العالم، وهي فرصة خسرتها صيدا، وفق المصادر، بسبب ضعف التنظيم وغياب الخبرة اللازمة، فيما تشير تقديرات عارفين إلى أن العوائد التي كان يمكن تحقيقها تتجاوز 400 ألف دولار, مع العلم بأن الفاعلية لم تنجح إلا بتحقيق أرباح صافية بلغت 80 ألف دولار فقط. أما الفرصة الثانية، فتتمثّل في تلزيم الشاطئ الشعبي للمدينة، إذ تؤكد مصادر متابعة أن جهات عدّة تقدّمت بعروض تجاوزت قيمتها 50 ألف دولار للموسم الواحد، إلا أن الملف تعثّر وضاعت العائدات المتوقعة، في ظل ما تصفه المصادر بالخوف من مواجهة جهات نافذة ومتحكّمة. ولو أُدير الملفّان بقدر أكبر من الكفاءة والحكمة والجرأة، لكانت خزينة بلدية صيدا اليوم قد استفادت من أكثر من نصف مليون دولار، كان يمكن توظيفها في خدمات ومشاريع تعود مباشرة بالنفع على أبناء المدينة. لكن المشكلة لم تعد في غياب المال وحده، بل في غياب الإدارة القادرة على تحويل الفرص إلى موارد. فحين تُهدر الإمكانات الواحدة تلو الأخرى، تصبح كلفة سوء الإدارة أثقل من أي عجز مالي، ويدفع أهل صيدا وحدهم الثمن.
يعتزم عددٌ من رجال الأعمال من خارج مدينة صيدا الانتهاء سريعًا من وضع المخططات التفصيلية لتشييد مجمّع تجاري ضخم على قطعة أرض كبيرة جرى شراؤها في الجهة الجنوبية من المدينة قبل فترة قريبة، بأكثر من 4 ملايين دولار أميركي. وبحسب المعلومات المتقاطعة، فإن المجمع سيضم مبنيين ضخمين، لا مبنى واحدًا، وسيتألف من أكثر من أربعة طوابق، سيُخصَّص القسم السفلي منها كمول تجاري يضم محالّ ومطاعم، أما القسم العلوي فسيُخصَّص للمكاتب والشركات، التي يُتوقَّع أن تضم مجموعة من رجال الأعمال «الجنوبيين» الذين قرروا عدم العودة إلى كلٍّ من صور والنبطية، مهما تكن النتائج التي ستفضي إليها الاتفاقيات مع العدو الإسرائيلي.
ليست الدولة مشروعًا لإدارة السلطة فحسب، بل هي فنُّ إدارة التوازنات. وكلما ازداد الوطن تنوعًا، ازدادت حاجته إلى رجال دولة يدركون أن الحكمة ليست في الانحياز إلى طرف، وإنما في الانتصار للوطن. تلك كانت المدرسة التي جسّدها الرئيس الشهيد رفيق الحريري؛ مدرسة تؤمن بأن الدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بالثقة، ولا تُحفظ بالقطيعة، بل بحسن إدارة العلاقات. كان يدرك أن لبنان ليس جزيرةً معزولة عن محيطه، وأن الجغرافيا ليست خطوطًا على الخرائط، بل قدرٌ سياسي وتاريخي. ومن هنا، فإن سورية لم تكن في نظره مجرد دولة مجاورة، بل عمقًا استراتيجيًا يرتبط بلبنان بروابط التاريخ والاقتصاد والمجتمع، كما يرتبط النهر بمنابعه. غير أن هذا الإدراك لم يكن يومًا على حساب استقلال لبنان أو سيادة قراره. السياسة الرشيدة فالسياسة الرشيدة لا تعرف التناقض بين السيادة والعلاقات الأخوية، بل تجعل من احترام السيادة أساسًا لعلاقات أكثر متانة. ولذلك، فإن المعادلة التي وضعها الرئيس رفيق الحريري، والتي تعبّر عن فلسفة الدولة، هي: لبنان لا يُحكم من سورية، ولا يُحكم ضد سورية. فأن يُحكم لبنان من خارج حدوده يعني انتقاصًا من سيادته، وأن يُبنى حكمه على معاداة سورية يعني تجاهلًا لحقائق الجغرافيا والتاريخ ومصالح الشعبين. أما الطريق الثالث، فهو طريق