حتى اليوم، تبدو إيران أمام موجة اضطرابات تتجاوز «احتجاجًا اقتصاديًا» تقليديًا إلى لحظة كسرٍ سياسي تتقاطع فيها ثلاث طبقات: انهيارٌ معيشيٌّ حاد، اتّساعُ إضراباتٍ/إغلاقاتٍ في الأسواق، وتصاعدُ العنف المتبادل بين الشارع وأجهزة الدولة. ما بدأ في أواخر كانون الأوّل غضبًا على انهيار قيمة الريال، اتّسع خلال أسبوعين ليغدو أكبر موجة اضطراب منذ سنوات، مع انتشار تظاهرات في عشرات المدن وفرض قيودٍ واسعة على الإنترنت والاتصالات. اقتصاد «الترقيع» المحرّك الأوضح لهذه الجولة هو سقوطُ العملة وما يرافقه من قفزات أسعارٍ يومية، خصوصًا في الغذاء والدواء والسلع الأساسية. تقاريرُ متعدّدة أشارت إلى وصول الدولار في السوق الموازية إلى حدود 1.4–1.5 مليون ريال في الأيام الأولى من 2026، وهو مستوى تاريخي جديد، ما حوّل «سعر الصرف» إلى خبرٍ سياسيٍّ يوميٍّ لا رقمًا ماليًا.هذه السرعة في التدهور تصنع أثرًا مزدوجًا: تآكلُ القدرة الشرائية بصورةٍ فورية، بما ينسف ما تبقّى من «عقد اجتماعي» قائم على حدٍّ أدنى من المعاش. انهيار الثقة: حين تصبح العملة غير قابلة للتوقّع، تتحوّل المدّخرات إلى رماد، ويصبح الشارع أكثر استعدادًا للمغامرة لأن «الخسارة واقعة» أصلًا. هنا تبرز نقطة حسّاسة: النظام يستطيع قمع تظاهرة، لكنه لا يستطيع قمع «السعر» إلى ما لا نهاية. لذلك تتحوّل الأزمة النقدية من ملفٍّ اقتصادي إلى وقود تعبئة. ما الذي يميّز هذه الموجة؟ الكثير من موجات الاحتجاج السابقة في إيران تمركزت في الجامعات أو الأحياء الشعبية. الجديد نسبيًا هنا هو اتّساع الإغلاقات والإضرابات في البازارات والأسواق، وهي بيئات لطالما مثّلت في التاريخ الإيراني صمّام ضغطٍ اقتصاديٍّ واجتماعي، وأحيانًا شريكًا في شرعنة السلطة أو في إضعافها. تقاريرُ عن «إقفال الأسواق» وتوسّع الإضرابات رافقها حضورٌ أمنيٌّ كثيف في المدن الكبرى.عندما يدخل «سوق المدينة» على خطّ الاحتجاج، يصبح المشهد أقلّ عفوية وأكثر قدرة على الاستمرار، لأن الاقتصاد الحقيقي (الحركة التجارية، التوزيع، النقل) يبدأ بالتباطؤ، فتزداد كلفة الأزمة على الدولة يومًا بعد يوم. المؤشرات حتى اليوم تقول إنّ الدولة اختارت معادلة ثلاثية: كثافةٌ أمنية عالية في نقاطٍ مركزية، ومنعُ تمدّد التظاهرات إلى «مفاصل» حسّاسة؛ تضييق/قطع الإنترنت والاتصالات لتفكيك التنسيق وإرباك نقل المشاهد إلى الخارج؛ وسرديةٌ خارجية تُحمّل «قوى أجنبية» مسؤولية التحريض، مع رفع سقف التهديدات في مواجهة أيّ تدخّل. على مستوى الكلفة البشرية، تشير أرقام المنظمات الحقوقية التي نقلتها وكالات كبرى إلى تجاوز عدد القتلى 500 خلال أسبوعين، واعتقال نحو 10,000 شخص، مع ملاحظة أنّ التحقّق المستقل صعب في ظلّ القيود المفروضة. هذه الأرقام، بغضّ النظر عن هامش الدقّة، تكشف شيئًا واحدًا: السلطة تتعامل مع الموجة كتهديدٍ وجودي، لا كاحتجاجٍ قابل للاحتواء السياسي. مدينة تستحق أن تكون مركزًا معرفيًا متطورًا.. تحوّلت إلى حي فقير رقميًا «شرعية» تتآكل وطبقاتٌ تتخاصم كلّ موجة قمعٍ واسعة تُنتج شرخًا إضافيًا بين الدولة وشرائح جديدة كانت تفضّل الصمت. ومع اتّساع الاحتجاج، يصبح التحدّي الأكبر للنظام ليس إسكات الشارع فقط، بل منع تبلور «شعور عام» بأن الدولة لم تعد قادرة على تقديم الحدّ الأدنى من الأمان الاقتصادي. تقارير تحليلية وصفت المشهد بأنّه أزمة شرعية تتعمّق مع توسّع الاضطرابات.استمرارُ الإضرابات وإقفال الأسواق يعني مزيدًا من اختناقات السلع وارتفاع الأسعار، ما يخلق حلقةً مفرغة: احتجاجٌ يضغط على الاقتصاد، واقتصادٌ متدهور يزيد الاحتجاج.عادةً ما تتحرّك «التسويات» حين تشعر النخبة بأنّ الكلفة تقترب من بنية النظام نفسه. لكن في هذه المرحلة، تبدو الأولوية أمنية، فيما وعود «إصلاحات» أو «مساعدات» إن طُرحت، فغالبًا ستكون إجراءات إسعافية لا حلولًا بنيوية—لأنّ جوهر الأزمة مرتبط بعوامل أعمق من قدرة الحكومة على إصلاحها سريعًا. خطر توسّع «اللعبة» التوتّر الحالي لا يبقى داخل الحدود الإيرانية بسهولة، لسببين:حساسية الإقليم لأيّ اهتزازٍ إيراني: إيران ليست دولة «عادية» في التوازنات الإقليمية؛ أيّ ارتجاجٍ داخليٍّ كبير ينعكس على شبكات نفوذها وخصوماتها.ارتفاع خطاب التحذير من التدخّل: تصريحاتٌ رسمية إيرانية (من بينها تهديدات بالردّ إذا وقع تدخّل أميركي أو إسرائيلي) تفتح الباب أمام سيناريو «التصعيد الخارجي» كوسيلة لإعادة ترتيب الداخل تحت عنوان الأمن القومي. وهنا تكمن المفارقة: كلّما زادت الضغوط الداخلية، يصبح خيار «الهروب إلى الخارج» مغريًا لبعض الأنظمة، لكن كلفته قد تكون كارثية إذا خرج عن السيطرة. سيناريوهات الأسابيع المقبلة سيناريو القمع الناجح جزئيًا (الأقرب على المدى القصير): تستطيع الدولة، بفضل القبضة الأمنية والقطع المعلوماتي، خفض وتيرة التظاهر العلني في بعض المدن. لكن «النجاح» هنا تكتيكي: الشارع يهدأ مؤقتًا، فيما الاقتصاد يواصل التدهور، ما يعني أنّ موجة جديدة قد تعود بسرعة مع صدمة سعر صرف/أسعار جديدة. سيناريو الإضراب الاقتصادي الطويل: إذا استمرّت إغلاقات الأسواق واتّسعت إلى قطاعات نقل/توزيع، قد تنتقل الأزمة من تظاهرات متقطّعة إلى شللٍ اقتصاديٍّ تدريجي يضغط على الدولة من زاوية لا تحلّها الاعتقالات وحدها. هذا السيناريو لا يحتاج ملايين في الشوارع يوميًا؛ يحتاج «عصبًا اقتصاديًا» يمتنع عن الدوران. سيناريو الانفجار (التدويل): ارتفاع عدد الضحايا وتزايد الحديث عن خيارات خارجية (سيبرانية أو غيرها) قد يدفع نحو تدويل الأزمة أو