منذ سبعينيات القرن الماضي، لم يكن النفط مجرد سلعة، بل كان أداة سياسية حاسمة في رسم موازين القوى الدولية. عندما قرّرت “منظمة الدول العربية المصدّرة للنفط” (أوابك – OAPEC)، بقيادة المملكة العربية السعودية، استخدام “سلاح النفط” خلال أزمة 1973، دخلت في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وحلفائها. يومها، أثبتت الدول النفطية العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية بقيادة الملك فيصل بن عبد العزيز، أنّ بإمكانها التأثير في الاقتصاد العالمي عبر خفض الإنتاج، ما أدّى إلى صدمة اقتصادية كبرى في الغرب، بعدما استغلّت منظمة “أوبك” (OPEC) الأزمة لرفع الأسعار عالميًا. لكن هذه المعادلة لم تبقَ ثابتة. فمنذ الثمانينيات، بدأت واشنطن العمل على تقويض نفوذ “أوبك” عبر تنويع مصادر الطاقة، ودعم الإنتاج خارج المنظمة، وصولًا إلى ثورة النفط الصخري التي جعلت الولايات المتحدة نفسها أحد أكبر المنتجين عالميًا. ومع الوقت، تحوّل الصراع من مواجهة مباشرة إلى لعبة شدّ حبال معقّدة، تشارك فيها عوامل السوق والتكنولوجيا والجغرافيا السياسية. مرحلة جديدة اليوم، يدخل هذا الصراع مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا وخطورة. فمع تصاعد التوترات في مضيق هرمز، الشريان الذي يمرّ عبره نحو خُمس النفط العالمي، لم يعد السعر يُحدَّد فقط بقرارات “أوبك” أو تحالفاتها مثل “أوبك+”، بل بات رهينة الاضطرابات الأمنية والمخاطر الجيوسياسية. أي تهديد للمضيق، سواء عبر تصعيد عسكري أو استهداف ناقلات، يُترجم فورًا إلى قفزات في الأسعار، خارج سيطرة المنتجين أنفسهم. بمعنى آخر، انتقل مركز التحكم من “غرف الاجتماعات” في فيينا إلى “نقاط الاختناق” في البحار. لم تعد “أوبك” قادرة وحدها على ضبط السوق، بل أصبحت مجرد لاعب ضمن منظومة أوسع تتحكم فيها المخاطر، وشركات التأمين، والقوى العسكرية. skip render: ucaddon_material_block_quote هل يستمر الصراع؟ الاحتمال الأكبر هو أن هذا الصراع لن ينتهي، بل سيتحوّل. فبدل أن يكون صراعًا على الإنتاج، سيصبح صراعًا على “الممرات” و”الأمن البحري”. القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ستسعى لضمان حرية الملاحة، بينما ستستخدم قوى إقليمية هذا الضغط كورقة تفاوض. هنا، لا بدّ من التوقف عند كون الدول النفطية نفسها لم تعد كتلة واحدة متماسكة، في ظل إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة انسحابها من “أوبك” وتحالف “أوبك+”، على وقع اختلاف المصالح بين أعضاء التحالف، وصعود منتجين جدد، ما يجعل من الصعب إعادة إنتاج “لحظة 1973″، وما يعني أن الولايات المتحدة الأميركية هي المستفيد الأكبر والأكثر مباشرة من هذا الواقع. بين السوق والطاقة هنا تبرز الصين كلاعب محوري في “امتصاص الصدمة”، وفي مواجهة تحديات كبيرة لتأمين إمداداتها، فهي أكبر مستورد للطاقة من دول الخليج، وفي الوقت نفسه تعتمد بشكل عميق على السوق الأميركية والغربية لتصريف صادراتها. هذا يضع بكين أمام معادلة