بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام والتدخلات الخارجية، تقف سوريا اليوم أمام مشهد مختلف، لا يخلو من التعقيد، لكنه يحمل في داخله فرصة نادرة. القوى التي تنافست طويلًا على الأرض السورية، واختلفت مصالحها وتحالفاتها وحساباتها، تنتقل تدريجيًا إلى ساحة أخرى أقل صخبًا من المدافع وأكثر تأثيرًا في المستقبل: ساحة النفوذ الناعم، والتنافس على كسب ثقة السوريين وقلوبهم، وهنا يكمن التحدي. فالمطلوب ألا يتحول هذا التنافس الجديد إلى نسخة ناعمة من صراعات الأمس، وألا ينتقل السوريون من ساحات الحرب بين المحاور إلى ساحات الولاء لها. فرصة لا محور أي تقارب إقليمي أو دولي يخفف الضغوط عن سوريا، وأي دعم يأتي من السعودية أو قطر أو بقية دول الخليج أو تركيا أو الولايات المتحدة أو أوروبا أو غيرها، يجب أن يُقرأ أولًا من زاوية واحدة: ماذا تستفيد سوريا؟ ليس المطلوب أن تختار دمشق دولة ضد أخرى، أو محورًا في مواجهة محور، بل أن تحوّل تعدد الراغبين في مساعدتها إلى شبكة مصالح تخدم إعادة البناء والاستقرار والاقتصاد. فكلما تنافست الدول على تقديم الاستثمار، وإعادة الإعمار، وفرص العمل، والتكنولوجيا، والتعليم، والصحة، كان من الممكن أن يتحول التنافس الخارجي إلى رصيد داخلي لسوريا، بدل أن يصبح وقودًا لانقسام جديد بين السوريين. المعادلة التي تحتاجها البلاد بسيطة: ليتنافس الجميع على سوريا، لا أن تتنافس سوريا من أجل الجميع. هوية منفتحة السوريون ليسوا أبناء مجتمع منغلق على ذاته. فالجغرافيا والتاريخ جعلا سوريا، طوال قرون، معبرًا للتجارة والثقافات والأديان والأفكار، ونقطة اتصال بين الشرق والغرب، وبين المتوسط والداخل العربي. لهذا، لا يشكل الانفتاح على العالم انتقاصًا من الهوية السورية، بل يمكن أن يكون امتدادًا طبيعيًا لها. المشكلة لا تبدأ عندما تنفتح سوريا على الخارج، بل عندما يصبح الخارج قادرًا على تحويل انفتاحها إلى ولاءات متفرقة داخل المجتمع. skip render: ucaddon_material_block_quote حصانان نجحت القيادة السورية خلال المرحلة الجديدة في توسيع هامش الحركة الخارجية وإعادة فتح قنوات مع دول واتجاهات متعددة، لكن نجاح السياسة الخارجية وحده لا يكفي. فالمرحلة تحتاج إلى السير على حصانين في الوقت نفسه: حصان للخارج، وحصان للداخل. في الخارج، المطلوب علاقات متوازنة، واستثمارات، وشراكات، ومصالح متبادلة، ورفض وضع سوريا نهائيًا داخل خندق مغلق في مواجهة خندق آخر. أما في الداخل، فالمهمة أكثر حساسية: بناء وعي وطني قادر على تفسير معنى هذا الانفتاح للسوريين. هنا تصبح الحاجة ملحّة إلى سردية وطنية واضحة وسهلة تصل إلى كل سوري: من يساعد سوريا نشكره. من يستثمر فيها نرحب به. من يقف معها نحفظ له موقفه. لكن الولاء السياسي يبقى لسوريا وحدها. فليس ثمة مشكلة في أن يحب السوري دولة وقفت إلى جانبه، أو شعبًا احتضنه، أو حكومة قدمت له العون في زمن صعب. الامتنان طبيعي، والمحبة إنسانية، لكن الخط الفاصل يجب أن يبقى واضحًا بين الامتنان والولاء. فالامتنان علاقة أخلاقية، أما الولاء فهو علاقة سياسية ووطنية. يبدأ الخطر عندما يشعر السوري بأن ارتباطه بدولة خارجية يسبق ارتباطه بدولته، أو حين تنقسم البلاد نفسيًا إلى جماعات ترى كل