نحو تصعيدٍ متبادل. هذا السيناريو يرفع احتمال أن تختلط الاضطرابات الداخلية بصراعٍ إقليميٍّ أوسع—وهو ما يجعل كلّ الأطراف أكثر عصبية وأقلّ قابلية للتراجع. حين يعجز القمع عن إنقاذ الريال ما يجري في إيران اليوم ليس «حدثًا» بل مسارًا. حين تتصدّع العملة، يتصدّع معها تعريف الدولة لقدرتها على الضبط؛ وحين يدخل السوق على خطّ الاحتجاج، يصبح الاقتصاد نفسه جزءًا من المعركة. قد تنجح السلطة في خفض الصوت في الشارع، لكن الصوت الحقيقي—سعر الصرف، التضخّم، وانكسار الثقة—يصعب إسكاتُه. وهذا ما يجعل الأسابيع المقبلة محكومة بسؤالٍ واحد: هل تملك الدولة أدواتٍ لإدارة الانكماش الاقتصادي من دون أن يتكسّر المجتمع… أم أنّ الانكماش نفسه سيتحوّل إلى سياسة احتجاجٍ دائمة؟
تجدَّدت الاضطراباتُ في إيران على نطاقٍ واسعٍ مع نهايةِ عامِ 2025، حيثُ أشعلَ الانهيارُ التاريخيُّ للعملةِ الوطنيّةِ فتيلَ احتجاجاتٍ شعبيّةٍ هي الأوسعُ منذُ وفاةِ الشابّةِ مهسا أميني في عامِ 2022. انطلقت شرارةُ الغضبِ من قلبِ البازارِ النابضِ بالحياةِ في طهران، لتمتدَّ بسرعةٍ إلى أروقةِ الجامعاتِ في مختلفِ أنحاءِ البلاد، كاشفةً عن عمقِ السخطِ الشعبيِّ من تدهورِ الأوضاعِ المعيشيّةِ الذي وصلَ إلى مستوياتٍ غيرِ مسبوقة.اقتصادٌ على حافّةِ الهاويةيعاني الاقتصادُ الإيرانيُّ من أزمةٍ هيكليّةٍ عميقةٍ ومعقّدة، تفاقمت حدّتُها بفعلِ سنواتٍ من العقوباتِ الدوليّةِ الخانقة، التي أُعيدَ فرضُها بقوّةٍ في سبتمبر 2025، إلى جانبِ ما يصفُه كثيرٌ من الخبراءِ بأنّه سوءُ إدارةٍ مزمنٌ للمواردِ الاقتصاديّة. وقد أدّت هذه العواملُ مجتمعةً إلى تدهورٍ كارثيٍّ في المؤشّراتِ الاقتصاديّةِ الحيويّة، ما وضعَ ملايينَ الإيرانيّين في مواجهةِ ضغوطٍ معيشيّةٍ هائلة.وصلَ سعرُ صرفِ الدولارِ الأميركيِّ في السوقِ الموازيّةِ إلى حاجزِ 1.4 مليون ريال، وهو رقمٌ قياسيٌّ يسلّطُ الضوء على فقدانِ الثقةِ التامّ بالعملةِ المحليّة، التي كانت قيمتُها لا تتجاوزُ 430 ألف ريال للدولار في عامِ 2022.هذا الانهيارُ لم يكن مجرّدَ أرقامٍ على شاشاتِ الصرافة، بل تُرجمَ إلى تضخّمٍ جامحٍ تجاوزت نسبتُه 52%، مع قفزاتٍ هائلةٍ في أسعارِ السلعِ الغذائيّةِ الأساسيّة وصلت إلى 72%. وقد أدّى هذا التآكلُ السريعُ في القوّةِ الشرائيّةِ إلى دفعِ أكثرَ من 30 مليونَ إيرانيٍّ إلى ما دونَ خطِّ الفقر، فيما ارتفعت معدّلاتُ البطالةِ بين الشبابِ والخريجين إلى نحوِ 28%، ما خلقَ جيلاً من المحبطين دونَ أفقٍ واضح.