عندما حطّت طائرةُ البابا لاوون الرابع عشر في بيروت، لم تكن مجرد زيارة بابوية رابعة لأرض الأرز، بل كانت بمثابة وقفةِ تضامنٍ مع “رسالة” تكاد أن تتلاشى منذ أن أطلق البابا يوحنا بولس الثاني عبارته التاريخية عام 1997، “لبنان أكثر من بلد، هو رسالة”، نظر الكرسيّ الرسوليّ إلى هذا البلد الصغير كنموذجٍ فريدٍ للتعايش المسيحي–الإسلامي. لكن زيارة البابا الأميركي الأول تأتي في وقتٍ لم يعد فيه السؤال هو كيفية الاحتفاء بالرسالة، بل كيفية إنقاذها من براثن انهيارٍ اقتصاديٍّ وسياسيٍّ غير مسبوق.فهل لا يزال لبنان قادراً على حمل هذه الرسالة، أم أن الأزمات المتلاحقة قد أفرغتها من مضمونها؟ تطوّر الرؤية البابوية لم تكن نظرة الفاتيكان إلى لبنان ثابتة، بل تطوّرت بتطوّر ظروف البلد نفسه، وهو ما تعكسه الزيارات البابوية الأربع بوضوح. كل زيارة كانت مرآةً لزمانها، تحمل رسالة محددة تتناسب مع السياق التاريخي والسياسي. الزيارة الأولى الزيارة الأولى كانت في عام 1964، حين توقّف البابا بولس السادس في مطار بيروت لمدة 55 دقيقة فقط، في طريقه من الأراضي المقدسة إلى الهند. كانت زيارة عابرة، لكنها حملت اعترافاً رمزياً بأهمية لبنان كمركز للمسيحية المشرقية. في ذلك الوقت، كان لبنان يعيش عصره الذهبي، حيث كان يُلقَّب بـ”سويسرا الشرق”، وكانت بيروت تُعتبر باريس الشرق الأوسط. لم يكن البابا بحاجة لأن يبقى طويلاً، فالبلد كان مستقراً ومزدهراً، والوجود المسيحي فيه كان قوياً ومؤثراً. الزيارة الثانية أما الزيارة الثانية، التي قام بها البابا يوحنا بولس الثاني عام 1997، فكانت نقطة تحوّل جوهرية في العلاقة بين الفاتيكان ولبنان. جاءت هذه الزيارة بعد سبع سنوات من انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية المدمّرة، وفي وقتٍ كان فيه لبنان يعيش تحت الهيمنة السورية. استمرت الزيارة 32 ساعة، لكنها حُفرت عميقاً في الذاكرة الجماعية اللبنانية. في هذه الزيارة أطلق البابا مقولته الشهيرة التي أصبحت شعاراً وطنياً: “لبنان ليس بلاد الغلبة، بل هو أكثر من بلد، إنّه رسالةُ حرّيّةٍ وعيشٍ مشتركٍ مسيحيّ–إسلاميّ”. كان البابا يؤسّس لرؤية جديدة: لبنان ليس مجرد دولة صغيرة في الشرق الأوسط، بل هو نموذج عالمي للحوار بين الأديان والتعددية. كانت الرسالة واضحة: على العالم أن يحافظ على هذا النموذج، لأن نجاحه يعني إمكانية التعايش في منطقةٍ مشتعلةٍ بالصراعات. الزيارة الثالثة الزيارة الثالثة جاءت في سبتمبر 2012، عندما أصرّ البابا بنديكتوس السادس عشر على زيارة لبنان رغم التحديات الأمنية الخطيرة. كانت المنطقة تشهد ما يُسمّى بـ”الربيع العربي”، وكانت الحرب السورية قد بدأت للتو، مما جعل الأوضاع الأمنية في لبنان هشّة. لكن البابا جاء تحت شعار “سلامي أُعطيكم”، ليؤكد على أهمية لبنان كحصنٍ للاعتدال في وجه موجات التطرف التي كانت تجتاح المنطقة. رحّب البابا بالربيع العربي ووصفه بـ”الأمر