واحدة منها في عاصمة مختلفة مرجعها أو حاميها أو مستقبلها. ولاءات صغيرة دفعت سوريا أثمانًا هائلة عندما تحولت إلى ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، ومن الخطأ أن تعود الظاهرة نفسها بثياب جديدة. فقد يبدأ الأمر بتفضيل سياسي بسيط: هذا يميل إلى تركيا، وذاك إلى السعودية، وثالث إلى قطر، ورابع إلى الولايات المتحدة أو أوروبا. لكن عندما يتحول الميل إلى هوية، والامتنان إلى اصطفاف، تصبح الدولة أمام ولاءات صغيرة تتنافس داخل الولاء الوطني الأكبر. هنا يصبح الدعم الخارجي، مهما كانت نياته إيجابية، مادة خلاف بين السوريين بدل أن يكون عنصر قوة لهم، وهذا ما يجب تجنبه. الوطن الذي يحتاج إلى راعٍ خارجي لكل جماعة، لم يصبح وطناً بعد ماكينة وطنية لا تقع المسؤولية هنا على الحكومة وحدها. الإعلاميون والمثقفون والجامعات والمدارس والمؤثرون وقادة المجتمع جميعهم معنيون بإعادة صياغة العلاقة بين السوري والخارج. ولا يحتاج الأمر إلى خطب طويلة أو شعارات ثقيلة، المطلوب ماكينة إعلامية وطنية ذكية تكرر مجموعة بسيطة من الأفكار: الانفتاح ليس اصطفافًا، الشراكة ليست تبعية، المساعدة لا تمنح حق الوصاية، والعلاقة مع الخارج لا تجعل الخارج بديلًا عن الوطن. هذه الأفكار قد تبدو بديهية، لكنها في الدول الخارجة من الحروب ليست بديهية على الإطلاق. جسور عبور سوريا تحتاج اليوم إلى بناء جسور عبور نفسية وسياسية للسوريين. عبور من البحث عن الحامي الخارجي إلى الثقة بالدولة، ومن الولاءات المتفرقة إلى الانتماء الوطني. ومن سؤال: «من يقف معنا؟» إلى سؤال أكثر نضجًا: «ماذا يخدم مصلحة سوريا؟» فالسياسة الخارجية الناجحة ليست التي تجعل السوريين يتوزعون بين أصدقاء الخارج، بل التي تجعل جميع أصدقاء الخارج يتنافسون على بناء علاقة جيدة مع سوريا. ذاكرة أوسع وثمة مسألة أخرى لا تقل أهمية: الذاكرة. من الخطأ اختزال التاريخ السوري كله في مرحلة الثورة، مهما بلغت مركزيتها في التاريخ السوري الحديث، ومهما حملته من تضحيات وآلام وتحولات كبرى. الثورة جزء شديد الأهمية من الذاكرة السورية، لكنها ليست الذاكرة كلها. فسوريا أقدم بكثير من أزماتها الأخيرة، وأوسع من أي مرحلة سياسية، وأعمق من أن يبدأ تاريخها من سنة وينتهي عند أخرى. اختزال تاريخ شعب يمتد آلاف السنين في عقد أو عقدين لا يخدم بناء دولة جديدة، بل قد يقطع الأجيال عن جذورها ويحوّل الذاكرة الوطنية إلى ساحة صراع جديدة. الدول لا تُبنى بمحو ما سبقها، ومن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي سلطة جديدة أن تتعامل مع التاريخ باعتباره عبئًا يجب التخلص منه، أو أن تعتقد أن تأسيس شرعية جديدة يحتاج بالضرورة إلى إلغاء كل ما سبقها. الشعوب الأكثر استقرارًا ليست تلك التي بلا ماضٍ، بل تلك التي تعرف كيف تقرأ ماضيها دون أن تصبح أسيرته. تحتاج سوريا إلى أن تنظر إلى تاريخها كله: إلى نجاحاته وإخفاقاته، إلى لحظات مجده ومآسيه، إلى ثوراته وانكساراته، وإلى أخطاء سلطاته ومعارضاتها ومجتمعه على السواء، فالذاكرة ليست محكمة دائمة، بل يمكن أن تكون مدرسة. التصالح مع التاريخ وفي أحاديث حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، برزت إشارات إلى التاريخ والجذور وتجربة السوريين مع الاقتلاع والهجرة والتحولات الكبرى، وهي أفكار تعيد طرح سؤال جوهري: كيف يتعامل السوريون مع ماضيهم؟ ربما تكون الإجابة في فكرة واحدة: التصالح مع التاريخ، لا الهرب منه ولا السجن داخله. التصالح لا يعني تبرير الأخطاء، ولا إسقاط المحاسبة، ولا مساواة الضحية بالجلاد. بل يعني امتلاك الشجاعة لقراءة التاريخ كما كان، بكل تناقضاته، ثم استخلاص ما يسمح ببناء مستقبل مختلف. وطن واحد سوريا لا تحتاج إلى أن تنسى كي تبدأ من جديد، بل تحتاج إلى أن تتذكر بحكمة. لا تحتاج إلى عداوات دائمة، بل إلى مصالح دائمة، ولا تحتاج إلى استبدال محور بمحور، أو تبعية بتبعية، أو ولاء خارجي بولاء خارجي
بين مآذن مكة، وقباب إسطنبول، وضفاف نهر السند في إسلام آباد، ثمة خيط سري ناظم لا تراه عين الجغرافيا السياسية العابرة، لكنه يتجذّر في لُحمة التاريخ السحيق. إنها قصة ثلاثة أضلاع شكّلت عبر العصور الارتكاز الأكبر لبيضة الإسلام: العمق الروحي العربي، والعنفوان العسكري التركي، والثقل البشري في شبه القارة الهندية. اليوم، حين يوقّع الوزراء في مكة على «اتفاقية الدفاع المشترك» لعام 2026، فإنهم لا يخترعون تحالفًا من عدم، بل يعيدون الروح إلى جسد قديم طمرته رمال القرون، لكن عروقه النابضة لم تجفّ قط. خيوط قديمة لنبسط الخريطة القديمة، ونعود بالزمن إلى القرن التاسع الميلادي. الرياض وإسطنبول وإسلام آباد لم تكن سوى أفكار في رحم الغيب، لكن مكوناتها البشرية كانت تصنع أعظم إمبراطورية على وجه الأرض: الخلافة العباسية. هنا، في بغداد، وتحديدًا في عهد الخليفة المعتصم بالله، بدأت اللبنة الأولى لهذا الثلاثي. كان الخليفة العربي بحاجة إلى قوة عسكرية ضاربة تحمي بيضة الخلافة، ففتح أبواب البلاط والجيش للقبائل التركية القادمة من وسط آسيا، والأناضول وما وراءها. في الوقت نفسه، كانت جيوش الخلافة في الشرق قد استقرت في بلاد السند وبلوشستان، باكستان الحالية، وأصبح هذا الإقليم ثغرًا إسلاميًا عظيمًا يرفد عاصمة الخلافة بالعلماء والتجارة والرجال. تخيّل المشهد في معسكرات «سامراء»: القائد العسكري تركي يرتدي درعه، والفقيه القادم من ديار السند يدرّس الحديث في المسجد، والخليفة العباسي القرشي يوجّه الجيوش ويدير شؤون الحرمين الشريفين في الحجاز. لم يكن هذا مجرد تساكن، بل كان انصهارًا تامًا. فالجندي التركي الذي حمى حدود الجزيرة العربية، والتاجر السندي الذي أنعش أسواق مكة، كانا يتحركان بهوية واحدة، وتحت راية سياسية وعقائدية مركزها قلب الجزيرة العربية. هذا المزيج العباسي كان أول «حلف دفاعي واقتصادي غير مكتوب» يجمع شعوب الدول الثلاث تحت سقف دولة واحدة حكمت العالم لقرون. وبقيت مكة والمدينة المنورة هما المغناطيس الذي يربط شعوب تركيا وباكستان بالجزيرة العربية عبر التاريخ الطويل. حركة الخلافة ومع مشارف القرن العشرين، تجلّت هذه الرابطة الروحية في واحدة من أعظم الهبّات الشعبية في التاريخ الحديث، وهي «حركة الخلافة» (Khilafat Movement) في شبه القارة الهندية. عندما واجهت الدولة العثمانية خطر التفكك والزوال بعد الحرب العالمية الأولى، واستهدفت القوى الاستعمارية الغربية الأراضي التركية والمقدسات الإسلامية، لم يقف مسلمو الهند، باكستان الحالية، مكتوفي الأيدي. قاد