معقّدة؛ من جهة، فهي تحتاج إلى استقرار إمدادات النفط من دول “أوبك”، وتعزيز “استراتيجية التخزين” التي تعتمدها في بناء احتياطات ضخمة من أجل مواجهة تقلبات الأسعار الناتجة عن تراجع تأثير “أوبك”. ومن جهة أخرى، لا تستطيع المجازفة بعلاقتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة. حتى الآن، تحاول الصين تبنّي سياسة “التوازن الذكي”، أي تعزيز علاقاتها مع الدول النفطية عبر الاستثمارات والشراكات طويلة الأمد، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن. كما تعمل على تقليل اعتمادها عبر تنويع مصادر الطاقة، والاستثمار في الطاقة المتجددة. أين يتجه المشهد؟ يشير المستقبل القريب إلى 3 اتجاهات رئيسية: تآكل دور “أوبك” التقليدي: ستبقى المنظمة مؤثرة، لكنها لن تعود اللاعب المهيمن الوحيد على الأسعار. تصاعد أهمية الجغرافيا السياسية: المضائق البحرية، مثل مضيق هرمز، ستصبح العامل الحاسم في تسعير النفط. ترسيخ “السيادة الأميركية” في سوق الطاقة العالمي. لم يعد النفط مجرد مورد اقتصادي، بل عاد ليكون، كما كان دائمًا، أداة صراع، لكن بأدوات جديدة. وإذا كانت “أوبك” قد سيطرت يومًا على السوق من خلال الإنتاج، فإن عالم اليوم يُدار عبر الممرات، والمخاطر، وحسابات القوى الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية الصين الشعبية. نهاية زمن أوبك… وبداية عصر المضائق، واشنطن تربح من فوضى النفط من يدير اللعبة ؟ على الرغم من الصورة التي توحي بأن الفوضى في مضيق هرمز تُضعف الجميع، فإن قراءة أعمق تكشف أن اللاعب الأكثر قدرة على تحويل هذه الفوضى إلى نفوذ هو الولايات المتحدة. فواشنطن لا تسيطر فقط على جزء كبير من الإنتاج العالمي بفضل النفط الصخري، بل تمسك أيضًا بمفاتيح الأمن البحري، وشبكات التأمين، والنظام المالي الذي تُسعَّر به الطاقة عالميًا، ناهيك عن فنزويلا ونفط إيران في حال احتُلّت جزيرة خرك. في هذا السياق، تتحول الأزمات من تهديد إلى أداة: ارتفاع الأسعار ينعش قطاع الطاقة الأميركي، والتوترات تبرر الحضور العسكري، واضطراب الإمدادات يعزز اعتماد الحلفاء على الحماية الأميركية. أما الصين، فرغم صعودها الاقتصادي، فتبقى في موقع المتأثر أكثر من المؤثر، لأنها تعتمد على تدفق الطاقة عبر ممرات لا تسيطر عليها. هكذا، وبينما يبدو المشهد وكأنه صراع مفتوح بين قوى متعددة، تميل الكفة في النهاية لصالح من يملك القدرة على إدارة الفوضى، لا فقط على التكيف معها. وفي هذه اللعبة تحديدًا، لا تزال الولايات المتحدة تمسك بالخيوط الأساسية، وتخرج ـ حتى الآن ـ بوصفها المستفيد الأكبر، لا المتضرر الأكبر كما يعتقد ويحلّل وينظّر البعض. * أمين عام “تيار المستقبل”
لم يكن مجرّد خبرٍ عادي أن يمكث المعاون السياسي لنبيه بري، الوزير السابق علي حسن خليل، أيامًا في السعودية، باحثًا مع مسؤوليها، على مختلف المستويات، شؤونًا لبنانية تفصيلية، وأخرى إقليمية وعربية عامة، في وقتٍ تتقاطر فيه الصواريخ في سماءات دول الخليج، ويبلغ ضغط الحروب أشدّه. قد تكون مواقف رئيس مجلس النواب اللبناني وحدها، هذه الأيام، هي التي تتقدّم على مواقف دونالد ترامب من حيث الضبابية والغموض، والشدّ والرخي، والشيء ونقيضه في آنٍ واحد. في الرياض، حمل خليل معه تفاصيل شيعية لبنانية متشعّبة، كما أكدت مصادر سياسية مطّلعة لصحيفة “البوست”. ولم يكن النقاش بين المسؤولين السعوديين والموفد اللبناني بالنيابة عن حركة أمل فحسب، بل عن أفكار جرى تنسيقها بشكلٍ وافٍ بين بري وحزب الله، ما يعني أنها تعكس حقيقة “جو” الثنائي الشيعي. من المواضيع التي طُرحت، بحسب المصادر، جسّ النبض السعودي حيال فكرة “التغيير الحكومي”. فقد حاول بري استمزاج رأي السعوديين حول إجراء تغيير حكومي يطيح بنواف سلام وفريقه الحالي، بحجّة تنفيس الاحتقان الداخلي (الذي لا يشعر به إلا فريقٌ محدد من اللبنانيين) بعد تداعيات العدوان الإسرائيلي، والبحث في إمكانية طرح أسماء سنية جديدة لتولّي رئاسة الحكومة العتيدة. الرياض استمعت إلى طرح عودة الحريري، لكنها لم تمنحه ضوءًا أخضر: لا إسقاط لنواف سلام الآن، ولا فتح جدّيًا لباب تبديل المشهد قبل نضوج التسويات الكبرى وفي هذا الإطار، جرى التطرّق إلى موضوع عودة سعد الحريري، وما قد تشكّله هذه الخطوة من إيجابيات على صعيد البلد ككل، والاحتقان السني – الشيعي الداخلي، وإطلاق عجلة إعادة الإعمار عربيًا ودوليًا بعد انتهاء الاتفاق بين أميركا وإيران. وفي هذا السياق، يقول عارفون إن الرد السعودي على ما بدا وكأنه “رغبة شيعية” بعودة الحريري إلى موقعه السياسي، لم يحمل جديدًا في هذا المجال، بل جرى الاستماع إلى وجهة النظر هذه، التي كانت جزءًا من نقاشاتٍ أكبر، بكل رحابة صدر. لكن الرأي السعودي تمسّك بنواف سلام وحكومته، التي تقوم بعملٍ تؤيده السياسة العامة للمملكة تجاه لبنان والمنطقة، وأن الحديث عن شخصية سنية جديدة تملأ فراغًا مفترضًا ليس أوانه بعد. وهكذا، فُهم أن الباب لم يُفتح أمام عودة الحريري، لكنه لم يُوصَد بوجهه تمامًا، ليبقى الوضع على ما هو عليه، بانتظار تبلورٍ أكبر في المعطيات، قد تنتج عنه ظروفٌ أكثر ملاءمة لساكن “بيت الوسط”.
لم يكن صباح الخليج عاديًا.أصوات صفارات الإنذار، إغلاق مجالات جوية، رسائل “الاحتماء فورًا”، وشاشات تعجّ بخبرٍ واحد: للمرة الأولى، تصل الضربات الإيرانية إلى نطاق مدنٍ خليجية، بالتوازي مع استهداف مواقع مرتبطة بالوجود الأميركي في المنطقة. المشهد لم يكن تفصيلًا عسكريًا عابرًا. كان إعلانًا عن انتقال الصراع من “الساحات البعيدة” إلى “المراكز الحساسة” من الظل إلى العلن لسنوات، بقيت المواجهة الإيرانية – الأميركية/الإسرائيلية محكومة بسقف “الحرب غير المباشرة”. ساحات وسيطة، رسائل محسوبة، وضبط إيقاع يمنع المسّ بالعواصم الاقتصادية. اليوم، سقط هذا الحاجز. استهداف أو اقتراب نيران من مدن مثل دبي، والمنامة، والكويت، ومدن سعودية رئيسة، يعني أن الصراع لم يعد يدور حول قواعد عسكرية فقط، بل حول رمزية الاستقرار ذاته. بحسب ما أوردته وكالات دولية عدة، شملت الضربات صواريخ ومسيّرات استهدفت مواقع