بينما يحتفل اللبنانيون أخيراً بقرب تشغيل مطار القليعات في شمال لبنان، لا يسع المراقب إلا أن يتساءل: هل نحن أمام مشروع إنمائي وطني جديد، أم مجرد طريق إضافي سيُضاف إلى قائمة الطرق القابلة للإقفال عند أول أزمة سياسية؟ في أي دولة طبيعية، يُقاس نجاح المطار بعدد الرحلات والمسافرين والاستثمارات التي يجذبها. أما في لبنان، فإن المعيار مختلف تماماً. السؤال الحقيقي ليس كم طائرة ستهبط في القليعات، بل كم إطاراً سيُحرق على الطريق المؤدي إليه. لقد عاش اللبنانيون لعقود مع مفارقة فريدة من نوعها: المطار الدولي الوحيد للبلاد كان، في كثير من الأحيان، رهينة ميزان القوى في الشارع أكثر مما كان جزءاً من سيادة الدولة. وبينما كانت الحكومات تتحدث عن الأمن القومي، والنمو الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، كانت مجموعة من الشبان الغاضبين قادرة، خلال دقائق، على شل حركة البلاد الجوية بالكامل. لم تكن المشكلة يوماً في مطار بيروت نفسه، بل في الفكرة التي ترسخت في الحياة السياسية اللبنانية: أن المرافق العامة ليست ملكاً للدولة ولا للمواطنين، بل أوراق ضغط مشروعة في الصراع على النفوذ. skip render: ucaddon_material_block_quote اليوم، يعود مطار القليعات إلى الواجهة باعتباره مشروعاً إنمائياً طال انتظاره لعكار والشمال ولبنان عموماً. وهو مشروع كان من المفترض أن يرى النور منذ عقود، لو أن الحسابات السياسية والطائفية والمصلحية لم تتغلب على المنطق الاقتصادي. لكن السخرية تكمن في أن بعض القوى التي طالما اعتبرت إقفال الطرق المؤدية إلى مطار بيروت “حقاً مشروعاً للتعبير الشعبي”، قد تجد نفسها غداً تندد بقطع طريق القليعات. والعكس صحيح أيضاً. فالمواقف في لبنان لا تحددها المبادئ، بل تحددها الجغرافيا السياسية وموقع كل طرف من السلطة والمعارضة. لهذا، لا يبدو مستبعداً أن نقرأ يوماً خبراً عاجلاً يقول: “توقفت الرحلات في مطار القليعات بسبب تحرك احتجاجي لمجموعة من شبان طرابلس المطالبين بالكهرباء أو المياه أو الوظائف أو أي حق آخر عجزت الدولة عن تأمينه.” عندها سيكتشف اللبنانيون أن المشكلة لم تكن يوماً في اسم المطار ولا في موقعه الجغرافي. فالدولة التي تعجز عن حماية طريق إلى مطار، تعجز تلقائياً عن حماية فكرة الدولة نفسها. إن النقاش حول القليعات يتجاوز مسألة الطيران المدني. إنه اختبار حقيقي لسؤال أكبر بكثير: هل يريد اللبنانيون دولة مؤسسات أم دولة ممرات إجبارية؟ دولة قانون أم دولة موازين قوى؟ دولة تحمي المرافق العامة أم دولة تسمح لكل طرف بأن يعطلها عندما تتعارض مع مصالحه؟ لقد تحول مطار بيروت، خلال العقود الماضية، إلى رمز لهذه المعضلة. فهو من جهة واجهة لبنان إلى العالم، ومن جهة أخرى شاهد دائم على هشاشة السلطة الرسمية أمام نفوذ الشارع والقوى المنظمة. لذلك، فإن افتتاح مطار القليعات لن يكون الإنجاز الحقيقي. الإنجاز الحقيقي سيكون عندما يصل أول مسافر إلى المطار من دون أن يضطر إلى تفقد نشرات الأخبار لمعرفة أي حزب غاضب، وأي مجموعة محتجة، وأي إطار مشتعل ينتظره على الطريق. عندها فقط يمكن للبنان أن يقول إنه افتتح مطاراً جديداً. القليعات: اختبار الدولة على مدرج الطيران skip render: ucaddon_box_testimonial
على الرغم من القصف الأميركي-الإسرائيلي، وعلى الرغم من السخط المتراكم على النظام الإيراني، لم يتحوّل الشارع الإيراني حتى الآن إلى انتفاضة شاملة هذا لا يعني أن النظام استعاد رضى الناس، ولا أن الحرب منحته شرعية جديدة، بل يعني أن المجتمع الإيراني عالق في لحظة أكثر تعقيداً: غضب داخلي عميق، يقابله خوف هائل من الحرب، وقمع جاهز، وقلق واسع من أن يتحوّل إسقاط النظام إلى انهيار دولة، لا إلى ولادة بديل.