مع إقرار قانون الإيجارات غير السكنية لعام 2025، والذي يطوي صفحة العقود القديمة ويفرض زيادات تدريجية وصولًا إلى تحريرها، ظنّ المالكون القدامى أن ساعة تصحيح الظلم المزمن قد حانت أخيرًا، ولو متأخرة. وكان يُفترض أن تكون أوقاف صيدا في طليعة المستفيدين من هذا التحول، بحكم امتلاكها عددًا واسعًا من العقارات الخاضعة منذ سنوات طويلة لنظام الإيجارات القديمة. لكن ما كان يفترض أن يتحول إلى فرصة جدية لتحسين واردات الأوقاف وأوضاعها المالية، يبدو اليوم مهددًا بأن ينقلب إلى خسارة جديدة، بفعل سوء التقدير والارتباك في إدارة الملف. وبحسب معلومات حصلت عليها “البوست” من مصادر متابعة، فإن القيمين على هذا الملف لم ينجحوا حتى الآن في تكريس آلية تقييم علمية وشفافة تضمن رفع الإيرادات بصورة عادلة، من دون الوقوع في شبهة الإجحاف بحق المستأجرين أو التفريط بحقوق الوقف. وهذا الخلل لا يهدد فقط بضياع فرصة مالية نادرة، بل يفتح الباب أيضًا أمام مزيد من الالتباس والاعتراضات والتساؤلات المشروعة. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن لجنة من “أوقاف صيدا” يرأسها المفتي/مدير الأوقاف، عمدت إلى تعيين لجنة تضم خبيرًا لتقدير بدلات الإيجارات الجديدة، وذلك بعد استبعاد الخبير الذي كان مطروحًا سابقًا لهذه المهمة، وهو خبير يُشهد له بالعلم والاندفاع العملي الذي ينسجم مع متطلبات المرحلة. صحيح أن الخبير الجديد يحظى بسمعة صيداوية جيدة من حيث النزاهة والخبرة، إلا أن ضخامة هذا الملف وحساسيته، وموضوع العمر، وما يفترض أن يحكمه من معايير الشفافية والعدالة والالتزام بالأصول القانونية، تفرض مقاربة أكثر توازنًا واحترافًا، تقوم على الاستعانة بأكثر من خبير، لا على حصر الملف بتقدير واحد، مهما كانت صفات صاحبه. فملف بهذا الحجم لا يُدار بمنطق الحد الأدنى من المعالجة. الأكثر إثارة للتساؤل، وفق المعلومات نفسها، أن المستوجبات المالية التي طلبها الخبير الجديد تبلغ ثلاثة أضعاف ما كان متفقًا عليه مع الخبير الذي جرى استبعاده. وهنا تحديدًا تكمن النقطة التي تستوجب توضيحًا مسؤولًا: لماذا جرى هذا التبديل؟ وما المبرر المالي والإداري والقانوني الذي يفسّر القفزة في الكلفة؟ ولأن الحديث هنا لا يدور حول أملاك عادية، بل حول أوقاف تعود إلى أجداد بذلوا الغالي والنفيس نصرةً للدين وخدمةً للفقراء والمحتاجين، فإن التعامل مع هذا الملف لا يجوز أن يبقى أسير الارتجال أو الحسابات الضيقة. وفي هذا الإطار، حاولت “البوست” التواصل مع المفتي سليم سوسان للوقوف على رأيه فيما يثار صيداويا حول الموضوع، لكن ذلك لم يُكتب له النجاح! لذا المطلوب فورا، إدارة على مستوى المسؤولية، وحرفية على مستوى الأمانة، وشفافية تُطمئن الناس إلى أن حقوق الوقف لن تُهدر، وأن كل ذي حق سيحصل على حقه كاملًا، بلا استنسابية ولا تخبّط ولا تسويات ملتبسة.