ستكشف حيثيّات مقتل السوري غسّان نعسان السخني، المعروف بـ«الطرماح»، قائد مجموعة «الطراميح» التي عملت ضمن الفرقة 25 في جيش نظام بشّار الأسد البائد، ما إذا كان لبنان، أمس، أمام نقطة تحوّل في تعاطي دمشق الجديدة مع بلاد الأرز. فإن صحّت التأويلات بأن مقتل المجرم «الطرماح» ليس جريمة عاديّة على خلفيّة خلافٍ مالي، كما ذكرت الرواية الرسميّة اللبنانيّة، فإنّنا نكون أمام أوّل اغتيال سياسي «واضح» تنفّذه المخابرات السوريّة الجديدة في الحقبة الجديدة، ما يُنذر بسلسلة تداعيات وأحداث سيكشفها القادم من الأيّام. فالمؤشّرات والتحليلات الأمنيّة تشير إلى احتماليّة وجود أبعاد سياسيّة وأمنيّة أعمق لهذه العمليّة، تعكس الصراعات المستمرّة في المنطقة، واحتمال تحوّل لبنان إلى ساحة لتصفية حسابات مرتبطة بسقوط النظام السوري. ملابسات الاغتيال عثرت الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة على جثّة غسّان نعسان السخني في منطقة كسروان، شمالي بيروت، بعد ساعات من اختفائه، ليل الأحد 22 ديسمبر 2025. ووفقًا للمعلومات الأمنيّة الأوّليّة، استقلّ السخني سيارة من طراز «هيونداي» بيضاء اللون، كان يقودها شخص مجهول، قبل أن تنقطع أخباره. وعند العثور على جثّته، تبيّن أنّه أُطلق عليه الرصاص برصاصة في الرأس، كما عُثر على آثار طعنة سكين في رجله. أعلن بيان صادر عن الجيش اللبناني توقيف المشتبه به، السوري (و.د)، الذي استدرج السخني إلى بلدة كفرياسين في قضاء كسروان، حيث أطلق النار عليه بمسدّس حربي. وقد تمكّن الموقوف من الفرار بعد الجريمة، لكن الأجهزة الأمنيّة ألقت القبض عليه لاحقًا في بلدة تلبيرة الحدوديّة في عكّار، هو يحاول الفرار إلى الأراضي السورية. في اللغة العربية، تعني كلمة «طرماح» الرجل الطويل القامة، الضخم الجسم، القويّ البنية، وقد يُقصد بها أيضًا الشخص الشجاع والمقدام في القتال الرواية الرسمية قدّمت السلطات اللبنانيّة تفسيرًا رسميًا للجريمة، يقوم على وجود «خلاف مالي» بين القاتل والضحيّة. وبحسب البيان الرسمي للجيش اللبناني، تمّ توقيف الموقوف «على أثر خلاف مالي بينهما»، وتحويل الملف إلى القضاء المختصّ برئاسة النائب العام الاستئنافي في جنوب لبنان، القاضي سامي صادر. غير أنّ هذا التفسير اعتبر تبسيطًا مفرطًا لجريمة تحمل دلالات أعمق، في سياق التطوّرات الأمنيّة والسياسيّة الراهنة في المنطقة. من هو غسّان النعسان؟ ينحدر غسّان نعسان السخني من بلدة قمحانة في ريف حماة الشمالي، وهي منطقة عُرفت تاريخيًا بكونها خزانًا بشريًا للتشكيلات العسكريّة الموالية لنظام الأسد. برز اسمه كأحد القادة الميدانيّين في ما عُرف بـ**«فوج الطرماح»**، وهو تشكيل قتالي من قوات النخبة، عمل ضمن «قوات النمر»، التي تحوّلت لاحقًا إلى الفرقة 25 مهام خاصّة في جيش نظام الأسد. تولّى السخني رئاسة مجموعة «الطراميح» في بلدته قمحانة، وشارك