الزعيمان محمد علي وشوكت علي، بدعم من الوعي الشعبي الجارف، حركة جماهيرية هائلة لجمع التبرعات وإرسال الدعم المالي والعيني والسياسي للأتراك في محنتهم. وتزامنًا مع هذا الحراك، كانت قلوب هؤلاء المسلمين معلّقة بالحجاز، إذ كان تأمين الحرمين الشريفين وحمايتهما من المطامع الاستعمارية دافعًا أساسيًا لهذه الهبّة. تحركت أموال العائلات الباكستانية الفقيرة والثرية على حد سواء لتدعم المقاومة التركية في الأناضول، وتدعم في الوقت نفسه استقرار مجتمعات الحجاز وأمن قوافل الحج. لقد كانت هذه الهبّة بمثابة مثلث شعبي عاطفي فريد: الجغرافيا الباكستانية تدعم وتضحّي، والمركزية التركية تقاوم، والقبلة الروحية في مكة والمدينة تمثل الضمير والهدف الأسمى. أثبتت حركة الخلافة أن فكرة المصير المشترك بين الأتراك والعرب والباكستانيين ليست وليدة حسابات الأنظمة الحديثة، بل هي عقيدة متجذرة في الوجدان الشعبي الذي لا يرى فواصل بين هذه الأقاليم الثلاثة. skip render: ucaddon_material_block_quote منظمة التعاون الإسلامي تأسست الدول الحديثة بالحدود التي نعرفها اليوم. استقلت باكستان عام 1947، وقبلها تأسست المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية. في خمسينيات القرن الماضي، فرّقتهم السياسة الدولية، فتركيا وباكستان دخلتا في «حلف بغداد» المدعوم غربيًا، بينما رفعت السعودية شعار رفض الأحلاف الأجنبية. لكن نقطة التحول الحقيقية، والعودة إلى الاجتماع المؤسسي، جاءت عام 1969. فبعد جريمة إحراق المسجد الأقصى، تداعى قادة العالم الإسلامي إلى الرباط، وكانت السعودية وتركيا وباكستان هي الأعمدة الرئيسية التي قامت عليها «منظمة التعاون الإسلامي». هنا، التقت الدول الثلاث بكينوناتها السياسية المستقلة والحديثة لأول مرة. أدركت الرياض أن عمقها الإسلامي يحتاج إلى القوة العسكرية الباكستانية والدور الإقليمي التركي. وأدركت إسلام آباد وإسطنبول أن السعودية هي قلب العالم الإسلامي النابض ومركزه المالي والروحي. ومن خلال المنظمة، نسّق هذا الثلاثي مواقفه في الحروب العربية الإسرائيلية، وفي دعم أفغانستان، وفي مواجهة الأزمات الاقتصادية. كانت المنظمة بمثابة «مختبر سياسي» أعاد ترويض العلاقات وتجهيزها لما هو أبعد. ونصل إلى اليوم، أغسطس 2026. المشهد في مكة المكرمة يتجاوز حدود السياسة التقليدية. زلزال جيوسياسي إن توقيع «تحالف مكة الدفاعي» ببنوده الصارمة، التي تحاكي المادة الخامسة من حلف الناتو، «الاعتداء على أحدنا هو اعتداء علينا جميعًا»، ليس قرارًا وليد اللحظة، بل هو حتمية تاريخية وجيوسياسية فرضتها تحولات العالم المتسارعة. تأسيس أمانة عامة في الرياض، وإسناد قيادتها إلى أمين عام باكستاني، والاعتماد على التكنولوجيا العسكرية التركية المتطورة، يمثل معادلة عبقرية لتوزيع الأدوار: السعودية تقدم الشرعية الروحية، والثقل السياسي، والملاءة الاقتصادية. وتركيا تقدم التصنيع العسكري المتقدم، والطائرات المسيّرة، والخبرة الاستراتيجية. وباكستان تقدم الكتلة البشرية الهائلة، والعمق العسكري المسلّح نوويًا. حين نحلل هذا التحالف عبر نظريات الجغرافيا السياسية، نجد أن الخبراء الاستراتيجيين يرون فيه زلزالًا يعيد ترتيب موازين القوى في أوراسيا