حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) كان جهاز الموساد الإسرائيلي هو مَن يستهدف دول الخليج؟ في اللحظات التي تتسارع فيها الأحداث، يصبح السؤال أكثر خطورةً من الجواب. ومع اندلاع المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وإيران، واتساع رقعة الاشتباك لتطال بيئاتٍ خليجيةً حساسةً، عاد إلى الواجهة خطابٌ قديمٌ بلباسٍ جديد: «إسرائيل الكبرى»…لكن هل نحن أمام مشروعٍ جيوسياسيٍّ فعليّ، أم أمام توظيفٍ تعبويٍّ لأسطورةٍ سياسيةٍ تتغذّى على الفوضى؟ بين العقيدة والواقعية السياسية مفهوم «إسرائيل الكبرى» لم يكن يومًا برنامجًا رسميًّا مُعلَنًا لدولة إسرائيل الحديثة، بل ظلّ تعبيرًا أيديولوجيًّا حاضرًا في بعض التيارات الدينية والقومية المتشددة داخل المشهد الإسرائيلي.تحرّكت الدولة العبرية، منذ تأسيسها، في فضاءٍ براغماتيٍّ تحكمه موازين القوة والاعتراف الدولي، لا خرائط توراتية. ومع ذلك، فإن تمدّد النفوذ لا يشترط دائمًا احتلال الأرض؛ فقد يتحقق عبر إعادة هندسة البيئة الإقليمية. لا تُخاض الحروب الكبرى فقط لتوسيع الحدود، بل لإعادة رسم قواعد اللعبة. وإذا كانت المواجهة مع إيران قد فتحت الباب أمام احتمال إعادة تشكيل الشرق الأوسط، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تريد إسرائيل التوسع؟ بل: كيف يمكن أن تستثمر الفوضى لصالح أمنها الاستراتيجي طويل الأمد؟ مَن هو الفاعل؟ مع تعرّض منشآت طاقة وبنى تحتية في بعض دول الخليج لهجماتٍ غامضة، تصاعدت تكهّنات حول الجهات المنفذة. والاتهام الفوري يتجه عادةً نحو أذرعٍ إيرانية، في إطار الرد غير المباشر. لكن في بيئة حربٍ متعددة الطبقات، تبرز فرضيات أكثر تعقيدًا، منها احتمال عمليات «الطرف الثالث»، أو ما يُعرف باستراتيجية الراية الزائفة. هنا يُطرح اسم الموساد بوصفه جهازًا يمتلك تاريخًا طويلًا من العمليات الخارجية المعقّدة. فهل يمكن، نظريًّا، أن يسعى فاعلٌ استخباراتيٌّ إلى ضرب منشآتٍ غير أميركية، كحقول النفط والغاز الخليجية، بهدف استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية لدول المنطقة، ودفعها إلى تموضعٍ أمنيٍّ أعمق تحت المظلة الإسرائيلية – الأميركية؟ هذا السيناريو، رغم جاذبيته التحليلية، يصطدم بعدة معوّقات. أولها أن ضرب البنية التحتية الخليجية يهدد مباشرةً استقرار أسواق الطاقة العالمية، ما يستفز قوى كبرى لا مصلحة لها في الفوضى الممتدة. وثانيها أن دول الخليج، رغم تحالفاتها المتنوعة، ليست خصمًا مباشرًا لإسرائيل، بل إن بعضها نسج علاقاتٍ علنيةً معها خلال السنوات الأخيرة. وثالثها أن أي انكشافٍ لعمليةٍ من هذا النوع سيؤدي إلى كلفةٍ استراتيجيةٍ هائلةٍ على إسرائيل، قد تتجاوز بكثير أي مكسبٍ تكتيكي. منطق الاستنزاف أم الردع؟ النظرية القائلة إن استنزاف الخليج يسهّل قيام «إسرائيل الكبرى» تفترض أن إضعاف المحيط العربي شرطٌ ضروريٌّ لتفوّقٍ إسرائيليٍّ دائم. غير أن القراءة الواقعية تشير إلى أن إسرائيل، منذ عقود، بنت تفوقها النوعي عبر التكنولوجيا، والاستخبارات، والتحالفات الدولية، لا عبر إنهاك جيرانها اقتصاديًّا. بل إن استقرار الخليج، بما يمثله من ثقلٍ اقتصاديٍّ وسياسيٍّ، يخدم توازنًا إقليميًّا يحدّ من اندفاعات القوى الراديكالية. أما انهيار هذا الاستقرار، فسيخلق فراغًا قد تستفيد منه أطرافٌ معاديةٌ لإسرائيل أكثر مما تستفيد هي منه. إذا كان هناك مشروعٌ يتشكل اليوم، فهو أقرب إلى إعادة توزيع موازين الردع، لا إلى توسيع خرائط جغرافية. إسرائيل تسعى، بوضوح، إلى تحييد التهديد الإيراني المباشر وتقليص أذرعه في الإقليم. وإيران، بالمقابل، تعمل على توسيع دائرة الضغط لرفع كلفة المواجهة. أما الخليج، فيجد نفسه بين معادلتين: حماية أمنه الوطني، وتجنّب الانجرار إلى حرب استنزافٍ طويلة. الحديث عن «إسرائيل الكبرى» قد يكون، في جانبٍ منه، انعكاسًا لمخاوف حقيقية من تحولاتٍ عميقة، لكنه لا يكفي وحده لتفسير التعقيد الجاري. ففي الحروب الحديثة، لا تتغير الحدود فقط، بل تتغير شبكات النفوذ، وسلاسل الطاقة، ومسارات التحالفات. في الشرق الأوسط، تكون الحقيقة غالبًا أول ضحايا الحرب. والسيناريوهات التي تبدو ممكنةً على الورق قد تصطدم بوقائع الردع المتبادل والمصالح المتشابكة. والسؤال الأجدر بالطرح ليس ما إذا كان جهازٌ استخباراتيٌّ هنا أو هناك يشعل النيران سرًّا، بل ما إذا كانت المنطقة كلها تتجه نحو نظامٍ إقليميٍّ جديد تُعاد فيه صياغة مفهوم السيادة والأمن. ربما لا تكون «إسرائيل الكبرى» خريطةً تُرسَم، بل لحظةً تاريخيةً يُعاد فيها تعريف معنى القوة. وفي زمن الفوضى، من لا يعيد تعريف نفسه، يُعاد تعريفه من قبل الآخرين.
لم يعتادوا هكذا مشاهد…قامت تلك المدن على قهر الظروف، الحرارة، الشمس، الماء العذب، الرمال، الرياح…على الشعور بالتفوق، المادي تحديدا.ظنّوا لوهلةٍ أنهم قادرون عليها، حتى بدّدت “لحظةُ حقيقةٍ” غفلةً طالت لزمن.في دول الخليج هناك مفردات لا يعرفها أهلها، نعرفها نحن أهل الشام أكثر من غيرنا لكثرة ما مرّ علينا من حروبٍ وويلات.القدرة على التعامل والتكيّف مع الضغط. القدرة على التبلور، الصقل، والإنتاج وإيجاد الحلول.تربّت أجيالٌ لعقودٍ على ثقافاتٍ استهلاكيةٍ بحتة، على مبادئ التلقّي لا الإنتاج، اهتمامٌ تسطيحيٌّ بآخر صيحات الموضة والابتكار والتكنولوجيا ومظاهر الترف ورفاهية الحياة وملذّاتها.لم تعد قادرًا أن تتخيّل بيتًا في شبه جزيرة العرب بلا مكيّف.نفطٌ ومالٌ وتطاولٌ في البنيان. لهو وأسفارٌ وأبراجٌ وشركاتٌ وأعمالٌ ومهرجاناتٌ ومواسمٌ وتقليدٌ أعمى لغربٍ تافه…اتّكالٌ على “الآخر” لتكريس الحماية والكرسي، انبهارٌ بقوّته وإنجازاته وما هو قادرٌ على القيام به. عقدةُ دونيةٍ تجاه الشعر الأشقر والعيون الزرقاء، سواء عند الرجال أو النساء. كم أنت كبيرٌ يا ابن الخطاب. نحاول أن نتناسـاك، لكن عظمتك تحاصرنا بقوّةٍ.