في عدد من المعارك البارزة التي خاضها النظام خلال سنوات الحرب السوريّة. وكان معروفًا بلقب «الطرماح»، وارتبط اسمه بعمليّات عسكريّة دامية في عدّة مناطق سوريّة، من بينها دير الزور، وحلب، والغوطة الشرقيّة، وريف إدلب الجنوبي. كان السخني يرتبط بعلاقات وثيقة مع العميد سهيل الحسن، الملقّب بـ**«النمر»**، أحد أبرز قادة المخابرات الجويّة السوريّة، والمقرّبين من الرئيس المخلوع بشّار الأسد. وكانت الفرقة 25 التي قادها الحسن تُعدّ من أكثر التشكيلات العسكريّة قسوة وفتكًا في جيش النظام. السقوط والفرار مع سقوط نظام بشّار الأسد، بدأ عدد من الضبّاط والعناصر العسكريّة والأمنيّة السابقين بالفرار من سوريا. اتّجه البعض إلى روسيا، حيث استقبلت موسكو عددًا من كبار القادة العسكريّين والأمنيّين السابقين، فيما اختار آخرون، ومن بينهم غسّان النعسان، الإقامة في لبنان. استقرّ السخني في البداية في منطقة طبرجا شمالي بيروت، حيث أقام في شاليه على الساحل، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى شقّة سكنيّة في المنطقة نفسها. وكان اختيار طبرجا وكسروان غير تقليدي، مقارنة بالمناطق التي يلجأ إليها عادة رموز النظام السابق، كالبقاع أو الضاحية الجنوبيّة لبيروت، ما أثار تساؤلات حول طبيعة إقامته وأنشطته. عاش السخني حياة منخفضة الظهور الإعلامي في لبنان، ولم تُعرف تفاصيل كثيرة عن تحرّكاته أو علاقاته، غير أنّ معلومات أمنيّة تشير إلى احتفاظه بعلاقات مع عناصر أخرى من النظام السابق المتواجدين في لبنان. عثرت الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة على جثّة السخني في منطقة كسروان بعد ساعات من اختفائه زيارة الوفد الأمني السوري في 19 ديسمبر 2025، أي قبل ثلاثة أيّام من مقتل السخني، زار وفد أمني سوري لبنان، ضمّ العميد عبد الرحمن دبّاغ، مساعد مدير المخابرات في الحكومة السوريّة الجديدة. وعقد الوفد سلسلة لقاءات مع مدير المخابرات في الجيش اللبناني، العميد طوني قهوجي، إضافة إلى مسؤولين أمنيّين لبنانيّين آخرين. قُدّمت الزيارة رسميًا في إطار التعاون الأمني بين البلدين، وتمحورت حول مكافحة تنظيم داعش، وضبط الحدود، والملفّات الأمنيّة المشتركة. غير أنّ معلومات أمنيّة وتقارير إخباريّة أشارت إلى أنّ الهدف الحقيقي كان مختلفًا. بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، تمحورت الاجتماعات حول ملف وجود ضبّاط وعناصر من جيش وأجهزة أمن النظام السابق داخل الأراضي اللبنانيّة، وسعي دمشق إلى إقناع السلطات اللبنانيّة بتسليم عدد منهم. وذكرت معلومات أنّ الوفد السوري سلّم لائحة بأسماء ضبّاط محسوبين على نظام الأسد المخلوع، وطالب بتسليمهم. كما تحدّثت تقارير عن سعي دمشق لفتح «مكتب تسوية أوضاع» لمؤيّدي النظام السابق الموجودين في لبنان. غير أنّ السلطات اللبنانيّة قابلت هذه الطلبات برفض واضح، مؤكّدة أنّه لم يُقدَّم أي طلب رسمي، بل محاولات غير رسميّة، وهو ما يتقاطع مع رفض لبناني سابق لطلبات مماثلة في مراحل سابقة. جريمة ماليّة أم تصفية سياسيّة؟ رغم الرواية الرسميّة التي تحدّثت عن خلاف مالي، يرى محلّلون أمنيّون أنّ الجريمة تحمل أبعادًا أعمق، مستندين إلى عدّة عوامل: التوقيت المريب: وقوع الجريمة بعد ثلاثة أيّام من زيارة الوفد السوري. المكان غير التقليدي: كسروان ليست بيئة مألوفة لرموز النظام السابق. الطريقة الدموية: استخدام الرصاص والسكين معًا. السياق الأوسع: صراعات ما بعد سقوط النظام، وخشية تحويل لبنان إلى ساحة تصفية. تصفية مخطّط لها وفقًا لتحليلات أمنيّة، فإن فشل المسار السياسي – الأمني دفع دمشق إلى خيارات أكثر خطورة، تشمل عمليات تصفية واغتيال، عبر فصائل موالية، بهدف فرض وقائع بالقوّة وترهيب خصوم النظام السابق. ويشير المرصد السوري إلى أنّ هذه العمليّات لا تقتصر على الاغتيالات، بل تشمل الاستدراج والابتزاز، في إطار حملة أوسع لتصفية الحسابات. ليست رصاصة كسروان تفصيلاً أمنيًا، ولا سكين «الخلاف المالي» سوى كذبة باردة واهنة أمام مشهد أكبر وأخطر. اغتيال غسّان النعسان لم يكن حادثًا عابرًا، بل رسالة دم مكتوبة بوضوح: من نجا من سقوط النظام، قد لا ينجو من ذيله. حين يُقتل ضابط نظام سابق بهذه الطريقة، وفي هذا التوقيت، وبعد زيارة وفد أمني سوري، فالمسألة لم تعد جنائيّة، بل سياديّة بامتياز. السؤال من قرّر أن يكون لبنان ساحة تصفية مفتوحة؟ الأخطر ليس عودة المخابرات السوريّة إلى لبنان، بل عودة لبنان إلى زمن الاغتيال كلغة تفاوض، وأن الرصاص بات أسرع من أي مذكرة دبلوماسية. اغتيال «الطرماح» قد يكون الأوّل… وما لم يُكسر هذا المسار الآن، فلن يكون الأخير.
في خضمِّ الأحداثِ المتسارِعة التي تشهدُها منطقةُ الشرقِ الأوسط، برز اسمُ هيثم علي الطبطبائي (أبو علي)، القياديّ العسكريّ في حزب الله، الذي أُعلن عن اغتياله في غارةٍ إسرائيليةٍ بالضاحيةِ الجنوبية لبيروت عصرَ أمس الأحد.لم يُسلَّط هذا الحدثُ الضوءَ على الشخصيةِ المستهدفةِ فحسب، بل إنّ اسم العائلة غيرِ المألوفِ لبنانياً بحدِّ ذاته كان محلَّ تساؤل، وأعاد إلى الواجهةِ تاريخَ عائلةٍ ذاتِ امتدادٍ وحضورٍ واسعٍ ونفوذٍ دينيٍّ وسياسيٍّ وثقافيٍّ عميقٍ في العالمِ الإسلامي، من إيران والعراق إلى لبنان.فمَن هم آلُ الطبطبائي، وما هو تاريخُهم وأبرزُ رجالاتِهم؟ نسبٌ شريف ولقبٌ فريد تُعدّ عائلةُ الطبطبائي، أو «آل طباطبا» كما تُعرَف في المصادرِ التاريخية، من الأسرِ العلويّة التي يعودُ نسبُها مباشرةً إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب، حفيدِ النبيّ محمّدٍ عليه الصلاةُ والسلام؛ ولذلك يُعرَفون بـ السادة الحسنيين.