والشرق الأوسط. يرى البروفيسور جون هولمز، الخبير في العلاقات الدولية، أن «حلف مكة يمثل ولادة قطب أمني إسلامي مستقل خارج الهيمنة الغربية التقليدية، وخارج النفوذ الصيني والروسي المباشر. إنه يعبّر عن تحول استراتيجي تبحث فيه القوى الإقليمية الكبرى عن بناء مظلات أمنية ذاتية لحماية مصالحها الحيوية وممراتها البحرية، دون الاعتماد التام على واشنطن». من جهتها، تشير الباحثة الجيوسياسية التركية ديلارا أوزكان إلى أن «إسطنبول والرياض وجدتا أخيرًا الصيغة المثالية للتكامل؛ فالصناعات الدفاعية التركية المتطورة بحاجة إلى شراكة استراتيجية مستدامة وتمويل ضخم وتأثير جيوسياسي واسع لا يوفره إلا الخليج، بينما تحتاج السعودية إلى شركاء موثوقين إقليميًا لضمان تفوقها العسكري وحماية البنية التحتية للطاقة وممرات الملاحة في البحر الأحمر والخليج العربي». على الجانب الآسيوي، يؤكد الخبير الاستراتيجي الباكستاني طارق رحمن أن «إدخال العمق العسكري لباكستان، بما يمثله من ترسانة دفاعية وخبرات قتالية بشرية هائلة، في معادلة الأمن في الشرق الأوسط، يمنح الحلف قدرة ردع استثنائية تجاه أي مغامرات إقليمية من قوى منافسة، ويصنع جدارًا دفاعيًا صلبًا يمتد من شبه الجزيرة العربية حتى حدود جنوب آسيا». تطبيقات عملية وفي إطار التطبيق العملي للتحالف، يبرز سيناريو بحري يعكس كيفية تفعيل بند الدفاع المشترك في الممرات المائية الحيوية، مثل مضيق باب المندب، والبحر الأحمر، وبحر العرب. ففي حال تعرضت ناقلة نفط سعودية عملاقة أو سفينة شحن تجارية تركية لهجوم مسلح أو قرصنة ترعاها قوة إقليمية منافسة في بحر العرب، يتم تفعيل آلية الرد المشترك فورًا، حيث تنطلق القطع البحرية الباكستانية المرابطة بالقرب من سواحل كراتشي لتأمين الطوق البحري الشرقي وفرض منطقة حظر بحري، بالتزامن مع توفير غطاء جوي واستخباري فوري من الطائرات المسيّرة التركية بعيدة المدى، المنطلقة من القواعد السعودية المطلة على البحر الأحمر. هذا التنسيق العملياتي السريع لا يهدف فقط إلى
لم يعد الشرق الأوسط الجديد مشروعاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات أو يُستدعى في لحظات التسويات السياسية، بل يبدو أن المنطقة دخلت فعلياً مرحلة إعادة تشكيل لنظامها الإقليمي، ولكن وفق قواعد مختلفة جذرياً عن تلك التي حكمت التصورات التي ظهرت في أعقاب حرب الخليج ومؤتمر مدريد عام 1991. فمعاهدة الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، مع احتمال انضمام دول أخرى إليها، ولا سيما مصر، لا تبدو مجرد ترتيب أمني لمواجهة تهديد محدد، وإنما يمكن قراءتها بوصفها نواة محتملة لنظام إقليمي أوسع، تتداخل فيه اعتبارات الأمن مع الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية والتجارة والممرات البرية والبحرية. الأهمية الاستراتيجية لهذه المعادلة لا تكمن فقط في حجم القوى العسكرية التي يمكن أن تتجمع داخلها، بل في نوعية التكامل الذي يمكن أن تنتجه. فالسعودية تمتلك القدرة المالية والطاقة ومشروعات البنية التحتية والتكنولوجيا والاستثمار، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية وعسكرية متقدمة وموقعاً جغرافياً يصل الشرق بالغرب، فيما تضيف باكستان كتلة بشرية