منذ بدء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من مقتل عدد من أبرز القيادات الدينية والسياسية والعسكرية، عاد سؤال السلطة في طهران إلى الواجهة بقوة: من يملك القرار اليوم في إيران؟ هل ما زالت منظومة الحكم تعمل وفق توازناتها القديمة، أم أن الحرب دفعت مركز الثقل نهائيًا نحو المؤسسة العسكرية والأمنية؟ السؤال لم يعد تفصيلًا تحليليًا، بل صار جزءًا من معركة سياسية وإعلامية مفتوحة. فتصريحات دونالد ترامب، التي قال فيها إن “لا أحد يعرف من يمسك بزمام الأمور، حتى هم أنفسهم”، لم تكن مجرد تعليق عابر، بل محاولة واضحة لتكريس صورة إيران كدولة مضطربة من الداخل، عاجزة عن تحديد مركز القرار، وممزقة بين تياراتها السياسية ومؤسساتها العسكرية. لكن خلف هذا الضجيج، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فإيران لا تعيش فراغًا كاملًا في السلطة، بقدر ما تعيش انتقالًا قاسيًا في مركزها. القرار لم يختفِ، لكنه تغيّر مكانه. لم تعد السياسة المدنية، ولا حتى المرجعية الدينية وحدها، قادرة على ضبط الإيقاع كما في السابق. الحرب، والاغتيالات، والضربات المتلاحقة، دفعت الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية إلى الواجهة، لا بوصفها طرفًا مؤثرًا فحسب، بل باعتبارها مركز الثقل شبه الحاسم في قرارات الحرب والسلام. من دولة المرشد إلى دولة الحرس منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، صُمّم النظام الإيراني على قاعدة مركزية دور رجال الدين، مع موقع استثنائي للمرشد الأعلى باعتباره صاحب الكلمة الفصل في القضايا المصيرية. لكن هذا البناء لم يبقَ ثابتًا. فمع مرور العقود، وخصوصًا في عهد علي خامنئي، تمدّد نفوذ الحرس الثوري داخل الدولة، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وعسكريًا، حتى صار مركزًا موازيًا لا يمكن تجاوزه. غير أن خامنئي، رغم تعزيزه قوة الحرس، كان يملك قدرة خاصة على كبحه عند الضرورة، وموازنة العلاقة بين العسكر والمؤسسات الدينية والمدنية. كان الحرس قويًا، لكنه لم يكن وحده. كان حاضرًا في القرار، لكنه لم يكن القرار كله. اليوم، تبدو المعادلة مختلفة. فبحسب مصادر إيرانية تحدّثت للتقرير، فإن اغتيال خامنئي وما تبعه من ظروف حرب معقدة سرّعا انتقال السلطة الفعلية إلى الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية المرتبطة به. لم تعد المسألة نفوذًا متزايدًا، بل تحوّلًا في مركز القرار نفسه: من مرجعية عليا توازن بين المؤسسات، إلى مؤسسة عسكرية ـ أمنية تدير اللحظة وتفرض إيقاعها على السياسة والدبلوماسية. وهنا تكمن المفارقة الأخطر: إيران التي بُنيت شرعيتها على ولاية الفقيه، تجد نفسها اليوم أمام واقع تميل فيه السلطة العملية إلى “ولاية الأمن والحرب”. المؤسسات المدنية لا تختفي، لكنها تتحول أكثر فأكثر إلى أدوات تنفيذ، فيما تُصنع القرارات المصيرية داخل الدوائر العسكرية والأمنية. skip render: ucaddon_material_block_quote الانقسامات لا تحكم القرار ليس صحيحًا أن الحديث عن خلافات داخلية في إيران مجرد اختراع إعلامي. الانقسامات موجودة فعلًا، وهي ليست جديدة على الحياة السياسية الإيرانية. فمنذ عهد الخميني، عرفت الجمهورية