أمّا لقبُ طباطبا الفريد، فيعود إلى جدّهم إبراهيم بن إسماعيل الديباج (الجيل الخامس من أحفاد الإمام الحسن). وتتعدّد الروايات في سببِ هذا اللقب؛ أشهرُها أنه كان يلفظ حرفَ «القاف» «طاءً» في لهجته، فكان يقول «طَبا» بدلًا من «قَبا» (وهي كلمةٌ فارسية تعني الجُبّة أو العباءة)، فلقِّب بـ «طباطبا».وروايةٌ أخرى تذكر أنّ اللقب يعني «سيّد السادات» باللغةِ النبطية، وهو لقبٌ أُطلق عليه عند خروجه من سجن الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور. انتشارٌ جغرافيّ وتأسيسُ دول على مدى ثلاثةَ عشرَ قرناً، انتشرت فروعُ عائلةِ الطبطبائي من موطنها الأصلي في الحجاز إلى مختلفِ أنحاءِ العالم الإسلامي، فسكنوا العراق واليمن ومصر والشام وإيران والهند، وصولًا إلى لبنان.ولم يقتصر دورُهم على الجانبِ الدينيّ والعلميّ، بل كان لهم حضورٌ سياسيّ بارز وصل إلى حدِّ تأسيس دولٍ وإمارات. دولة بني طباطبا في الكوفة (815 م) التي دامت سنتين. دولة بني طباطبا الرسّية في اليمن (من القرن التاسع إلى القرن العشرين)، حيث أسّس الهادي إلى الحقّ يحيى بن الحسين الطباطبائي (859–911 م) دولةَ الأئمّة الزيديين التي استمرّت بشكلٍ متقطّع لأكثر من ألف عام، وشكّلت إرثًا سياسيًّا ودينيًّا عميقًا في المنطقة. ظهر اسم هيثم علي الطبطبائي (أبو علي)، القيادي في حزب الله. وُلد في بيروت عام 1968 لأبٍ إيراني وأمٍّ لبنانية، وانخرط في صفوف الحزب ليتقلّد مناصب قيادية عليا بحورُ العلم ومناراتُ الفكر أنجبت عائلةُ الطبطبائي عبر تاريخها الطويل كوكبةً من العلماء والفقهاء والفلاسفة الذين تركوا بصماتٍ واضحةً في الفكر الإسلامي. ومن أبرز هؤلاء: العلامة محمد حسين الطباطبائي (1904–1981)، فيلسوفٌ ومفسّرٌ إيراني، يُعدّ من أبرز مفكري الشيعة في القرن العشرين. وُلد في تبريز ودرس في النجف ثم استقرّ في قم. أشهرُ أعماله على الإطلاق هو «الميزان في تفسير القرآن»، في عشرين مجلدًا، ويُعدّ مرجعًا أساسيًا في الدراسات القرآنية الحديثة، حيث اتبع فيه منهج «تفسير القرآن بالقرآن». كما ألّف كتبًا فلسفيةً رائدة مثل «بداية الحكمة» و«نهاية الحكمة» و«أصول الفلسفة والمذهب الواقعي»، وتتلمذ على يديه جيلٌ من كبار المفكرين مثل مرتضى المطهري وموسى الصدر. آية الله العظمى السيد محسن الحكيم الطباطبائي (1889–1970). مرجعٌ دينيٌّ كبير ترأس الحوزة العلمية في النجف، وأصبح المرجع الأعلى للشيعة في العالم بعد وفاة السيد حسين البروجردي. وعلى الرغم من ولادته ونشأته في العراق، فإن جذور عائلته (آل الحكيم) تعود إلى جبل عامل في جنوب لبنان. آل بحر العلوم، فرعٌ شهير من عائلة الطبطبائي في العراق، برز فيه العديد من العلماء. وسُمّيت الأسرة نسبةً إلى جدّهم السيد محمد مهدي بحر العلوم (1742–1797)، الذي لُقّب بذلك لغزارة علمه. وقد واصل هذا الفرع رفدَ الحوزات العلمية في النجف وكربلاء بالمفكرين والفقهاء. من الصدر إلى حزب الله في لبنان، يتجلّى حضورُ آل الطبطبائي عبر الهجرات القديمة والروابط الأسرية الحديثة