وعسكرية كبيرة، فضلاً عن امتلاكها قوة نووية. وإذا استطاعت هذه الدول تحويل هذه العناصر إلى مصالح مترابطة وسياسات مشتركة، فإننا لا نكون أمام تحالف دفاعي تقليدي، بل أمام محاولة لبناء مركز ثقل إقليمي قادر على إنتاج قدر من الاستقلال الاستراتيجي. فالشرق الأوسط الجديد الذي روّج له شيمعون بيريز في تسعينات القرن الماضي كان قائماً على تصور مختلف تماماً؛ إسرائيل في قلب المنظومة، ورأس المال الخليجي في تمويلها، والقوة البشرية المصرية في تشغيلها، مع تحويل التسوية العربية–الإسرائيلية إلى بوابة لاندماج اقتصادي وتكنولوجي إقليمي تكون إسرائيل أحد محركاته الأساسية. أما المسار الذي يتبلور اليوم، فيبدو وكأنه يعيد صياغة الفكرة نفسها ولكن بعد حذف العنصر الذي كان يفترض أن يكون مركزها: إسرائيل. skip render: ucaddon_material_block_quote من التسوية إلى التوازنات الفارق بين المشروعين ليس في الأدوات فقط، بل في فلسفة النظام الإقليمي ذاته. مشروع التسعينات كان يفترض أن يؤدي السلام العربي–الإسرائيلي إلى إعادة توزيع الأدوار الاقتصادية والسياسية، بحيث تتحول إسرائيل من دولة محاطة بالصراعات إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا والاستثمار والاتصالات والبنية التحتية. أما اليوم، فإن إعادة بناء النظام الإقليمي تبدو أكثر ارتباطاً بموازين القوة المباشرة، وبالحاجة إلى ملء الفراغ الذي خلفه تراجع أدوار إقليمية كانت مهيمنة خلال العقدين الماضيين. وهذا التحول يفسر جانباً مهماً من القلق الإسرائيلي. فقد كانت إسرائيل تنظر إلى انحسار النفوذ الإيراني في المشرق باعتباره فرصة استراتيجية لتوسيع هامش حركتها وترسيخ تفوقها الإقليمي. غير أن المشكلة ظهرت عندما بدأ الفراغ الناتج عن تراجع إيران يجذب قوى أخرى، وفي مقدمتها تركيا والسعودية، بدلاً من أن يتحول تلقائياً إلى مجال نفوذ إسرائيلي. فأن تواجه إسرائيل إيران وحدها شيء، وأن تجد نفسها أمام بيئة إقليمية تتنامى فيها قدرات تركيا والسعودية وترتبط بقوة نووية مثل باكستان شيء مختلف تماماً. وفي الحالة الثانية، يصبح التفوق العسكري الإسرائيلي جزءاً من معادلة أوسع، لا العامل الوحيد القادر على تحديد اتجاهاتها. ثلاث دول ومصالح متكاملة قوة هذا الترتيب المحتمل لا تأتي من تشابه الدول الثلاث، بل من اختلاف عناصر القوة لديها. السعودية ليست تركيا، وتركيا ليست باكستان، وهذا تحديداً ما يمكن أن يجعل التكتل أكثر أهمية إذا تحولت الاختلافات إلى تكامل. السعودية تمتلك رأس المال والطاقة والقدرة على الاستثمار طويل الأمد في قطاعات تتجاوز النفط، من المدن الذكية والبنية الرقمية إلى الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة. تركيا تمتلك قاعدة صناعية متنوعة، وقدرات دفاعية متنامية، وخبرة في الصناعات الجوية والمسيرات والصواريخ والسفن والأنظمة الإلكترونية، إلى جانب موقعها الذي يمنحها قيمة جيوسياسية تتجاوز حدود الشرق الأوسط التقليدية. أما باكستان، فتمنح التكتل عمقاً سكانياً وعسكرياً واستراتيجياً، وتضيف إلى المعادلة عاملاً لا تمتلكه معظم القوى الإقليمية الأخرى: الردع النووي. وبالتالي، فإن المسألة ليست في جمع ثلاثة أرقام عسكرية أو اقتصادية، وإنما في جمع ثلاث وظائف استراتيجية