الإسلامية صراعات بين الإصلاحيين والمحافظين والبراغماتيين والمتشددين. الجديد اليوم ليس وجود الخلاف، بل موقعه من القرار. هناك تيار إصلاحي ما زال يرى أن المفاوضات والانفتاح على الغرب خياران ضروريان لتخفيف الضغط وإنقاذ الدولة. وهناك تيار محافظ براغماتي يدرك أن الحرب الطويلة تستنزف الداخل، ويقبل بالدبلوماسية بشرط الحفاظ على الخطوط الحمراء. في المقابل، يقف تيار أيديولوجي متشدد يعتبر أي تفاوض مع واشنطن، خصوصًا بعد الحرب، تنازلًا لا يجوز تمريره أو تبريره. لكن هذه التيارات، على اختلاف مواقفها، لا تبدو صاحبة القرار النهائي. يمكنها أن تضغط، أن ترفع الصوت، أن تهاجم هذا المسؤول أو ذاك، وأن تؤثر في المزاج السياسي والإعلامي. لكنها، في اللحظة الحالية، لا تمسك بمفاتيح الحرب والسلام. قضية الهجوم على محمد باقر قاليباف بسبب موقفه المؤيد للتفاوض، والانتقادات التي طالت عباس عراقجي بعد حديثه عن إعادة فتح مضيق هرمز، تكشف أن الخلافات قائمة فعلًا. لكنها تكشف أيضًا حدودها. فالمتشددون قادرون على خلق ضجيج، لا على الإمساك بالمقود. أما المقود، بحسب قراءة المصادر، فهو في يد الحرس الثوري ومنظومته الأمنية. مرشد في الظل؟ يزيد غياب مجتبى خامنئي عن المشهد العلني من غموض الصورة. فالرجل الذي تولى موقعًا بالغ الحساسية في ظروف استثنائية، لا يملك حتى الآن ما كان يملكه والده: الهيبة التاريخية، وشبكة الولاءات الواسعة، والقدرة على جمع المؤسسات المتنافسة حول كلمة نهائية واحدة. بحسب مصادر قريبة من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، فإن مجتبى حاضر في عملية صنع القرار، لكنه ليس مركزها الوحيد. ظروف الحرب، الخوف من كشف مكانه، إصابته في الغارة التي استهدفت والده، وعدم امتلاكه الوقت الكافي لبناء دائرته الخاصة، كلها عوامل جعلته جزءًا من منظومة قرار أوسع، لا رأسًا قادرًا على ضبط الجميع كما كان يفعل خامنئي الأب. وهذا يعني أن إيران لا تعيش فقط مرحلة انتقالية في الأشخاص، بل مرحلة انتقالية في طبيعة الحكم نفسها. المرشد الجديد موجود، لكن الحرس الثوري هو الذي يملأ الفراغ، لا مؤقتًا فحسب، بل ربما كقاعدة جديدة في نظام يتغير تحت ضغط الحرب. حملة تضليل أم حقيقة قلقة؟ في طهران، تُقرأ التصريحات الأمريكية والإسرائيلية عن الانقسامات الداخلية بوصفها جزءًا من حرب نفسية تهدف إلى زعزعة الثقة داخل النظام، والضغط على المفاوض الإيراني، وتصوير إيران كدولة عاجزة عن إنتاج قرار موحد. هذه القراءة ليست بلا أساس. فالولايات المتحدة وإسرائيل تدركان أن التشكيك في وحدة القيادة الإيرانية قد يكون سلاحًا تفاوضيًا ومعنويًا، خصوصًا إذا عجزت القوة العسكرية وحدها عن فرض النتائج المطلوبة. لكن الدعاية لا تنجح عادة من فراغ. وجود حملة تضليل لا يعني انعدام المشكلات الداخلية. فإيران، كما يبدو، تقف فعلًا عند مفترق دقيق: خلافات سياسية، مرشد جديد لم يرسخ سلطته بعد، حرس ثوري يتمدد داخل القرار، ومؤسسات مدنية تتراجع أمام أولوية الأمن والحرب. لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل توجد انقسامات داخل إيران؟ بل: هل ما زالت هذه الانقسامات قادرة على التأثير في القرار، أم أن الحرب أعادت ترتيب السلطة بطريقة جعلت المؤسسة العسكرية فوق السياسة؟ إيران اليوم ليست بلا رأس، لكنها برأس أثقل عسكريًا وأمنيًا من أي وقت مضى. ليست دولة مفككة بالكامل كما تحاول الدعاية الأمريكية والإسرائيلية تصويرها، لكنها أيضًا ليست الدولة التي كان فيها المرشد الأعلى قادرًا وحده على موازنة كل التيارات والمؤسسات. القرار في طهران لم يختفِ. لقد انتقل. ومن يقرأ المشهد ببرودة سيجد أن السؤال لم يعد: من يحكم إيران؟ بل: إلى أي مدى أصبح الحرس الثوري هو الدولة العميقة والدولة الظاهرة في آن واحد؟ skip render: ucaddon_box_testimonial
في لحظة بدت لكثيرين كأنها اختبار عملي لأسطورة “اللامركزية”، كشفت خطوة أمريكية حديثة عن ثغرة عميقة في الخطاب الذي رافق العملات الرقمية طوال سنوات. فقد تمكّنت الولايات المتحدة، خلال الأسابيع الماضية، من تجميد أكثر من 340 مليون دولار مرتبطة بالبنك المركزي الإيراني، كانت محفوظة على هيئة عملات مشفّرة موزعة عبر محافظ رقمية ومنصات متعددة. المفارقة هنا لا تكمن في حجم المبلغ فحسب، بل في الرسالة التي حملتها العملية: أموال كان يُفترض، نظريًا، أنها خارج قبضة الحكومات، جرى تعطيلها بقرار سياسي وقانوني. عند هذه النقطة تحديدًا، يتصدّع أحد أبرز الوعود التي قامت عليها العملات المشفّرة: التحرر من سلطة الدولة والنظام المالي التقليدي. حين تخضع اللامركزية للسيادة العملية التي أشرف عليها Office of Foreign Assets Control، بالتنسيق مع وزارة الخزانة الأمريكية، لم تستهدف “البلوك تشين” كفكرة أو كبنية تقنية، بل أصابت نقطة أكثر هشاشة: نوع العملة المستخدمة. فالمحافظ المرتبطة بإيران لم تكن تعتمد أساسًا على عملات لامركزية بالكامل مثل Bitcoin أو Ethereum، بل على عملة Tether المستقرة، المرتبطة بالدولار الأمريكي والخاضعة لشركة Tether Limited. وهنا يكمن جوهر المسألة. فحين تكون العملة صادرة عن كيان مركزي، يصبح هذا الكيان نفسه نقطة ضغط قانونية وسياسية. وبمجرد أن تتحرك السلطات باتجاهه، يصبح بالإمكان تجميد المحافظ وتعطيل حركة الأموال، من دون الحاجة إلى كسر التقنية أو اختراق الشبكة. ليست كل العملات المشفّرة سواء رغم أن العملات الرقمية تُجمع غالبًا تحت عنوان واحد هو “البلوك تشين”، فإن الفوارق بينها جوهرية. فـBitcoin، على سبيل المثال، يعمل كنظام مفتوح لا تتحكم به جهة واحدة، بينما تمثل Tether نموذجًا هجينًا: عملة رقمية من حيث الشكل، لكنها مرتبطة بالدولار، وتُدار من شركة خاضعة للقوانين والضغوط التنظيمية. هذا الفرق هو ما حسم المعادلة. فلو كانت الأموال مخزنة بعملة لامركزية بالكامل، لكان الوصول إليها أو تعطيلها أكثر تعقيدًا، وربما غير ممكن بالوسائل نفسها. أما حين تمر الأموال عبر عملة مستقرة مرتبطة بالدولار، فإنها لا تخرج تمامًا من النظام المالي التقليدي، بل تبقى معلّقة عند أطرافه. skip render: ucaddon_material_block_quote البلوك تشين ليس عباءة إخفاء من أكثر المغالطات شيوعًا التعامل مع “البلوك تشين” كأداة لإخفاء الهوية. فالواقع أن هذه التقنية تقوم على العكس تقريبًا: سجل عام مفتوح، يوثق كل معاملة بدقة، ويتيح تتبع حركة الأموال من عنوان إلى آخر. صحيح أن المستخدمين لا يظهرون بأسمائهم الحقيقية، بل عبر عناوين رقمية مستعارة، لكن هذه العناوين يمكن ربطها بهويات فعلية عبر التحليل التقني، أو عند تقاطعها مع بيانات منصات التداول، أو حين تتحول الأصول الرقمية إلى أموال تقليدية. بمعنى آخر، الشفافية في البلوك تشين ليست تفصيلًا عابرًا، بل خاصية بنيوية. وما يبدو مجهولًا للوهلة الأولى، قد يصبح مكشوفًا عند أول نقطة تماس مع منصة منظمة أو جهة مالية خاضعة للرقابة. أين تمارس الدول نفوذها؟ لا تحتاج الحكومات دائمًا إلى مهاجمة التقنية نفسها. الاستراتيجية الأكثر فاعلية، كما تظهر التجربة الأمريكية، تقوم على السيطرة على نقاط التماس بين العالم الرقمي والنظام المالي التقليدي. هذه النقاط تشمل الشركات المصدرة للعملات المستقرة، ومنصات التداول الكبرى، والجسور التي تنقل الأموال بين العملات الرقمية والعملات الورقية. عند هذه المفاصل، تفقد اللامركزية كثيرًا من صلابتها، لأن المستخدم، مهما حاول الابتعاد عن النظام التقليدي، سيحتاج غالبًا إلى منصة، أو وسيط، أو عملة مستقرة، أو قناة تحويل إلى الدولار. وهنا تدخل الدولة من الباب الذي ظنّ كثيرون أنه أُغلق نهائيًا. حين تحتاج العملة الرقمية إلى الدولار، تدخل الدولة من الباب الخلفي السؤال الذي لا مفر منه هل العملات المشفّرة آمنة فعلًا؟ الإجابة ليست بنعم أو لا. الأمان هنا ليس صفة مطلقة، بل نتيجة مجموعة تفاصيل: نوع العملة، طبيعة الشبكة، مكان التخزين، المنصة المستخدمة، والجهة التي تصدر الأصل الرقمي أو تتحكم ببنيته التشغيلية. قد تبقى الشبكات اللامركزية الصلبة عصية نسبيًا على السيطرة المباشرة، لكن الطبقات المحيطة بها — من شركات ومنصات وعملات مستقرة — تظل عرضة للنفوذ السياسي والقانوني. skip render: ucaddon_box_testimonial
في القراءة السطحية لسياسات دونالد ترامب، تبدو تحرّكاته في نظر كثيرين متقلّبة أو اندفاعية. لكن هذا الانطباع يُخفي تصورًا أكثر ترابطًا، يقوم على التعامل مع الطاقة بوصفها أداة جيوسياسية، وعلى تحويل بؤر التوتر إلى أوراق ضغط في المواجهة مع الصين ما يُساء فهمه ليس فقط طبيعة التصعيد مع إيران، بل أيضًا كيفية إدراج ملفات بعيدة جغرافيًا، مثل فنزويلا، ضمن المعادلة نفسها. فهذه الملفات لا تتحرك، في هذا المنظور، كأزمات منفصلة، بل كعناصر متكاملة داخل استراتيجية واحدة، هدفها النهائي إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي عبر التأثير في شرايين الطاقة ومساراتها. رافعة النفوذ منذ البداية، تعامل ترامب مع ملف الطاقة باعتباره رافعة نفوذ عالمي، لا مجرد قطاع اقتصادي. وهذا ينسجم مع نزعة أميركية قديمة سعت إلى الحد من قدرة تحالفات المنتجين، وفي مقدمها OPEC+، على التأثير المنفرد في أسعار النفط العالمية. فاستقلال القرار النفطي للدول المنتجة، وتنسيقها فيما بينها، شكّلا تاريخيًا تحدّيًا لواشنطن، التي حاولت دائمًا كسر هذا الاحتكار أو على الأقل تحييده. من هنا، يمكن قراءة استراتيجية ترامب على أنها محاولة لإعادة توزيع أدوات التأثير في السوق، بحيث لا تبقى الأسعار رهينة تكتلات المنتجين وحدها، بل تصبح خاضعة لتوازنات أوسع تمتلك الولايات المتحدة قدرة أكبر على إدارتها أو التأثير فيها. في هذا السياق، يبرز مضيق هرمز بوصفه