لم يكن الطفل أحمد بدر الدين حسّون، المولود في أزقة حلب القديمة عام 1949 لأمٍّ تُدعى حميدة، يعلم أن مسيرته الممتدة عبر العقود ستنتهي به وحيدًا مرتجفًا داخل قفص اتهام حديدي في محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، يرقب عيون القضاة والمنظمات الحقوقية وهي تُسدل الستار على حياته بحكم السجن المؤبّد مدى الحياة. بين صرخة الولادة الأولى في حارة حلبية محافظة، ووقع مطرقة القاضي فخر الدين العريان في الرابع والعشرين من آب عام 2026، تتكشّف قصة تتتبّع خيوط الانتهازية والتلوّن الديني، وتبحث في الأروقة العتيقة وفي نفوس مريدي التصوف عن اللحظة الدقيقة التي قرر فيها ابن الشيخ الزاهد أن يبيع إرث أبيه للأجهزة الأمنية، ليتحوّل من طالب علم في حواضن الصوفية إلى حذاء تطأ به السلطة رقاب معارضيها. البداية بدأت الحكاية من قرية ياقد العدس في ريف حلب الشمالي الغربي، حيث انحدرت عائلة حسّون قبل أن تقرر الهجرة نحو المدينة بحثًا عن أفق أوسع، ليعمل جدّ المفتي مؤذنًا في جامع حمزة بك، ويسير ابنه محمد أديب حسّون في طريق العلم الشرعي، مستهلًّا رحلته في المدرسة الشعبانية، ثم المدرسة الخسروية العريقة. تنفّس الطفل أحمد حسّون أنفاس التصوف الأولى في بيئة شديدة المحافظة، وكان والده الشيخ أديب نقشبندي الطريقة، خطيبًا وإمامًا لعدد من المساجد، أمضى فيها ستين عامًا من الوعظ التقليدي البعيد كليًا عن مطامع السياسة وصراعات الحكّام، مكرّسًا سنواته الأخيرة لجامع أسامة بن زيد. في نهاية الأربعينيات، كان المشهد الصوفي في حلب يعيش عصره الذهبي؛ إذ لم تكن التكايا والزوايا مجرد مقارّ للدروشة والانعزال، بل شكّلت عصب الحياة الاجتماعية والتجارية، وقاد الشارع آنذاك أقطاب كبار، كالشيخ محمد النبهان، مؤسس المدرسة الكلتاوية في محلة باب النيرب، الذي نجح في حشد آلاف المريدين من تجار المدن وأبناء العشائر على حدّ سواء. وسط هذا العصر الذهبي المليء بالهيبة الدينية والوقار، كبر الطفل أحمد حسّون وهو يراقب التفاف الناس حول والده وحول الشيخ النبهان، غير أن نظراته لم تكن مأخوذة بزهد المتصوفة، بل بالقدرة الهائلة التي يمتلكها هؤلاء الشيوخ على تحريك الجماهير والتأثير في العقول بمجرد اعتلاء المنبر. ومن هنا نبتت البذور الأولى في ذاته؛ بذور رغبة عارمة في الصعود وتجاوز عباءة والده التقليدية المنكفئة، ليرى في السلك الديني منصة نفوذ، لا مسار تعبّد. رحلة إلى القدس! جاءت حرب عام 1967 لتشكّل الصدمة السياسية الأولى للشاب الذي نال لتوّه شهادة الثانوية العامة، وزار القدس في رحلة مدرسية قبيل اندلاع المدافع، حيث تزامنت عودته مع إحكام حزب البعث قبضته الحديدية على مفاصل الدولة والمؤسسات الدينية في سوريا برمّتها. أدرك حسّون، بذكائه النفعي، مبكرًا أن البقاء والتميّز في هذه الغابة السياسية الجديدة لا يتطلبان السير على خطى والده في النزاهة والابتعاد عن السلاطين، بل يتطلبان الولاء المطلق والارتباط العضوي بركائز الحكم. سافر الشاب الطموح إلى مصر ليدرس الأدب العربي والفقه الشافعي في جامعة الأزهر، وحصل هناك على الدكتوراه، التي وظفها عقب عودته إلى حلب في رسم صورة «الشيخ المودرن» المنفتح، الذي يجيد الخطابة بعبارات منسّقة وحجج مائعة ترضي العامة ولا تغضب رجال الأمن والسياسة. وفي تلك الأثناء، كان نظام حافظ الأسد، الذي استولى على السلطة عام 1970، يبني استراتيجيته للسيطرة على المجتمع السوري، مستغلًّا بصورة مكثفة