مختلفة داخل منظومة واحدة: التمويل السعودي، والتصنيع والتكنولوجيا التركية، والكتلة البشرية والردع الباكستاني. وإذا أضيفت مصر إلى هذه المعادلة، فإن التوازن سيأخذ بعداً آخر، لأن القاهرة تضيف ثقلاً سكانياً وعسكرياً وجغرافياً يربط الخليج بالبحر الأحمر والبحر المتوسط وشمال أفريقيا، ويمنح المشروع المحتمل امتداداً جغرافياً يصعب تجاهله في أي حسابات تتعلق بالممرات التجارية والأمن البحري. مشكلة أكبر من التحالف لهذا السبب، فإن القلق الإسرائيلي لا يتعلق فقط باحتمال قيام تحالف عسكري جديد، وإنما بما يمكن أن ينتجه هذا التحالف من إعادة توزيع لمراكز القرار الإقليمي. إسرائيل اعتادت خلال العقود الماضية أن تتعامل مع الشرق الأوسط باعتباره بيئة تتحرك فيها من موقع التفوق العسكري والتكنولوجي، بينما تعتمد في أمنها الاستراتيجي على المظلة الأميركية. لكن ظهور ترتيبات إقليمية تستطيع فيها دول عربية وإسلامية جمع المال والسلاح والتكنولوجيا والعمق البشري والردع الاستراتيجي، قد يحد من قدرة إسرائيل على فرض قواعد اللعبة منفردة. الأكثر حساسية بالنسبة إلى تل أبيب أن هذه المنظومة المحتملة لا تبدو مشروطة بالتطبيع معها. وهذا يضرب في مكان حساس التصور الإسرائيلي الذي ربط لفترة طويلة بين إعادة ترتيب الشرق الأوسط وبين دمج إسرائيل فيه اقتصادياً وأمنياً وسياسياً. فإذا أمكن بناء شبكة إقليمية للأمن والطاقة والتجارة والتكنولوجيا من دون أن تكون إسرائيل جزءاً منها، فإن السؤال لن يعود: كيف ندمج إسرائيل في الشرق الأوسط؟ بل: كيف تتعامل إسرائيل مع شرق أوسط يعيد بناء نفسه من دون أن ينتظر موافقتها؟ الفارق هائل بين أن تكون إسرائيل مركز النظام، وبين أن تصبح مجرد قوة داخله واشنطن وإعادة توزيع الأعباء لكن اختزال التطورات في أنها محاولة أميركية لتحجيم إسرائيل سيكون قراءة مبسطة. الولايات المتحدة لا تزال ترى في إسرائيل شريكاً استراتيجياً أساسياً، ولا توجد مؤشرات جدية على أنها مستعدة للتخلي عنها. إلا أن ذلك لا يعني أن واشنطن تريد استمرار اعتمادها الكامل على إسرائيل في إدارة أمن المنطقة. التحول الأميركي الأعمق يرتبط بإعادة تعريف الدور الأميركي نفسه. فالولايات المتحدة تواجه منافسة دولية متزايدة، خصوصاً مع الصين وروسيا، وتحتاج إلى تخفيض كلفة انتشارها العسكري والسياسي، وإلى قوى إقليمية تستطيع تحمل جزء أكبر من أعباء الأمن والاستقرار. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى صعود السعودية وتركيا وباكستان باعتباره فرصة أميركية بقدر ما هو تحدٍ إسرائيلي. فالولايات المتحدة قد تكون أكثر ارتياحاً إلى شرق أوسط قادر على إنتاج توازناته الداخلية، بدلاً من أن تضطر واشنطن إلى التدخل في كل أزمة، واحتواء كل فراغ، وتسوية كل صراع. وهذا لا يعني أن أميركا ستترك المنطقة، وإنما أنها قد تنتقل تدريجياً من دور «الضامن الوحيد» إلى دور «مدير التوازنات». المعركة الحقيقية على الفراغ بعد تراجع النفوذ الإيراني في عدد من ساحات المشرق، لم يعد السؤال الأساسي هو من سيواجه إيران، بل من سيملأ الفراغ الذي تركه تراجعها. فالفراغ في الشرق الأوسط لا يبقى فراغاً؛ سرعان ما يتحول إلى مجال للتنافس بين القوى التي تمتلك القدرة على الاستثمار فيه.