الإيجابي”، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى “حلول حيوية” للأزمة السورية. كانت زيارته رسالة تحصين: لبنان يجب أن يبقى واحةَ استقرارٍ وسط العواصف. لم يعد التحدي هو إعادة البناء بعد حرب، أو الصمود أمام موجة تطرف، بل أصبح التحدي هو البقاء نفسه. زيارة البابا الأميركي الأول للبنان هي زيارة تضامنٍ من أجل البقاء، محاولة لإنقاذ ما تبقّى من النموذج اللبناني قبل أن ينهار كلياً واليوم، في نوفمبر 2025، يأتي البابا لاوون الرابع عشر في سياقٍ مختلفٍ تماماً. لم يعد التحدي هو إعادة البناء بعد حرب، أو الصمود أمام موجة تطرف، بل أصبح التحدي هو البقاء نفسه. زيارة البابا الأميركي الأول للبنان هي زيارة تضامنٍ من أجل البقاء، محاولة لإنقاذ ما تبقّى من مؤسسات الدولة والنموذج اللبناني قبل أن ينهار كلياً. لبنان 1997 مقابل لبنان 2025 لفهم عمق الأزمة الحالية، لا بد من مقارنة لبنان الذي استقبل يوحنا بولس الثاني بلبنان الذي يستقبل اليوم لاوون الرابع عشر. في عام 1997، كان لبنان يخرج من حرب أهلية مدمّرة استمرت 15 عاماً، ويعيش تحت وطأة الهيمنة السورية. كانت التحديات سياسية وأمنية بالدرجة الأولى، لكن كان هناك أملٌ في إعادة الإعمار وبناء الدولة. كان رئيس الوزراء رفيق الحريري يقود مشروعاً طموحاً لإعادة بناء بيروت ووسطها التجاري، وكانت الأموال الخليجية والغربية تتدفق على البلد. كانت “الرسالة” آنذاك مشروعاً للمستقبل، حلماً يمكن تحقيقه. كان اللبنانيون يؤمنون بأن الأسوأ قد مضى، وأن المستقبل سيكون أفضل. أما في عام 2025، فقد تغيّر المشهد جذرياً. التحديات لم تعد سياسية فحسب، بل أصبحت وجودية. يواجه لبنان واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في التاريخ الحديث منذ منتصف القرن التاسع عشر، بحسب توصيف البنك الدولي. لم يعد التحدي هو إعادة بناء الحجر، بل إعادة بناء الثقة المفقودة في كل شيء: في الدولة، في المصارف، في الطبقة السياسية، وفي المستقبل نفسه. في هذا السياق، لم تعد “الرسالة” مشروعاً للمستقبل، بل أصبحت ذاكرةً مهددةً بالانقراض، حلماً يكاد اللبنانيون أن ينسوه تحت وطأة البحث عن أبسط مقومات الحياة. موجات الهجرة الجماعية، خاصة بين الشباب والمسيحيين، تهدد التركيبة الديموغرافية للبلد، وتضع علامات استفهام كبيرة حول مستقبل الوجود المسيحي في لبنان. الشباب اللبناني لم يعد يسأل “كيف نبني المستقبل؟”، بل أصبح يسأل “هل لنا مستقبل هنا أصلاً؟”. من الدبلوماسية الناعمة إلى دبلوماسية الإنقاذ أمام هذا الواقع المأساوي، يتجاوز دور الفاتيكان اليوم الدبلوماسية الناعمة التقليدية إلى ما يمكن تسميته “دبلوماسية الإنقاذ”. لم يأتِ البابا لاوون الرابع عشر ليلقي خطباً روحية فحسب، بل جاء ليقوم بأفعال رمزية ذات دلالات سياسية وإنسانية عميقة. في خطابه الأول بالقصر الرئاسي في بعبدا، قال البابا:“علينا ضمان ألّا يشعر الشباب بأنهم مُجبَرون على مغادرة