مرتبطة بالقوات الأميركية في المنطقة، مع تسجيل اعتراضات وأضرار متفاوتة في بعض الدول الخليجية. إيران تقول إن أي استهداف مباشر لها سيقابله ردٌّ يتجاوز الحدود التقليدية، وإن استضافة القواعد العسكرية لم تعد ضمانة لتحييد الدول المضيفة عن ارتدادات المواجهة. هذه ليست ضربة رمزية. إنها محاولة لإعادة رسم “معادلة الردع”. اختبار للمظلّة الدفاعية الخليجية ما جرى لم يكن مجرد تبادل نيران، بل اختبارًا فعليًا لمنظومات الدفاع الجوي والإنذار المبكر في الخليج. دول عدة أعلنت اعتراض مقذوفات بنجاح، فيما تحدّثت تقارير عن اختراق بطائرة مسيّرة قرب منشأة أميركية في البحرين. في حروب الردع الحديثة، لا يُشترط دمار واسع كي تُعدّ الضربة مؤثرة. يكفي أن تُثبت القدرة على “إيصال الخطر”، وأن ترفع كلفة الدفاع، وتربك المجالين الجوي والاقتصادي: رحلات مؤجلة، مطارات في حال تأهب، وأسواق تأمين تعيد تسعير المخاطر خلال ساعات. دبي… الإشارة الثقيلة ليست دبي مدينة عادية في الحسابات الاستراتيجية. إنها عقدة طيران عالمية، مركز مالي وتجاري وتأميني، وواجهة الاستقرار الخليجي. أي انفجار محدود، أو سقوط حطام في محيطها، يتحول فورًا إلى حدث اقتصادي لا أمني فحسب:قفزة في كلفة التأمين، اضطراب في حركة الطيران، وضغط نفسي ينعكس سلوكًا احترازيًا في الأسواق والمجتمع. وقد أشارت تقارير إلى تعطّل واسع في حركة الطيران الإقليمي خلال الساعات الأولى للأزمة. اتساع الحزام ورود معلومات عن تعرّض السعودية لمحاولات استهداف، مع تحركات باتجاه البحرين والكويت، يعني أن المشهد يتجاوز “الرد الرمزي” إلى حزام رسائل جغرافي واسع. السعودية تمثل مركز ثقل الطاقة والسياسة.البحرين عقدة أمنية مرتبطة بالوجود البحري الأميركي.الكويت ساحة حساسة بحكم وجود عسكري أميركي وحسابات داخلية دقيقة. كلما اتسعت الجغرافيا، أصبح احتواء التصعيد أصعب، لأن ردود الدول لن تكون موحّدة، بل محكومة بميزان الأذى الذي لحق بها وبحساباتها الداخلية. قواعد الاشتباك… ما الذي تغيّر؟ إذا استمر هذا النمط، فنحن أمام تحوّل واضح في قواعد اللعبة: ارتفاع سقف الردّ المقابل، مع احتمال تشديد التعاون الدفاعي الخليجي وتضييق مساحات “الحياد”. انتقال الاقتصاد إلى صلب المواجهة، حيث تتحول أسواق الطاقة والشحن والتأمين إلى أدوات ضغط موازية للجبهة العسكرية. تضاعف مخاطر سوء التقدير؛ صاروخ يخطئ هدفه أو حطام يسقط في منطقة مدنية قد يقلب مسار الأزمة خلال ساعات. المؤشرات الحاسمة في الأيام الثلاثة المقبلة ستكون: هل تكتفي طهران بضربة ردع محدودة أم تمضي في موجات متتابعة؟ هل تتجه واشنطن أو إسرائيل إلى توسيع نطاق الضربات داخل إيران؟ كيف سيتطور وضع المجال الجوي والطيران التجاري، وما حجم الإرشادات القنصلية والإجلاءات المحتملة؟ بعض الدول الغربية بدأت بالفعل إصدار تعليمات “احتماء” لرعاياها، في إشارة إلى أن الأزمة لم تُغلق بعد. الخليج اليوم ليس في لحظة عابرة… بل عند مفترق استراتيجي قد يحوّل الاقتصاد إلى جبهة، والمدن إلى جزء من معادلة النار