الدولة الواثقة بنفسها؛ الدولة التي تمتلك قرارها الحر، وتبني، في الوقت نفسه، أفضل العلاقات مع محيطها العربي على قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. فرض الاحترام لقد كان رفيق الحريري يؤمن بأن الدولة القوية ليست تلك التي ترفع صوتها في وجه الجميع، بل تلك التي تجعل الجميع يحترمونها. فالاحترام لا يُنتزع بالخصومة، وإنما يُكتسب بقوة المؤسسات، وعدالة القانون، ووضوح الرؤية، وثبات القرار. في الفلسفة السياسية، لا يعيش الوطن بين خيارين متطرفين: التبعية أو العداء. فالتبعية تُضعف الإرادة الوطنية، والعداء الدائم يُقفل أبواب المستقبل. أما الاعتدال، فهو فضيلة الدول الكبرى، لأنه يجعل من الحوار أداةً لحل النزاعات، ومن المصالح المشتركة جسرًا للاستقرار. إن لبنان، بحكم رسالته، لا يستطيع أن يكون خندقًا في مواجهة أشقائه، ولا ساحةً يُدار فيها صراع الآخرين. رسالته أن يكون مساحة لقاء، وجسر تواصل، ونموذجًا لدولة عربية حرة، مستقلة، منفتحة على الجميع، ومتمسكة، في الوقت نفسه، بسيادتها الكاملة. skip render: ucaddon_material_block_quote ميزان اليوم وهذا هو الميزان الذي تحتاجه الجمهورية اليوم: سيادة لا تعرف المساومة، وعلاقات لا تعرف القطيعة، وانتماء عربي لا يتعارض مع استقلال القرار الوطني. فالأوطان لا تقوى بعزل نفسها عن محيطها، ولا تضعف حين تمد جسور التعاون من موقع الندّية والاحترام. إن إرث رفيق الحريري لم يكن مشروع إعمار للحجر فحسب، بل مشروع إعمار للعقل السياسي اللبناني؛ عقلٍ يؤمن بأن الدولة تُقاس بقدرتها على الجمع بين الثوابت والمتغيرات، وبين الكرامة الوطنية وحكمة الانفتاح، وبين استقلال القرار وحسن الجوار. وعندما ينجح لبنان في ترسيخ هذه المعادلة، يصبح أكثر قوة في الداخل، وأكثر احترامًا في الخارج، ويؤكد أن سيادته لا تُبنى على الخصومة، كما أن علاقاته لا تقوم على التبعية، بل على ميزان دقيق عنوانه: لبنان سيدٌ في قراره، عربيٌّ في انتمائه، وسورية تبقى عمقه الاستراتيجي الذي تُبنى العلاقة معها على الاحترام المتبادل، والمصلحة المشتركة، وسيادة الدولتين. الاعتدال ليس ضعفًا؛ إنه قدرة الدولة على حماية سيادتها من دون أن تحرق جسورها وفي هذا السياق، يقرأ كثيرون في مواقف الرئيس أحمد الشرع توجّهًا يقوم على التأكيد أن استقرار سورية ولبنان لا يتحقق إلا من خلال علاقة متوازنة بين دولتين سيدتين، تحكمها المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. وقد عكست تصريحاته ومواقفه الداعية إلى احترام الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، رؤيةً تنسجم مع الفلسفة التي طالما دعت إلى أن تكون العلاقة بين البلدين علاقة تعاون لا تبعية، وشراكة لا وصاية. من هذا المنطلق، تبدو المقاربة التي تقوم على أن لبنان لا يُحكم من سورية، ولا يُحكم ضد سورية، أكثر قدرةً على استيعاب التحولات التي تشهدها المنطقة. فهي لا تنكر أن سورية تمثل عمقًا استراتيجيًا للبنان، ولا تتهاون، في الوقت نفسه، مع حق اللبنانيين في أن يكون قرارهم الوطني نابعًا من مؤسساتهم الدستورية وإرادتهم الحرة. skip render: ucaddon_box_testimonial