في هذا الإطار، يقولُ محلّلونَ اقتصاديّون إنّ الاقتصادَ الإيرانيَّ قد دخلَ مرحلةَ «التضخّمِ المزمن»، وهي حالةٌ مرضيّةٌ تتجاوزُ فيها معدّلاتُ التضخّمِ المستوياتِ الآمنة، وتصبحُ جزءاً من نسيجِ الاقتصاد، ما يجعلُ السيطرةَ عليها أمراً بالغَ الصعوبة. الانهيارُ لم يكن مجرّدَ أرقامٍ على شاشاتِ الصرافة، بل تُرجمَ إلى تضخّمٍ جامحٍ تجاوزت نسبتُه 52%، مع قفزاتٍ هائلةٍ في أسعارِ السلعِ الغذائيّةِ الأساسيّة وصلت إلى 72% من البازارِ إلى الجامعة بدأت الاحتجاجاتُ بشكلٍ عفويٍّ في 29 ديسمبر 2025، عندما أغلقَ تجّارُ الهواتفِ المحمولةِ في طهران محالَّهم احتجاجاً على عدمِ استقرارِ سعرِ الصرف، الذي جعلَ ممارسةَ التجارةِ أمراً شبهَ مستحيل. وسرعانَ ما انضمَّ إليهم تجّارُ البازارِ الكبير، العصبُ التقليديُّ للاقتصادِ الإيراني، لتتوسّع رقعةُ الإضرابات. وفي اليومِ التالي، انضمَّ طلابٌ من سبعِ جامعاتٍ في العاصمة، إضافةً إلى جامعاتٍ في مدنٍ رئيسيّةٍ أخرى مثل أصفهان وشيراز وكرمانشاه، إلى الحراك، محوّلين الأزمةَ الاقتصاديّةَ إلى قضيّةِ رأيٍ عامٍّ وطنيّة. وشهدت الأيامُ التاليةُ تصعيداً في وتيرةِ الاحتجاجات، مع محاولاتٍ لاقتحامِ مبانٍ حكوميّةٍ في محافظةِ فارس، ما أدّى إلى مواجهاتٍ عنيفةٍ مع قوّاتِ الأمن واعتقالِ العشرات. في مواجهةِ هذا الغضبِ الشعبيِّ المتصاعد، تحرّكت الحكومةُ الإيرانيّةُ على عدّةِ محاورَ في محاولةٍ لاحتواءِ الموقف. وتمثّلت الخطوةُ الأبرزُ في تغييرِ القيادةِ النقديّةِ للبلاد، حيث أُقيلَ محافظُ البنكِ المركزيّ محمد رضا فرزين، وعُيّنَ بدلاً منه عبدُ الناصرِ همّتي، الذي شغلَ سابقاً منصبَ وزيرِ الاقتصاد، في محاولةٍ لإرسالِ إشارةٍ على الجديّةِ في معالجةِ الأزمة. كما أعلنت الحكومةُ عن حزمةٍ من الإجراءاتِ الطارئة، تشملُ خطّةً اقتصاديّةً قصيرةَ الأمدِ لمدّةِ 15 شهراً، وسحبَ مشروعِ قانونِ الموازنةِ من البرلمانِ بهدفِ إدخالِ تعديلاتٍ جوهريّةٍ عليه. وعلى الصعيدِ السياسيّ، تبنّى الرئيسُ مسعود بزشكيان خطاباً تصالحيّاً، داعياً إلى الحوارِ مع المحتجّين، ومتعهّداً بالاستجابةِ لـ«المطالبِ المشروعة»، في حين لوّحت السلطاتُ الأمنيّةُ والقضائيّةُ بـ«ردٍّ حاسم» ضدَّ أيّ محاولةٍ لزعزعةِ الاستقرار. يعاني الاقتصادُ الإيرانيُّ من أزمةٍ هيكليّةٍ عميقةٍ ومعقّدة، تفاقمت حدّتُها بفعلِ سنواتٍ من العقوباتِ الدوليّةِ تداعياتٌ تتجاوزُ الحدودلا تقتصرُ تداعياتُ الأزمةِ الإيرانيّةِ على الشأنِ الداخليّ، بل تمتدُّ لتُلقي بظلالِها على المشهدِ الإقليميّ والدوليّ. ويرى مراقبون أنّ استمرارَ الضعفِ الاقتصاديّ قد يحدُّ من قدرةِ إيران على تمويلِ ودعمِ حلفائها في المنطقة، ما قد يُغيّرُ من موازينِ القوى في بؤرِ التوتّر مثل سوريا ولبنان واليمن. كما أنّ حالةَ عدمِ الاستقرارِ الداخليّ قد تدفعُ طهران إلى تبنّي سياساتٍ خارجيّةٍ أكثرَ تشدّداً في محاولةٍ لتصديرِ الأزمة، أو على العكس، قد تُجبرُها على تقديمِ تنازلاتٍ في ملفاتٍ عالقة، وعلى رأسِها البرنامجُ النوويّ.