مشهد التكايا والمتصوفة في حلب عبر مقايضة أمنية دقيقة؛ منح بموجبها المشايخ حرية واسعة في العبادة وإقامة مجالس الذكر والتعليم الشرعي، شريطة الانكفاء السياسي التام، وذلك لمواجهة تيارات الإسلام الحركي المتمثلة في جماعة الإخوان المسلمين، وتصدير التصوف بوصفه بديلًا مسالمًا وغير صدامي مع النظام. وجدت انتهازية حسّون الشاب ضالتها في هذا المناخ مع اندلاع أحداث الثمانينيات الدامية، حين اصطدم نظام الأسد عسكريًا بجماعة الإخوان المسلمين بين عامي 1979 و1982، وتحولت أحياء حلب القديمة إلى ساحات للمجازر والحصار. skip render: ucaddon_material_block_quote التحوّل إلى مخبر في الوقت الذي انكفأ فيه علماء أجلّاء خوفًا أو ورعًا، وتعرّض فيه آخرون للتنكيل، قرر أحمد حسّون كتابة عقد ولائه مع أفرع المخابرات العسكرية وأمن الدولة، فتحوّل إلى مخبر يرتدي الجبة والعمامة، يرفع التقارير الأمنية الدورية عن زملائه المدرسين وطلابه في المدرسة الخسروية ومساجد المدينة، واشيًا بكل من بدت عليه ملامح تعاطف وجداني مع الضحايا أو المعارضين. كانت مجازر الثمانينيات، كمجزرة سوق الأحد عام 1980 في حلب، مأساة سقط فيها آلاف من الصوفيين العزّل نتيجة الاشتباه الأمني والحصار العشوائي للأحياء المحافظة، فضلًا عن اغتيال علماء من الطرفين، لكن حسّون لم يرَ في جثث أبناء مدينته سوى درجات في سلّم صعوده الشخصي. كافأه النظام على خدماته بمنحه رخصة التدريس والخطابة في جامع الروضة، الذي يقع في أحد أرقى أحياء حلب ويضم نخبة من رجال الأعمال والتجار، ليتحوّل الجامع تحت رعايته إلى منصة تلميع سياسي وخطابي. فبينما كانت المدافع تدك بيوت المدنيين، كان حسّون يسخّر فصاحته اللغوية لبث روح الاستسلام ومهاجمة الحركات السياسية تحت شعار «درء الفتنة»، مبررًا بصورة غير مباشرة مجازر السلطة، ومشيطنًا ضحاياها باعتبارهم عصابات تخريبية وعملاء للخارج. الجائزة حصد الانتهازي الشاب ثمار هذا المسار سريعًا، فدفع به النظام إلى واجهة المشهد السياسي عام 1990، ليفوز بعضوية مجلس الشعب السوري كمستقل بدعم أمني مباشر، محققًا إثر ذلك أعلى الأصوات في حلب. وهناك، في أروقة البرلمان، أطلق تصريحاته التي تباهى بها علنًا، قائلًا إن «نحن بعثيون بالفطرة»، مرسّخًا فكرة طاعة ولي الأمر، والتنازل عن شرف الموقف الديني مقابل الرضا الأسدي. تدرّج حسّون في المناصب بفضل هذا الولاء؛ فعُيّن مفتيًا لحلب عام 2002، ثم قفز إلى الكرسي الأكبر عام 2005 بقرار مباشر من بشار الأسد، ليصبح المفتي العام للجمهورية السورية عقب وفاة المفتي أحمد كفتارو. وهنا بدأت المرحلة الأكثر قتامة في حياته، إذ لم يعد مجرد مخبر محلي، بل صار الغطاء الديني الرسمي لآلة القتل الأسدية برمّتها. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تجلّت شخصية حسّون في أبشع صورها؛ فوقف مدافعًا عن البراميل المتفجرة التي التهمت أشلاء الأطفال في أحيائه الحلبية القديمة، ووصف قصف المدن وتدميرها بأنه «تحرير». بل وتورّط، بحسب الملفات القضائية، في المصادقة على أحكام الإعدام الجماعية داخل سجن صيدنايا، وخرج مهددًا العواصم الأوروبية ولبنان بإرسال انتحاريين و«استشهاديين» إذا تعرض النظام السوري لأي هجوم خارجي. استمر حسّون في هذا المسار طوال ستة عشر عامًا، حتى قرر بشار الأسد فجأة، عام 2021، إلغاء منصب المفتي العام وإطاحته من دون أسباب واضحة، ليجد نفسه مرميًا على هامش النفوذ بعد أن استهلكت السلطة كل قطرة من ماء وجهه. ومع السقوط التاريخي لنظام الأسد في كانون الأول عام 2024، تبخرت كل وعود «الأبدية»، واختبأ حسّون وسط شائعات متضاربة عن فراره، حتى جاء يوم السادس والعشرين من آذار عام 2025، ليمسك به رجال الأمن الداخلي في مطار دمشق الدولي، وترتطم آماله بالأرض وهو يحاول ختم جواز سفره هربًا نحو الأردن، بادعاء إجراء عملية جراحية.