والأدوار السياسية والعسكرية المعاصرة. تنتسب والدة الإمام موسى الصدر إلى آل الطبطبائي؛ فهي ابنة المرجع الديني آية الله حسين الطباطبائي القمّي. هذه المصاهرة ربطت بين عائلتين من كبار العائلات الدينية الشيعية. الإمام الصدر، الذي تعود جذور عائلته إلى جبل عامل، وُلد في إيران وجاء إلى لبنان ليؤسّس «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» و«حركة أمل»، ويُحدث نهضةً شاملة في واقع الطائفة الشيعية. وبذلك، فإن دم آل الطبطبائي يجري في عروق هذه الشخصية المحورية في تاريخ لبنان الحديث من جهة والدته. كما تعود أصول عائلة المرجع محسن الحكيم إلى جبل عامل، ما يؤكّد وجودًا تاريخيًا قديمًا لفروع العائلة في لبنان. وأخيرا، يظهر اسم هيثم علي الطبطبائي (أبو علي)، القيادي في حزب الله. وُلد في بيروت عام 1968 لأبٍ إيراني وأمٍّ لبنانية، وانخرط في صفوف الحزب ليتقلّد مناصب قيادية عليا، منها قيادة قوّة الرضوان، وهي وحدة النخبة في الحزب. وقد أدرجته الولايات المتحدة على قوائم الإرهاب قبل اغتياله في غارة إسرائيلية. من الإمامةِ في اليمن، إلى الفلسفةِ في قم، إلى المرجعيةِ في النجف، إلى العمل السياسي والعسكري في لبنان… يمتدّ تاريخُ آل الطبطبائي على مساحةٍ جغرافية واسعة وبأدوارٍ متنوّعة. إنها قصةُ نسبٍ شريف سعى عبر أبنائه ووجوهه إلى ترك بصماتٍ مؤثّرة في العلم والدين والسياسة على مدى قرون. إرثٌ لا يزال يتفاعل ويظهر في شخصياتٍ وأحداثٍ تشكّل جزءًا من تاريخِ المنطقة وحاضرِها.
لم تقتله إسرائيلُ هذه المرّة، بل قتله مَن باعوا أنفسَهم لها.في غزّة، سقط الصحفيّ الفلسطينيّ صالح الجعفراوي برصاصاتٍ غادرةٍ خرجت من بنادقَ فلسطينيّة، لكن رائحتها كانت إسرائيليّة. رصاصةٌ فلسطينيّة بيدِ عميلة، أطلقتها جماعاتٌ مأجورةٌ تحتمي بشعاراتِ “الوطنية” و“المقاومة”، فيما ولاؤها الحقيقيّ معلَّقٌ عند بوّابات ضبّاط الاحتلال أداةٌ في يد المحتلّ لم يحتج الاحتلالُ إلى الطائراتِ هذه المرّة، ولا إلى قنّاصٍ على الحدود؛ فقد وجد “بيننا” من يقوم بالمهمّة نيابةً عنه. العملاءُ الذين يتزيّنون بعباراتِ “الوطنية” و“المقاومة”، بينما يقتاتون على فتات استخباراتِ العدو، صاروا اليوم الخطرَ الأكبرَ على الشعبِ الفلسطينيّ.إنّهم لا يُطلقونَ النارَ فقط على الأجساد، بل على الوعي ذاته، على روحِ المجتمع، على كلِّ ما تبقّى من معنى الشرف والانتماء. صالحُ الجعفراوي، رجلٌ واجه الاحتلالَ بالكلمة، فواجهته الخيانةُ بالرصاص. مَن يعرفه يُدرك أنّ الرجل لم يكن محايدًا أمام الحقيقة، ولم يكتبْ إلّا بما يليق بضميرِ الصحافةِ الحرّة.نجا من قصف الاحتلال، وواجه آلةَ الحرب بعدستِه وقلمِه، فصار هدفًا لمَن أرادوا إسكات كلِّ مَن لا يسير في الركب. لم يستطع الاحتلال الوصولَ إليه في الميدان، فسلّم المهمّةَ إلى أذرعِه الخفيّة في الداخل.