وقد زادت الحربُ مع إسرائيل في يونيو 2025 من الضغوطِ على الاقتصادِ المنهكِ أصلاً، واستنزفت جزءاً كبيراً من المواردِ الشحيحة. ويأتي كلُّ ذلك في ظلِّ توقّفٍ شبهِ تامٍّ للمفاوضاتِ النوويّةِ مع القوى الغربيّة، ما يعني استمرارَ العزلةِ الاقتصاديّةِ وتراجعَ فرصِ الاستثمارِ الأجنبيّ إلى أدنى مستوياتِها.مستقبلٌ غامضفي ظلِّ هذه المعطياتِ المعقّدة، يبدو مستقبلُ إيران محفوفاً بالمخاطر. تواجه الحكومةُ تحدّياً وجوديّاً يتمثّلُ في قدرتِها على إيجادِ حلولٍ هيكليّةٍ لأزمةٍ اقتصاديّةٍ متجذّرة، وهو ما يبدو صعبَ المنالِ في ظلِّ استمرارِ العقوباتِ والتوتّراتِ السياسيّة. إنّ نجاحَ المقاربةِ الحكوميّةِ الجديدة، التي تجمعُ بين الحوارِ والحلولِ الاقتصاديّةِ الطارئة، مرهونٌ بتحقيقِ تحسّنٍ ملموسٍ وسريعٍ في حياةِ المواطنين. إيران اليوم لا تواجه أزمة عملة، بل أزمة معنى. دولةٌ تزداد فقراً كلّما تشدّدت، ونظامٌ يربح الوقت ويخسر المجتمع. وإذا كان الريال قد انهار تحت وطأة العقوبات والحروب وسوء الإدارة، فإن السؤال الأخطر لم يُطرح بعد: ماذا يحدث عندما ينهار ما تبقّى من الخوف؟
في ظلِّ التحوّلاتِ الزلزاليّةِ التي تعصفُ بالشرقِ الأوسط، من سقوطِ نظامِ الأسدِ في دمشق، إلى انحسارِ النفوذِ الإيرانيّ بعدَ الضرباتِ الموجِعةِ التي تلقّاها «محورُ المقاومة»، تبرزُ تركيا لاعبًا استراتيجيًّا يسعى إلى ملءِ الفراغِ وإعادةِ رسمِ خريطةِ التحالفات. لم تَعُد أنقرةُ مجرّدَ مراقبٍ، بل تحوّلت إلى صانعِ أحداث، تتحرّك بخطواتٍ مدروسةٍ على رقعةِ الشطرنجِ الإقليميّة، من بوّابةِ التقاربِ مع حزبِ الله، مرورًا بتطبيعِ العلاقاتِ مع السعوديّة، وصولًا إلى نسجِ تفاهماتٍ مع النظامِ السوريّ الجديد. فما هي أبرزُ معالمِ هذه السياسةِ التركيّةِ الجديدة؟ وما الدورُ الإقليميُّ الذي تطمحُ إليه؟ تركيا وحزب الله على طاولةٍ واحدة في تطوّرٍ لافت، كشفت معلوماتٌ عن لقاءاتٍ جمعت مسؤولين أمنيّين أتراكًا مع وفدٍ من حزبِ الله في أنقرة. هذه اللقاءات، التي كانت لتُعتبَر من المحرّماتِ السياسيّة قبلَ أشهرٍ قليلة، تشيرُ إلى تحوّلٍ عميقٍ في استراتيجيّةِ الطرفين. فمن جهة، يسعى حزبُ الله، الذي يعاني من ضعفِ حليفه الإيرانيّ وتغيّرِ البيئةِ الإقليميّة، إلى إيجادِ قنواتِ تواصلٍ جديدةٍ تضمنُ له البقاءَ لاعبًا أساسيًّا في المعادلةِ اللبنانيّةِ والسوريّة. ومن جهةٍ أخرى، ترى تركيا في هذه اللقاءات فرصةً ذهبيّةً لترسيخِ دورِها كوسيطٍ إقليميٍّ جديد. وكشفت معلوماتٌ خاصّة عن سلسلةِ لقاءاتٍ أمنيّةٍ وسياسيّة عُقِدَت خلال الأسابيعِ الماضية بين مسؤولين أتراك ووفدٍ من حزبِ الله، في إطار وساطةٍ إقليميّة تقودها أنقرة لنقل