تورد بعض المصادر التاريخية (كالطبري وابن كثير) أن الخليفة الراشدي عمر كان يقول بمعنى الكلام «لا تُسكنوا الجند في القرى فيضعفوا، ولكن اسكنوهم في مواضع تصلح لمرابطتهم، قريبةٍ من البادية».تُنقل عنه رواياتٌ كثيرةٌ أنه كان يكره أن يعتاد “الرجال” على حياة الحضر لما فيها من لينٍ يضعف الشدّة القتالية للروح الطوّاقة لتغيير البشرية للأحسن، لتحريرها من نير العبودية والاستعباد والاستغلال والشر. لذلك تجلّت هذه العبقرية في تأسيسه الأمصار العسكرية. فالحياة في جوهرها ميدان قتالٍ متواصلٍ بأشكالٍ تختلف باختلاف الأيام والظروف، لكنها في الحقيقة ليست سوى ساحات قتالٍ وصولات وجولاتٍ.لم تكن هذه السياسة مجرد حنينٍ إلى البادية، بل كانت ذات أبعادٍ إنسانيةٍ وعسكريةٍ عميقة، الحفاظ على الصلابة البدنية المرتبطة بحياة الصحراء، منع الذوبان الاجتماعي السريع داخل الشعوب المفتوحة، تسهيل التعبئة السريعة عند الحاجة للمواجهة. كثرت أخطاء العرب وتعقدت علاقاتهم فيما بينهم. لكن مهما يكن من أخطاء سبقت، فالعروبة ليست نسبًا فحسب، بل خُلُقٌ يُختبر ساعة الشدّة.هم قومٌ جعلوا الضيف أمانةً، والعهد دينًا، والكلمة شرفًا.إذا وعدوا صدقوا، وإذا استُنجدوا لبّوا، وإذا أُهينوا انتفضوا كأن الصحراء كلّها قامت معهم.لم تكن بلاغتهم زخرفًا، بل سلاحًا. ولم يكن كرمهم ترفًا، بل هوية. لم تكن شجاعتهم تهوّرًا، بل وعيًا بأن الحياة بلا عزّةٍ لا تستحق.من خيمةٍ في الصحراء خرجت خيرُ أمةٍ علّمت الدنيا أعظم معاني وجودها… الدين.كم هو جميلٌ هذا اليوم الذي تشرق فيه الشمس، من دون أن تكون السماء ملبّدةً بغيوم ظلامٍ تنجلي للمرة الأولى منذ سنين. طال علينا جورها وأدمتنا وأوجعت قلوبنا ودموع حرائرنا…فيه نتغنّى ببيتٍ أصيل، يؤسّس لمرحلةٍ نحلم بها جميعًا: أن نكون على قلب رجلٍ واحد. أن نصنع بأيدينا ما صنعه أسلافنا بإيمانهم وقوتهم.ونقول: تأبى الرماحُ إذا اجتمعنَ تكسّرًا وإذا افترقنَ تكسّرت آحادا
لم يكن صباح الخليج عاديًا.أصوات صفارات الإنذار، إغلاق مجالات جوية، رسائل “الاحتماء فورًا”، وشاشات تعجّ بخبرٍ واحد: للمرة الأولى، تصل الضربات الإيرانية إلى نطاق مدنٍ خليجية، بالتوازي مع استهداف مواقع مرتبطة بالوجود الأميركي في المنطقة. المشهد لم يكن تفصيلًا عسكريًا عابرًا. كان إعلانًا عن انتقال الصراع من “الساحات البعيدة” إلى “المراكز الحساسة” من الظل إلى العلن لسنوات، بقيت المواجهة الإيرانية – الأميركية/الإسرائيلية محكومة بسقف “الحرب غير المباشرة”. ساحات وسيطة، رسائل محسوبة، وضبط إيقاع يمنع المسّ بالعواصم الاقتصادية. اليوم، سقط هذا الحاجز. استهداف أو اقتراب نيران من مدن مثل دبي، والمنامة، والكويت، ومدن سعودية رئيسة، يعني أن الصراع لم يعد يدور حول قواعد عسكرية فقط، بل حول رمزية الاستقرار ذاته. بحسب ما أوردته وكالات دولية عدة، شملت الضربات صواريخ ومسيّرات استهدفت مواقع مرتبطة بالقوات الأميركية في المنطقة، مع تسجيل اعتراضات وأضرار متفاوتة