لم تكن الغارة الإسرائيلية على سوريا مجرد عملية عسكرية جديدة في سماء مفتوحة أمام الطائرات الإسرائيلية، بل كادت تتحول إلى لحظة مواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا، في واحدة من أخطر إشارات التحول في التوازنات الإقليمية بعد سقوط نظام بشار الأسد. الرواية التي نقلها المبعوث الأميركي الخاص توم باراك تكشف أن إسرائيل تلقت معلومات استخباراتية تفيد بأن تركيا ربما كانت تنقل أصولًا عسكرية إلى قاعدة جوية سورية. لكن واشنطن تحققت من المعلومات، وخلصت إلى أن ذلك لم يحدث. والأهم أن المخاوف الإسرائيلية كانت قد دخلت بالفعل في مسار اتصالات دبلوماسية، بينها مباحثات غير معلنة استمرت ساعتين بين وزير الخارجية السوري ورئيس الموساد. ثم، رغم ذلك، أقلعت الطائرات الإسرائيلية وضربت مدارج سورية من دون إخطار واشنطن أو أنقرة. هنا تحديدًا يتغير معنى الضربة. خطر الاعتراض بالنسبة إلى إسرائيل، كانت العملية ضربة وقائية. أما بالنسبة إلى تركيا، التي أصبحت لاعبًا عسكريًا وسياسيًا رئيسيًا داخل سوريا الجديدة، فقد بدت الطائرات الإسرائيلية المتجهة إلى أهداف سورية تهديدًا لا يمكن تجاهله. وفي لحظة كهذه، قد لا يحتاج اندلاع الحرب إلى قرار سياسي مسبق؛ يكفي سوء تقدير واحد، أو قراءة خاطئة لمسار الطائرات، أو قرار اعتراض يُتخذ خلال دقائق. ولو أقلعت مقاتلات تركية لاعتراض الطائرات الإسرائيلية، لكان الشرق الأوسط أمام مواجهة غير مسبوقة بين دولتين ترتبط كل منهما بعلاقة استراتيجية مع واشنطن، فيما تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي. وهذا ليس تفصيلًا عسكريًا، بل مشكلة أميركية بامتياز. فواشنطن، التي تحاول إدارة شبكة معقدة من التحالفات في المنطقة، كانت ستجد نفسها أمام احتمال صدام بين حليفين لا يمكن التضحية بأحدهما بسهولة. skip render: ucaddon_material_block_quote خطأ أم اختبار؟ السؤال الأكثر إثارة ليس كيف كادت المواجهة تقع، بل لماذا سمحت إسرائيل لها بأن تقترب إلى هذا الحد. طرح باراك احتمالين: الأول، انهيار خطير في التواصل بين الموساد والجيش الإسرائيلي ومكتب بنيامين نتنياهو؛ والثاني، أن الإسرائيليين كانوا يستدرجون الأتراك إلى رد فعل عسكري. الاحتمال الثاني أكثر خطورة، لكنه ربما أكثر انسجامًا مع منطق السلوك الإسرائيلي في المنطقة. فإسرائيل لا تنظر إلى سوريا الجديدة باعتبارها مجرد دولة خارجة من حرب أهلية، بل باعتبارها جزءًا من البيئة الاستراتيجية التي ستحدد قدرتها على التعامل مع إيران في السنوات المقبلة. ولذلك فإن المسألة، بالنسبة إلى تل أبيب، ليست فقط مَن يحكم دمشق، بل مَن يملك السماء السورية، ومَن يستطيع بناء بنية عسكرية فيها، ومَن يمكنه تحويل الأراضي السورية إلى منصة نفوذ تمنع إسرائيل من الاحتفاظ بحرية الحركة التي بنتها خلال السنوات الماضية. مشروعان إقليميان هنا يظهر الصراع الحقيقي. تركيا تريد سوريا مستقرة، ذات مؤسسات أمنية وعسكرية قابلة للحياة، وتريد أن تكون لاعبًا مركزيًا في إعادة بناء الدولة الجديدة وحمايتها. أما إسرائيل فتريد سوريا لا تشكل تهديدًا عسكريًا، ولا تسمح بوجود منظومات أو قواعد يمكن أن تقيد حرية الطيران الإسرائيلي أو تحول المجال السوري إلى حاجز أمام الوصول إلى إيران. إنها ليست مواجهة على قاعدة جوية سورية فحسب، بل صراع على تعريف سوريا نفسها: هل تكون دولة ذات سيادة وقوة عسكرية تحمي مجالها، أم مساحة أمنية مفتوحة أمام القوى الإقليمية لإدارة مصالحها؟ ومن هنا تصبح تركيا مشكلة بالنسبة إلى إسرائيل، ليس لأنها تركيا، بل لأنها القوة التي يمكن أن تملأ الفراغ الذي تركه الأسد، وتعيد بناء قدرة عسكرية سورية مرتبطة، بدرجات مختلفة، بالنفوذ التركي. الطريق إلى إيران الاعتبار الإيراني هو المفتاح الذي يجعل السلوك الإسرائيلي أكثر قابلية للفهم. فإذا كانت إسرائيل تريد الاحتفاظ بما وصفه باراك بـ«خط رؤية واضح نحو إيران»، فإن أي قوة عسكرية قادرة على ترسيخ وجودها في سوريا قد تتحول مستقبلًا إلى عائق استراتيجي. ولذلك فإن إسرائيل لا تريد فقط منع عودة إيران إلى سوريا، بل تريد أيضًا منع ظهور قوة أخرى يمكن أن تحدّ من هامشها العسكري. وهنا تكمن المفارقة الجيوسياسية: إسرائيل، التي تخوض مواجهة استراتيجية مع إيران، قد تجد نفسها في مواجهة غير مباشرة مع تركيا بسبب الطريقة التي تريد بها أنقرة إعادة تشكيل سوريا. لقد تغيرت الخريطة، لكن عقلية الصراع لم تتغير. السماء الأخطر الأخطر أن ما حدث قد لا يكون حادثًا معزولًا. فكلما توسع الدور التركي داخل سوريا، وكلما رسخت إسرائيل وجودها العسكري في المجال السوري، ضاقت المساحة بين النفوذين. وفي منطقة اعتادت أن تبدأ فيها الحروب من سوء تفاهم صغير، تصبح السماء أخطر من الأرض؛ لأن قرار إطلاق النار فيها قد يُتخذ خلال ثوانٍ، بينما يحتاج القرار السياسي لوقف الحرب إلى أيام. لهذا، فإن السؤال الحقيقي بعد هذه الحادثة ليس ما إذا كانت إسرائيل وتركيا كادتا تخوضان حربًا، بل ما إذا كانتا تتجهان، من دون إعلان، إلى صراع على سوريا. إذا كان ما حدث مجرد خلل في التنسيق، فقد تكون الأزمة قابلة للاحتواء. أما إذا كان اختبارًا إسرائيليًا لحدود النفوذ التركي، فإن الشرق الأوسط دخل مرحلة أكثر خطورة: مرحلة لم تعد فيها سوريا ساحة صراع بين قوى محلية وإقليمية متنافسة، بل أصبحت نقطة تماس مباشرة بين مشاريع دول تملك جيوشًا قوية، وطائرات مقاتلة، وحسابات استراتيجية متعارضة. skip render: ucaddon_box_testimonial
لم تعد القواعد الروسية في سوريا مجرد إرث عسكري من زمن بشار الأسد، ولا مجرد تفصيل في علاقة موسكو بدمشق الجديدة. ما جرى بين روسيا وسوريا خلال الأيام الأخيرة يكشف عن إعادة رسم هادئة لخريطة النفوذ في شرق المتوسط، وقد يكون لبنان أحد أكثر البلدان تأثراً بتداعياتها، حتى لو لم يكن طرفاً مباشراً فيها. الاتفاق الجديد يعيد تنظيم الوجود الروسي في طرطوس وحميميم، مع انتقال إدارة المنشآت المدنية إلى الدولة السورية وتحويل المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة. وبذلك لا تخرج موسكو من الساحل السوري، بل تعيد تعريف وجودها بطريقة أقل استفزازاً للسلطة الجديدة وأكثر قابلية للاستمرار. وقد بدأت بالفعل عملية انتقال بعض المرافق المدنية في طرطوس إلى الإدارة السورية، بينما تؤكد موسكو أن الاتفاق يعزز التعاون العسكري والعلاقات مع دمشق. هنا تبدأ القصة التي تتجاوز سوريا. فطرطوس ليست مجرد ميناء، وحميميم ليست مجرد قاعدة جوية. الموقعان يشكلان عقدة لوجستية روسية على البحر