والنتيجة: دمٌ فلسطينيّ يُسفَك بأيدٍ فلسطينيّةٍ باعت أرواحَها في المزاد. تغيّرت الخيانةُ. لم تعد تلك الصورةَ النمطيةَ لعميلٍ يُهرّب وثائق أو يزرع جهازًا في سيارةِ مقاوم. اليوم، الخائنُ قد يكون مسؤولًا، أو ناشطًا اغتيالُ الجعفراويi جريمةً لجيلٍ من الصحفيّين ما زالوا يؤمنون أنّ الكلمةَ مقاومة.هي من الخنادق إلى المكاتب تغيّرت الخيانةُ. لم تعد تلك الصورةَ النمطيةَ لعميلٍ يُهرّب وثائق أو يزرع جهازًا في سيارةِ مقاوم. اليوم، الخائنُ قد يكون مسؤولًا، أو ناشطًا، أو حتى مَن يُصرّ على الصمتِ حين يرى الظلم.لا يحتاج الاحتلالُ إلى جواسيسَ فحسب، بل إلى بيئةٍ تتسامح مع الخيانة وتغضّ الطرف عنها. وهذا هو الخطرُ الأكبر: أن تتحوّل الخيانةُ إلى “تفصيلٍ سياسيّ”، أو إلى “خلافٍ داخليّ”. ليس اغتيالُ الجعفراوي جريمةً شخصيّة، بل جريمةٌ ضدّ فلسطينَ نفسِها. هو استهدافٌ لضميرِها الجمعيّ، لكلمةِ الحقّ التي لم ترضخ، ولجيلٍ من الصحفيّين ما زالوا يؤمنون أنّ الكلمةَ مقاومة.إنّ الذين نفّذوا الجريمةَ لم يقتلوا شخصًا، بل حاولوا اغتيالَ المعنى — المعنى الذي يقول إنّ فلسطين لا تُختصر بفصيل، ولا تُختزل بشعار، وإنّ الولاء للوطن لا يُقاس بالهتاف، بل بالفعل. قال أحد القنّاصة في قصّة رمزية شهيرة: “لا أريد أن أقتل قنّاصَ العدو، فهو فاشل. أخشى أن يستبدلوه بآخر أكثر دقّة فيقتلني.”تلك المفارقةُ تختصر ما يجري اليوم: نحن مَن نُبقي العدوَّ مرتاحًا في موقعه، حين يتكفّل بعضُنا بمهمّة تصفية بعضِنا. هكذا يربح الاحتلالُ دون أن يُطلق النار، فقط لأنّه يملك مَن يخدمه من الداخل. العدالةُ الغائبة من حقِّ الفلسطينيين أن يسألوا اليوم: مَن أمر؟ مَن موّل؟ مَن ضغط لإسكات صالح الجعفراوي؟ هل سنكتفي ببياناتِ النعي المكرَّرة، أم سنفتحُ الملفاتَ ونُسمّي الأشياءَ بأسمائها؟إنّ التستّر على القَتَلة جريمةٌ لا تقلّ بشاعةً عن القتل نفسِه، والصمتُ شراكةٌ في الجريمة.الواجبُ الوطنيّ الآن هو تحقيقٌ مستقلٌّ وعلنيّ، لا يخضع لحساباتِ الفصائل، ولا يُرضي مَن يقف خلف الستار. العملاءُ ليسوا “بيننا” فحسب… بل نحن مَن سمحنا لهم بالبقاء. هؤلاء الذين يُلوّنون وجوهَهم بالوطنية، وهم يبيعون دمَ إخوتهم للاحتلال، ليسوا أبناءَ فلسطينَ الحقيقيين. لكنَّ الخطأَ ليس في وجودهم فقط، بل في أنّنا سمحنا لهم أن يعيشوا بيننا، وأن يخترقوا مؤسّساتِنا، وأن يتحدّثوا باسمنا. ليس اغتيالُ صالح الجعفراوي نهايةَ قصّة، بل بدايةَ مرحلةٍ يجب أن نُواجهها بشجاعة. الاحتلالُ لم يعُد يحتاج إلى دباباتِه ليهزمنا؛ يكفيه أن يزرعَ بيننا مَن يُشبهنا شكلًا ويعمل ضدَّه مضمونًا. لكن ما لا يُدركه هؤلاء العملاءُ أنَّ الكلمةَ الصادقة لا تُقتل، وأنّ دماءَ الشرفاء هي التي تُعيد للوطنِ معناها حين يضيع بين المتاجرين به. فلْتبكِ غزّةُ ابنَها، ولينحنِ القلمُ احترامًا لدمِه، لكنْ لتقُم الصحافةُ حاميةً الكلمةَ، والعدالةَ، والشرف.