نقطة اختناق مركزية في النظام الطاقوي العالمي. فالمضيق ما يزال معبرًا حاسمًا للتجارة النفطية والغازية، وتذهب النسبة الأكبر من تدفقاته إلى الأسواق الآسيوية، فيما تُعدّ الصين، إلى جانب الهند واليابان وكوريا الجنوبية، من أبرز المتلقين لهذه الإمدادات. لذلك، فإن أي تهديد مستدام لحركة العبور فيه ينعكس مباشرة على الاقتصادات الآسيوية أكثر مما ينعكس على الولايات المتحدة نفسها. من مضيق هرمز إلى نفط فنزويلا، لم تكن أزمات ترامب متناثرة، بل أجزاءً من استراتيجية واحدة: نقل التحكم بشرايين الطاقة من المنتجين إلى واشنطن، ووضع الصين تحت ضغط سوقٍ لا تملك مفاتيحه الضغط الأقصى ضمن هذا الإطار، يصبح التصعيد مع إيران جزءًا من استراتيجية أوسع. فسياسة “الضغط الأقصى” لا تُفهم فقط باعتبارها محاولة لتعديل سلوك طهران، بل أيضًا كوسيلة لإبقاء سوق الطاقة في حالة توتر محسوب، بما يرفع الكلفة على الخصوم الكبار ويزيد هشاشة استقرارهم الاقتصادي. وتكتسب هذه المقاربة وزنًا إضافيًا حين تُقرَن بملفات أخرى، مثل فنزويلا، حيث سعت إدارة ترامب إلى توسيع نفوذها على مسارات بيع النفط وعائداته، في خطوة لها بُعدٌ طاقوي وجيوسياسي معًا. أما فنزويلا، فلا تظهر هنا كملف لاتيني معزول، بل كجزء من الخريطة نفسها. فالصين كانت المشتري الأكبر أو الأهم للنفط الفنزويلي، كما راكمت هناك انكشافًا ماليًا كبيرًا عبر القروض المرتبطة بالنفط. ولذلك، فإن أي انتقال في السيطرة على عائدات هذا القطاع، أو في وجهة صادراته، لا يطال كاراكاس وحدها، بل يطال أيضًا إحدى نقاط الارتكاز الصينية في نصف الكرة الغربي. غير أن هذه الاستراتيجية لا تقوم على التصعيد وحده. فوجهها الآخر هو القدرة على عقد تفاهمات تعيد ضبط التوتر عند الحاجة. وهنا تكمن ميزة الجمع بين الضغط والاحتواء: رفع منسوب التوتر عندما تقتضي المصلحة، وخفضه عندما يحين وقت جني المكاسب السياسية أو الاقتصادية. بهذا المعنى، لا تكون واشنطن معنية فقط بإشعال الأزمات، بل أيضًا بإدارة إيقاعها. من هرمز إلى كاراكاس.. كيف يوظّف ترامب النفط في تطويق الصين وفي هذا السياق، يكتسب البعد الرمزي أهمية خاصة. ففي 5 سبتمبر 2025، وقّع ترامب أمرًا تنفيذيًا أعاد فيه استخدام “Department of War” و“Secretary of War” كألقاب ثانوية بديلة داخل المراسلات والسياقات غير التشريعية، مع بقاء الاسم القانوني الرسمي “Department of Defense”. هذا لا يغيّر البنية القانونية للمؤسسة، لكنه يكشف تحوّلًا في الخطاب، من منطق الدفاع إلى منطق إبراز الجهوزية للمبادرة وفرض الإرادة. وهكذا، لا تبدو هذه السياسات متناقضة بقدر ما هي متعددة الأدوات ضمن هدف واحد. عبر إيران ومضيق هرمز، وعبر فنزويلا واحتياطياتها، وعبر السعي إلى تقليص قدرة تحالفات المنتجين على الإمساك بالسوق، تتشكّل مقاربة تحاول نقل مركز التأثير في سوق الطاقة من توازنات المنتجين وحدها إلى شبكة أوسع تتحرك فيها الولايات المتحدة من موقع القيادة والضغط. وفي عالم يتوقف فيه صعود القوى الكبرى على استقرار مواردها وممرّاتها، يصبح التحكم بهذا الاستقرار، أو القدرة على زعزعته عند الضرورة، أحد أبرز مفاتيح القوة في القرن الحادي والعشرين * الأمين العام ل"تيّار المستقبل"