في بعض الدول الخليجية. إيران تقول إن أي استهداف مباشر لها سيقابله ردٌّ يتجاوز الحدود التقليدية، وإن استضافة القواعد العسكرية لم تعد ضمانة لتحييد الدول المضيفة عن ارتدادات المواجهة. هذه ليست ضربة رمزية. إنها محاولة لإعادة رسم “معادلة الردع”. اختبار للمظلّة الدفاعية الخليجية ما جرى لم يكن مجرد تبادل نيران، بل اختبارًا فعليًا لمنظومات الدفاع الجوي والإنذار المبكر في الخليج. دول عدة أعلنت اعتراض مقذوفات بنجاح، فيما تحدّثت تقارير عن اختراق بطائرة مسيّرة قرب منشأة أميركية في البحرين. في حروب الردع الحديثة، لا يُشترط دمار واسع كي تُعدّ الضربة مؤثرة. يكفي أن تُثبت القدرة على “إيصال الخطر”، وأن ترفع كلفة الدفاع، وتربك المجالين الجوي والاقتصادي: رحلات مؤجلة، مطارات في حال تأهب، وأسواق تأمين تعيد تسعير المخاطر خلال ساعات. دبي… الإشارة الثقيلة ليست دبي مدينة عادية في الحسابات الاستراتيجية. إنها عقدة طيران عالمية، مركز مالي وتجاري وتأميني، وواجهة الاستقرار الخليجي. أي انفجار محدود، أو سقوط حطام في محيطها، يتحول فورًا إلى حدث اقتصادي لا أمني فحسب:قفزة في كلفة التأمين، اضطراب في حركة الطيران، وضغط نفسي ينعكس سلوكًا احترازيًا في الأسواق والمجتمع. وقد أشارت تقارير إلى تعطّل واسع في حركة الطيران الإقليمي خلال الساعات الأولى للأزمة. اتساع الحزام ورود معلومات عن تعرّض السعودية لمحاولات استهداف، مع تحركات باتجاه البحرين والكويت، يعني أن المشهد يتجاوز “الرد الرمزي” إلى حزام رسائل جغرافي واسع. السعودية تمثل مركز ثقل الطاقة والسياسة.البحرين عقدة أمنية مرتبطة بالوجود البحري الأميركي.الكويت ساحة حساسة بحكم وجود عسكري أميركي وحسابات داخلية دقيقة. كلما اتسعت الجغرافيا، أصبح احتواء التصعيد أصعب، لأن ردود الدول لن تكون موحّدة، بل محكومة بميزان الأذى الذي لحق بها وبحساباتها الداخلية. قواعد الاشتباك… ما الذي تغيّر؟ إذا استمر هذا النمط، فنحن أمام تحوّل واضح في قواعد اللعبة: ارتفاع سقف الردّ المقابل، مع احتمال تشديد التعاون الدفاعي الخليجي وتضييق مساحات “الحياد”. انتقال الاقتصاد إلى صلب المواجهة، حيث تتحول أسواق الطاقة والشحن والتأمين إلى أدوات ضغط موازية للجبهة العسكرية. تضاعف مخاطر سوء التقدير؛ صاروخ يخطئ هدفه أو حطام يسقط في منطقة مدنية قد يقلب مسار الأزمة خلال ساعات. المؤشرات الحاسمة في الأيام الثلاثة المقبلة ستكون: هل تكتفي طهران بضربة ردع محدودة أم تمضي في موجات متتابعة؟ هل تتجه واشنطن أو إسرائيل إلى توسيع نطاق الضربات داخل إيران؟ كيف سيتطور وضع المجال الجوي والطيران التجاري، وما حجم الإرشادات القنصلية والإجلاءات المحتملة؟ بعض الدول الغربية بدأت بالفعل إصدار تعليمات “احتماء” لرعاياها، في إشارة إلى أن الأزمة لم تُغلق بعد. الخليج اليوم ليس في لحظة عابرة… بل عند مفترق استراتيجي قد يحوّل الاقتصاد إلى جبهة، والمدن إلى جزء من معادلة النار