تقارير حديثة من داخل إيران تصف هذا المزاج بوضوح: كثيرون يريدون التغيير، لكنهم لا يريدونه بهذه الطريقة، ولا على إيقاع الغارات والخراب. في العادة، الحرب لا تصنع ثورة تلقائياً. حين تتعرّض المدن للقصف، تتقدّم أولويات البقاء على أولويات السياسة. الناس تبحث عن الأمان، وعن الطعام، وعن مكان تنام فيه، لا عن ساحة تتظاهر فيها.معلومات كثيرة تحدّثت عن نزوح أكثر من 3.2 ملايين إيراني من منازلهم، وعن تعطّل الحياة اليومية واتساع حجم الخسائر البشرية، ما جعل المزاج العام أقرب إلى الصدمة والنجاة منه إلى التنظيم والانفجار. الإيرانيون غاضبون من النظام، لكن كثيرين منهم لا يريدون تغييراً يولد من تحت القصف، ولا ثورة تنتهي إلى فوضى تشبه كوابيس المنطقة، فالحرب لم تُسقط الخوف، بل جمّدَت الانفجار السبب الثاني أن النظام سبق هذه الحرب بقمع دموي رفع كلفة التمرّد إلى حدٍّ هائل. منظمة العفو الدولية قالت إن السلطات الإيرانية شنّت منذ يناير 2026 حملة قمع “مُعسكرة” لإخفاء ما وصفته بمجازر الاحتجاجات، فيما وثّقت العفو ومنظمة هيومن رايتس ووتش استخدام القوة المميتة والاعتقالات التعسفية الواسعة ضد المتظاهرين. في بيئة كهذه، لا يكفي الغضب للنزول إلى الشارع؛ لأن الناس تعرف مسبقاً أن الثمن قد يكون السجن أو الاختفاء أو الموت. النظام لا يزال ممسكاً السبب الثالث أن أجهزة السيطرة لا تزال متماسكة بما يكفي لمنع الانفجار. فالحرب أضعفت الدولة، لكنها لم تكسر بعد أدواتها الداخلية في الضبط والردع. وهذا ما يفسّر كيف استطاع النظام، بالتوازي مع الضربات، أن ينظّم حشوداً ومظاهر تعبئة سياسية ليعرض صورة “التماسك الوطني” في الداخل والخارج، حتى لو كانت هذه الصورة لا تعكس كل المجتمع الإيراني.كذلك فإن النظام لا يحكم بالسلاح فقط، بل أيضاً بالتحكّم بالمجال العام والمجال الرقمي. تقارير “فريدوم هاوس” تؤكد أن الإنترنت في إيران ما زال خاضعاً لقيود شديدة، وأن السلطات فرضت في فترات سابقة انقطاعات واسعة وضغوطاً لدفع المستخدمين نحو فضاء رقمي محلي أسهل رقابةً ومتابعةً.كما وثّقت تقارير أخرى أن السلطات استخدمت تعطيل الإنترنت وترهيب الصحافيين خلال فترات الحرب السابقة. وهذا يعني أن أي محاولة لتنظيم احتجاج واسع تصبح أصعب بكثير في ظل الخوف والرقابة والعزل المعلوماتي. التغيير وغياب البديل ربما الأهم سياسياً، أن قسماً واسعاً من الإيرانيين لا يريد أن يكون التغيير مشروعاً تُديره واشنطن أو تل أبيب. تقرير حديث نقل بوضوح تحوّلاً في مزاج بعض الإيرانيين المناهضين للنظام، من الترحيب بأي ضغط خارجي إلى الغضب من حرب تدمّر المدن والبنى المدنية وتفتح الباب على سيناريوهات شبيهة بالعراق. المعنى هنا شديد الأهمية: كراهية النظام لا تعني تلقائياً قبول إسقاطه بالقصف الخارجي.ثم هناك عامل آخر لا يقل وزناً: غياب البديل المنظّم. فالنقمة موجودة، لكن القيادة الموحّدة القادرة على تحويلها إلى مسار انتقالي واضح ليست حاضرة بما يكفي. لذلك يبقى الشارع موزّعاً بين الرغبة في التغيير والخشية من الفراغ، وبين رفض السلطة ورفض المجهول معاً. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الصمت دعماً للنظام بقدر ما يكون تعبيراً عن مجتمع ينتظر لحظة أوضح، وأقل كلفة، وأكثر قابلية للحسم. هذا الاستنتاج تدعمه أيضاً تقارير حديثة وصفت الإيرانيين بأنهم “يتوقون إلى التغيير”، لكنهم يعيدون التفكير بثمنه وشكله تحت وقع الحرب. لذلك، فإن عدم تحرّك الشارع الإيراني حتى الآن لا يجب أن يُقرأ على أنه قوة مريحة للنظام، بل على أنه نتيجة توازن قاسٍ بين القمع والخوف والرفض الشعبي لأن يولد التغيير من رحم القصف الخارجي. الشارع لم يهادن، لكنه لم يجد بعد لحظة الانفجار المناسبة. الغضب موجود، والاحتقان عميق، لكن الحرب جمّدت الصدام الداخلي بدلاً من أن تطلقه. وفي إيران اليوم، لا تبدو المشكلة في غياب أسباب الثورة، بل في أن شروطها السياسية والإنسانية والتنظيمية لم تنضج بعد.