المتوسط، ويمكن أن يمنحا موسكو طريقاً أكثر ملاءمة للحركة والإمداد باتجاه مناطق نفوذها في إفريقيا. ولذلك فإن السؤال ليس فقط ماذا بقي لروسيا في سوريا، بل ماذا تستطيع روسيا أن تفعل بما بقي لها في سوريا. skip render: ucaddon_material_block_quote ما بعد الأسد لقد خسرت موسكو حليفها بشار الأسد، لكنها لم تخسر الجغرافيا. وهذه ربما تكون أهم نقطة في المعادلة الجديدة. فبدلاً من التمسك بنظام سياسي سقط، تتعامل روسيا مع السلطة السورية الجديدة باعتبارها شريكاً محتملاً في الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية. وهذه ليست رومانسية دبلوماسية، بل براغماتية صلبة: الدول تتغير، أما الموانئ والممرات والمواقع الجغرافية فلا تتغير بسهولة. بالنسبة إلى لبنان، فإن إعادة تثبيت الدور الروسي على الساحل السوري تحمل أكثر من دلالة. فلبنان يقع في منطقة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات متنافسة: إعادة بناء سوريا، النفوذ الإسرائيلي، ومحاولة القوى الدولية والإقليمية إعادة ترتيب وجودها في شرق المتوسط. عقدة المتوسط وأي حضور روسي مستقر على الساحل السوري يعني أن المتوسط الشرقي لن يصبح مساحة نفوذ حصرية لقوة واحدة. وهذا قد يمنح لبنان هامشاً إضافياً في لعبة التوازنات، لكنه في الوقت نفسه يجعله أكثر ارتباطاً بالتنافس الدولي على المنطقة. فلبنان لا يملك ترف العزلة عن التحولات السورية؛ حدوده البرية، واقتصاده، وملف اللاجئين، وأمنه، وحتى علاقاته مع القوى الدولية، كلها تتأثر بما يحدث على الجانب الآخر من الحدود. الأخطر أن إعادة ترتيب النفوذ الروسي في سوريا قد تتزامن مع إعادة تعريف وظيفة لبنان نفسه في الخريطة الإقليمية. فإذا تحولت سوريا تدريجياً إلى دولة أكثر انفتاحاً على الغرب والدول العربية وتركيا، مع احتفاظها بعلاقة استراتيجية مع موسكو، فإن لبنان سيجد نفسه أمام بيئة إقليمية مختلفة تماماً عن تلك التي عرفها خلال العقد الماضي. لبنان في المنتصف وفي هذه البيئة، قد يصبح المطلوب من لبنان ليس أن يكون ساحة للصراع، بل أن يتحول إلى مساحة تواصل بين مراكز النفوذ المتنافسة. وهذه فرصة، لكنها أيضاً امتحان. فالبلد الذي عجز طويلاً عن إدارة موقعه الجغرافي لمصلحته قد يجد نفسه مرة أخرى يدفع ثمن التحولات التي تجري حوله. أما بالنسبة إلى روسيا، فإن المسألة أبعد من لبنان وسوريا معاً. موسكو تحاول الحفاظ على موطئ قدم في المتوسط، وفي الوقت نفسه تأمين خطوط حركة لعملياتها ونفوذها في إفريقيا. ومن هنا يصبح الساحل السوري جزءاً من منظومة استراتيجية تمتد جنوباً وغرباً، لا مجرد قاعدة متبقية من الحرب السورية. لقد تدخل بوتين في سوريا عام 2015 لإنقاذ الأسد وتغيير مسار الحرب. وبعد سقوط الأسد، كان يمكن أن تتحول النتيجة إلى هزيمة روسية كاملة. لكن موسكو اختارت مساراً آخر: خسارة الحليف، مع محاولة الاحتفاظ بالموقع. روسيا لم تعد تدافع عن سوريا الأسد؛ إنها تدافع عن سوريا التي تحتاج إليها روسيا. أما لبنان، فعليه أن يفهم أن تغير قواعد اللعبة في طرطوس وحميميم لا يعني أن اللعبة بعيدة عنه. فكلما أعادت القوى الكبرى توزيع مواقعها في سوريا، أعادت بصورة غير مباشرة رسم البيئة التي يتحرك فيها لبنان. وفي الشرق الأوسط، لا تحتاج إلى أن تكون على طاولة المفاوضات كي تتأثر بنتائجها. أحياناً يكفي أن تكون جالساً على الكرسي المجاور. الدول تتغير، أما الموانئ والممرات والمواقع الجغرافية فلا تتغير بسهولة