وطنهم، وذلك بصناعة السلام في بلدهم”. هذه الكلمات ليست مجرد نصيحة روحية، بل هي رسالة سياسية واضحة موجّهة للطبقة السياسية اللبنانية والمجتمع الدولي، بأن الأزمة اللبنانية لم تعد مسألة داخلية، بل أصبحت مسألة إنسانية تتطلب تدخلاً عاجلاً. البابا يُدرك أن الهجرة الجماعية للشباب تعني موت “الرسالة” ببطء، وأن إيقاف هذا النزيف يتطلب أكثر من الوعظ، يتطلب إصلاحات جذرية وحلولاً اقتصادية وسياسية ملموسة. برنامج الزيارة نفسه يحمل رسائل رمزية قوية. زيارة البابا لموقع انفجار مرفأ بيروت، حيث سيؤدي صلاة صامتة، هي تذكير بأن الفاتيكان لم ينسَ هذه الكارثة، وأن المطالبة بالعدالة والمحاسبة ليست مجرد شعار محلي، بل هي مطلب إنساني عالمي. زيارة مستشفى راهبات الصليب في جلّ الديب، حيث سيلتقي الطاقم الطبي والمرضى، هي إشادة بالمؤسسات الكنسية التي لا تزال صامدة وتقدم خدمات أساسية للمجتمع في ظل غياب الدولة. لقاء الشباب في الصرح البطريركي الماروني في بكركي هو محاولة لإعادة الأمل إلى جيل فقد الثقة بكل شيء. يدرك الفاتيكان أن إنقاذ “الرسالة اللبنانية” يتطلب أكثر من الصلوات. إنه يتطلب ضغطاً دولياً لإجراء إصلاحات حقيقية، ومساعدة إنسانية عاجلة، ودعماً للمؤسسات التربوية والصحية التي لا تزال صامدة، والتي تشكّل العمود الفقري للوجود المسيحي والمجتمع المدني في لبنان. زيارة البابا هي محاولة لحشد هذه الجهود، واستخدام القوة المعنوية الهائلة للكرسي الرسولي كرافعة لإنقاذ بلدٍ يترنح على
عندما يختارُ بابا الفاتيكان دولةً ما لتكون أوّلَ وجهةٍ خارجيةٍ له بعد اعتلائِه السدّةَ البابوية، فالأمر لا يُقرأ في سياقِ المجاملاتِ الدبلوماسية. فهذه الزياراتُ الأولى تحملُ عادةً “خارطةَ الطريق” التي يريدُ الفاتيكانُ رسمَها لعلاقاتِه مع العالم من هنا، تكتسبُ زيارةُ البابا لاون الرابع عشر إلى تركيا أهميّةً مضاعفة، سواءٌ من حيثُ رمزيتُها الدينيّة أو وزنُها السياسيّ أو رسائلُها المسكونيّة. تركيا… الذاكرة الأولى للمسيحية تركيا ليست مجرّدَ دولةٍ ذاتِ غالبيةٍ مسلمة؛ إنّها، وفقَ التعبيرِ الكنسي، “أرضُ المسيحيةِ الأولى”. على أراضيها وُلدت الكنائسُ الرسوليةُ الكبرى، وفي مدنِها نمت مراحلُ التأسيسِ اللاهوتي للمسيحية، من أنطاكيةَ إلى أفسس، وصولًا إلى نيقية، المدينةِ التي احتضنت أوّلَ مجمعٍ مسكونيّ عام 325م. هذه الخلفيةُ تمنحُ الزيارةَ بُعدًا روحيًّا خاصًّا، وكأنّ البابا يعودُ إلى جذورِ التاريخ، حيثُ تشكّلت العقيدةُ وتمايزت الكنائسُ وبدأت رحلتَها مع العالم. إنّ اختيارَ تركيا أوّلًا هو استعادةٌ لذاكرةٍ مشتركة، وإشارةٌ إلى أنّ الفاتيكانَ يريدُ إعادةَ بناءِ الجسورِ مع الشرق، ليس بوصفِه جغرافيّا بعيدة، بل باعتبارِه المكانَ الذي انطلقت منه المسيحيةُ إلى العالم. البعد السياسي الفاتيكان يُدرِك أنّ تركيا ليست دولةً عابرةً في خرائطِ المنطقة؛ فهي عضوٌ في حلفِ شمالِ الأطلسيّ (ناتو)، وقوّةٌ إقليميةٌ تمتدّ من المتوسّط إلى البحرِ الأسود، وتملكُ موقعًا مركزيًّا في ملفاتِ الهجرةِ والأمنِ وحدودِ أوروبا. لذلك، حملت الزيارةُ رسالةً واضحة: الفاتيكانُ يريدُ شراكةً مع أنقرة، ويبحثُ عن قنواتِ تواصُلٍ مع دولةٍ تؤثّر مباشرةً في استقرارِ الشرقِ الأوسطِ والبلقان. كما جاءت الزيارةُ في لحظةٍ كان فيها الحوارُ الإسلامي–المسيحي بحاجةٍ إلى تبريدِ التوترات، وإعادةِ فتحِ مساحةِ تفاهمٍ بعد سنواتٍ من سوءِ الفهمِ المتبادل. وبالنسبةِ للفاتيكان، فإنّ الوقوفَ في قلبِ إسطنبول، واللقاءَ مع دولةٍ مسلمةٍ ذاتِ هويةٍ علمانية، يشكّلُ رسالةَ انفتاحٍ أرادَ البابا أن يُطلِقَها منذ اليومِ الأوّل لولايتِه. لا يمكنُ فهمُ دلالاتِ الزيارةِ دون استحضارِ مجمعِ نيقية، الحدثِ المفصليّ الذي انعقدَ عام 325م في مدينةِ نيقية (İznik اليوم) رسائل مسكونية إلى الكنائس الشرقية ليست الزيارةُ محصورةً بالبعدِ السياسيّ أو الدينيّ العامّ، بل تحملُ دلالةً دقيقةً تتعلّقُ بالعلاقةِ مع الكنائسِ الأرثوذكسية. فمقرُّ بطريركيةِ القسطنطينيةِ المسكونية، التي تُعَدّ المرجعيةَ الروحيةَ الأولى للأرثوذكس، يقعُ في إسطنبول. ومنذ الانشقاقِ الكبير عام 1054، بقيت العلاقةُ بين روما والقسطنطينية إحدى عُقَدِ التاريخِ الكنسيّ. زيارةُ البابا إلى تركيا تعني ضمنًا “خطوةً نحو الشرقِ المسيحيّ”، وتأكيدًا على رغبةِ الفاتيكان في ترميمِ العلاقاتِ التي تكسّرت عبر القرون. هي محاولةٌ لإعادةِ صياغةِ روحِ الوحدة، ولو عبرَ خطواتٍ بطيئة، ولكن محسوبة. العالَم يعودُ إلى لحظة التأسيس لا يمكنُ فهمُ دلالاتِ الزيارةِ دون استحضارِ مجمعِ نيقية، الحدثِ المفصليّ الذي انعقدَ عام 325م في مدينةِ نيقية (İznik اليوم). هناك اجتمعَ أكثرُ من 300 أسقفٍ بدعوةٍ من الإمبراطورِ قسطنطين، ليضعوا أوّلَ صيغةٍ جامعةٍ لقانونِ الإيمانِ المسيحيّ، وليحسموا الخلافَ اللاهوتيَّ حول طبيعةِ المسيح في مواجهةِ تعاليمِ آريوس. العودةُ إلى تركيا هي عودةٌ رمزيةٌ إلى موقعِ الحدثِ الذي وحّد العقيدةَ المسيحية، ورسمَ ملامحَ الكنيسةِ المُوحَّدة قبل أن تتشظّى في لاحقِ القرون. وكأنّ الفاتيكان يقولُ عبر هذه الزيارة: “لن نفهمَ الحاضرَ دون أن نُصغيَ إلى صوتِ نيقية”. البابا يرسمُ اتجاهَ الريح تحملُ الزيارةُ في جوهرِها رؤيةً أعمق… الفاتيكانُ يتجهُ نحو الشرق، ليس جغرافيًّا فقط، بل فكريًّا ودينيًّا وسياسيًّا. فتركيا تجمعُ تناقضاتِ الشرقِ والغرب، الدينِ والدولة، القداسةِ والتاريخ، وتشكّلُ مساحةً مثاليةً لخطابٍ بابويٍّ يريدُ الحوارَ بدلَ الصدام، والانفتاحَ بدلَ الانغلاق. من هنا، تبدو الزيارةُ الأولى ليست مجردَ خطوةٍ بروتوكولية، بل إعلانًا صريحًا لطبيعةِ المرحلةِ البابوية المقبلة: مرحلةِ تقارُبٍ مع الكنائسِ الشرقية، وفتحِ صفحاتٍ جديدةٍ مع العالمِ الإسلاميّ، واستعادةِ الجذورِ الأولى للمسيحية على أرضٍ لا تزالُ تحفظُ آثارَ المجامعِ الكبرى وبداياتِ الرسالة.