رسائل متبادلة بين الحزب والقيادةِ السوريّةِ الجديدة برئاسة أحمد الشرع، وبمواكبةٍ غير مباشرة من طهران. ووفق المعلومات، شارك عمّار الموسوي، مسؤول العلاقات العربيّة والدوليّة في حزبِ الله، في «مؤتمر القدس» الذي عُقِد في إسطنبول قبلَ أيّام، يرافقه وفدٌ من الحزب، ضمّ أيضًا ماهر الدنّة، رئيسَ جهاز الإعلام في الحزبِ السوريّ القوميّ الاجتماعيّ. وجاءت هذه المشاركة بعد نحو ثلاثةِ أسابيع من لقاءاتٍ أمنيّة مغلقة هدفت إلى «خلقِ مناخِ طمأنينة» بين الأطراف المعنيّة، تمهيدًا لإعادةِ فتحِ قنواتِ التواصل. وبحسب المعطيات، حملت أنقرة إلى حزبِ الله ضماناتٍ بعدم استهدافه من قِبَل النظامِ السوريّ الجديد، في مقابل التزامٍ بنقل تطميناتٍ إلى دمشق بعدم تدخّل الحزب في الشؤونِ الداخليّة السوريّة، ولا سيّما في المناطقِ الحسّاسة كالساحلِ السوريّ وحمص. كما تضمّنت الرسائل الموجّهة إلى طهران وعودًا تركيّة بعدم دعمِ أيّ تحرّكاتٍ علويّة أو مواليةٍ لبشّار الأسد ضدّ القيادةِ السوريّة الجديدة. وتُشير المعلومات إلى تفاهماتٍ غير معلنة تقضي بعدم دعمِ حزبِ الله وإيران لأيّ جهةٍ معارضةٍ للنظامِ السوريّ الجديد، وعدمِ تهديدِ الاستقرارِ الأمنيّ في سوريا خلال المرحلةِ الانتقاليّة. وتعمل تركيا، وفق هذا المسار، كوسيطٍ على ثلاثةِ خطوطٍ متوازية: بين حزبِ الله ودمشق، وبين دمشق وطهران، وبين سوريا وحزبِ الله، بالتوازي مع دفعٍ نحو تفاهمٍ إسلاميٍّ أوسع في مواجهةِ إسرائيل. وفي هذا الإطار، دخلت قطر على خطّ الوساطة لتوفيرِ تسهيلاتٍ سياسيّة ولوجستيّة إضافيّة. وتستند المؤشّرات الميدانيّة إلى استمرارِ اللقاءاتِ والزيارات، وغيابِ أيّ تصعيدٍ عسكريٍّ بين حزبِ الله والنظامِ السوريّ الجديد، إضافةً إلى الحفاظِ على قنواتِ التواصل المفتوحة، ما يُعزّز فرضيّة تقدّم الوساطة التركيّة، ولو بحذر، في واحدةٍ من أكثرِ ملفاتِ المنطقة حساسيّة. شارك عمّار الموسوي، مسؤول العلاقات العربيّة والدوليّة في حزبِ الله، في «مؤتمر القدس» الذي عُقِد في إسطنبول قبلَ أيّام، يرافقه وفدٌ من الحزب، ضمّ أيضًا ماهر الدنّة، رئيسَ جهاز الإعلام في الحزبِ السوريّ القوميّ الاجتماعيّ شبكةُ نفوذٍ متعدّدةُ الأذرع لا يقتصرُ التحركُ التركيّ على فتحِ قنواتٍ مع حزبِ الله، بل يندرجُ ضمنَ استراتيجيّةٍ أوسعَ وأكثرَ طموحًا، تهدفُ إلى بناءِ شبكةِ نفوذٍ تمتدّ من بيروت إلى دمشقَ والرياض. وتعتمدُ هذه الاستراتيجيّةُ على عدّةِ ركائز: التغلغلُ الناعمُ في لبنان: تسعى تركيا إلى تعزيزِ نفوذِها في الساحةِ اللبنانيّة، ولا سيّما بين السُنّة، عبر دعمِ حلفائِها التقليديّين مثل «الجماعةِ الإسلاميّة» (فرعِ الإخوانِ المسلمين)، وفي الوقتِ نفسه بناءِ جسورٍ مع شخصيّاتٍ سلفيّةٍ ومنظّماتٍ إسلاميّةٍ محلّيّة. كما تعملُ على تفعيلِ شبكاتِها الخاصّة، من خلال تجنيسِ مواطنين من أصولٍ تركيّةٍ والأقلّيّةِ التركمانيّة، واستخدامِ المنظّماتِ الإنسانيّة كذراعٍ للتأثيرِ الاجتماعيّ والسياسيّ. ويأتي هذا التحركُ في سياقِ سعيِ أنقرة لمواجهةِ النفوذِ السعوديّ التقليديّ على الساحةِ السُنّيّة. التحالفُ مع سوريا الجديدة: بعد سنواتٍ من العداءِ مع نظامِ الأسد، سارعت تركيا إلى بناءِ علاقاتٍ قويّةٍ مع النظامِ الانتقاليّ في سوريا. فهي تُسيطرُ على الملفّ الأمنيّ والعسكريّ في الشمالِ السوريّ، وتُديرُ ملفَّ عودةِ اللاجئين، وعيّنت سفيرًا جديدًا في دمشق. هذا التحالفُ يمنحُ تركيا ورقةَ ضغطٍ هائلةً في أيّ تسويةٍ مستقبليّةٍ للملفّ السوريّ، ويجعلُها لاعبًا لا يمكنُ تجاوزه. التقاربُ مع السعوديّة: شهدت العلاقاتُ التركيّة–السعوديّة تحسّنًا ملحوظًا في الأشهرِ الأخيرة، مدفوعًا بضروراتٍ سياسيّةٍ وأمنيّةٍ مشتركة. فكلا البلدين يرى في انحسارِ النفوذِ الإيرانيّ فرصةً لإعادةِ تشكيلِ المنطقة وفقًا لمصالحِهما. وتوفّرُ هذه العلاقةُ غطاءً سياسيًّا واقتصاديًّا مهمًّا لتركيا في تحرّكاتِها الإقليميّة. تحدّياتٌ وعقبات الهدفُ النهائيّ الذي تطمحُ إليه تركيا، من خلال هذه التحركاتِ المعقّدة، هو أن تصبحَ القوّةَ الإقليميّةَ المهيمنةَ في المشرقِ العربيّ، وأن تملأَ الفراغَ الذي خلّفه تراجعُ النفوذِ الإيرانيّ. وتسعى أنقرةُ إلى أن تكونَ «الوسيطَ الذي لا غنى عنه»، القادرَ على جمعِ الخصومِ على طاولةٍ واحدة، من حزبِ الله إلى السعوديّة والنظامِ السوريّ. هذا الدورُ، إن نجحت في تحقيقِه، سيمنحُها نفوذًا هائلًا، يمكّنُها من تحقيقِ مصالحِها الاقتصاديّة (إعادةُ إعمارِ سوريا) والجيوسياسيّة (تعزيزُ مكانتِها كقائدةٍ للعالمِ السُنّيّ ومواجهةُ خصومِها في شرقِ المتوسّط). وعلى الرغمِ من طموحاتِها الكبيرة، تواجهُ تركيا تحدّياتٍ جدّيّة. فالولاياتُ المتّحدةُ وإسرائيل تراقبان بقلقٍ هذا الصعودَ التركيّ، ولا سيّما علاقاتِ أنقرة مع حركاتِ الإسلامِ السياسيّ. كما أنّ السعوديّة لن تتخلّى بسهولةٍ عن دورِها التاريخيّ في لبنان. إضافةً إلى ذلك، فإنّ الساحةَ اللبنانيّةَ والسوريّة، بتركيبتِهما المعقّدة، قد تُقاومان أيَّ محاولةٍ لفرضِ هيمنةٍ خارجيّةٍ جديدة. يقفُ الشرقُ الأوسط على أعتابِ مرحلةٍ جديدةٍ من إعادةِ تشكيلِ التحالفاتِ وموازينِ القوى. وقد نجحت تركيا، حتّى الآن، في استغلالِ اللحظةِ التاريخيّة لتضعَ نفسها في قلبِ هذه العمليّة. غير أنّ الأسابيعَ والأشهرَ المقبلة ستكونُ حاسمةً في تحديدِ ما إذا كانت أنقرة ستتمكّنُ من ترجمةِ طموحاتِها إلى واقع، أم أنّ أحلامَها سترتطمُ بصخرةِ المصالحِ المتضاربةِ للقوى الإقليميّةِ والدوليّةِ الأخرى.