skip render: ucaddon_box_testimonial لكن أكثر الأخطاء شيوعًا هو اختصار القصة بالقول إن إيران جاءت إلى اليمن، فصنعت الحوثيين، ثم حوّلتهم إلى شيعة. الحقيقة أكثر تعقيدًا… وأكثر خطورة. إيران لم تخترع الحوثيين. الحركة نبتت من تربة يمنية زيدية، ومن شعور حقيقي لدى قطاعات في صعدة بأن هويتها الدينية تتراجع أمام تمدد التيارات السلفية وتهميش المؤسسات الزيدية. لكن طهران وجدت لاحقًا في هذه الحركة شيئًا نادرًا: جماعة محلية، مسلحة، ذات سردية دينية، تقع على الحدود الجنوبية للسعودية وفي جوار واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد المسألة مجرد دفاع عن الزيدية. بدأت قصة أخرى. قبل الحوثي الزيدية ليست إيرانية. وليست اثني عشرية. وليست نسخة مصغرة عن التشيّع الموجود في إيران أو العراق أو لدى غالبية شيعة لبنان. إنها فرع مستقل من الإسلام الشيعي، استقر في اليمن منذ أواخر القرن التاسع الميلادي، وبنى فيه دولًا وإمامات استمرت بأشكال مختلفة قرونًا طويلة. وقد احتفظت الزيدية تاريخيًا بقدر كبير من القرب الفقهي والاجتماعي من السنّة، ولا سيما الشافعية التي تشكّل المذهب السني الأوسع انتشارًا في اليمن. وتشير دراسات عن المجتمع اليمني إلى أن الانقسام الزيدي-الشافعي لم يكن تاريخيًا جدارًا اجتماعيًا مشابهًا للانقسامات الطائفية التي عرفتها بلدان أخرى في المنطقة. كان اليمني يستطيع أن يكون زيديًا من دون أن يشعر أنه ينتمي إلى «محور شيعي» عابر للحدود. وكان الشافعي والزيدي يلتقيان في القبيلة والمدينة والسوق والسياسة، فيما كانت الصراعات اليمنية تدور غالبًا حول السلطة والقبيلة والمنطقة والمصالح، أكثر مما تدور حول سؤال: من السنّي ومن الشيعي؟ هذه الصورة بدأت تتصدع. صعدة أولًا في العقود التي أعقبت ثورة 1962 وسقوط الإمامة الزيدية، تراجعت المؤسسات الدينية التقليدية للزيدية، وفي المقابل تمددت في شمال اليمن تيارات إسلامية سنية وسلفية، بعضها مدعوم من السعودية. وشعر جزء من النخب الزيدية بأن المذهب الذي حكم شمال اليمن لقرون يتراجع في معقله التاريخي. من هنا ظهرت في التسعينيات حركة «الشباب المؤمن»، بوصفها حركة إحياء زيدي وتعليم ديني وثقافي، قبل أن يبرز حسين بدر الدين الحوثي داخلها بشخصية وخطاب أكثر سياسية وصدامية. إذًا، البداية يمنية، والجرح يمني، والصراع الأول كان يمنيًا. ولهذا فإن القول إن طهران «أنشأت الحوثيين» يختصر التاريخ بطريقة تمنع فهمه. فبحسب مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، لم يؤسَّس الحوثيون بمساعدة إيران، بخلاف تنظيمات إقليمية أخرى ارتبط تأسيسها مباشرة بطهران. لكن الدعم الإيراني العسكري والتقني والسياسي للجماعة توسع لاحقًا وأصبح أكثر أهمية، خصوصًا مع صعودها العسكري وسيطرتها على صنعاء ثم اندلاع الحرب الإقليمية منذ 2015. إيران لم تزرع الشجرة، لكنها أدركت مبكرًا قيمة الثمرة. من حسين إلى عبدالملك حين قُتل حسين الحوثي عام 2004، كان يُفترض نظريًا أن تنتهي الحركة مع مؤسسها. حدث العكس. تحول مقتله إلى عنصر تعبئة، وخاضت الحركة ست جولات من الحروب مع نظام الرئيس علي عبدالله صالح بين 2004 و2010، ثم خرجت من تلك الحروب أكثر خبرة في التنظيم والقتال والتعبئة. ومع انهيار مؤسسات الدولة بعد انتفاضة 2011، تمدد الحوثيون من صعدة باتجاه عمران وصنعاء، حتى دخلوا العاصمة في سبتمبر/أيلول 2014. هناك، تغير كل شيء. لم يعد الحوثي داعية يحمل اعتراضًا على السلطة، صار هو السلطة. ولم تعد الزيدية بالنسبة إلى الجماعة مجرد هوية مذهبية ينبغي حمايتها. أصبحت مصدرًا لشرعية سياسية. عندما دخلت إيران كلما ازدادت قوة الحوثيين، ازدادت قيمة اليمن في الحسابات الإيرانية. فجماعة مسلحة على الحدود السعودية، وعلى مسافة مؤثرة من باب المندب والبحر الأحمر، تملك بالنسبة إلى طهران قيمة استراتيجية استثنائية. تشير الدراسات إلى وجود تقديرات مختلفة لبداية الدعم العسكري الإيراني المباشر، لكن ثمة توافقًا أوسع على أن العلاقة العسكرية أصبحت واضحة قبل أو بحلول سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، ثم اتسعت بصورة كبيرة في السنوات اللاحقة. وقد وفّرت إيران للجماعة أسلحة ومكونات صاروخية وتقنيات مرتبطة بالمسيّرات وتدريبًا ومساعدة عسكرية، فيما تصف تحليلات حديثة الحوثيين بأنهم شريك إيراني يتمتع بهامش استقلال، وليس مجرد قوة تتلقى أوامرها اليومية من طهران. وهذه النقطة ضرورية، الحوثيون ليسوا «حزب الله اليمني» بالمعنى الحرفي. لكنهم استفادوا من نموذج يشبهه: حركة عقائدية مسلحة، تبني مؤسساتها داخل الدولة، وتستخدم السلاح والسياسة والإعلام والدين في مشروع واحد. ومع السلاح، جاءت اللغة. إيران لم تغيّر القبلة هل أصبح الحوثيون اثني عشرية؟ ليس بهذه البساطة. فالجماعة ما زالت ذات جذور زيدية، وقياداتها الأساسية تنتمي إلى البيئة الزيدية، بينما المذهب الاثنا عشري السائد في إيران يقوم على منظومة عقدية مختلفة في نقاط جوهرية. الاثنا عشرية تؤمن بسلسلة محددة من اثني عشر إمامًا، وتنتهي بالإمام الثاني عشر الذي تؤمن بأنه غاب وسيظهر في آخر الزمان. أما الزيدية فلا تقبل هذه المنظومة المغلقة من الأئمة الاثني عشر، ولا تبني عقيدتها السياسية على الإمام الثاني عشر الغائب. ووفق التصور الزيدي التقليدي، يمكن لعالم مؤهل من ذرية الحسن أو الحسين أن يطالب بالإمامة إذا أعلن دعوته وخرج ضد السلطة التي يراها جائرة. كما أن الزيدية لم تعرف تاريخيًا مؤسسة «ولاية الفقيه» بالشكل الإيراني الحديث. وهنا المفارقة: لم تحتج إيران إلى جعل الحوثيين اثني عشرية. كان يكفي أن تقترب اللغة السياسية للحوثية من لغة الثورة الإيرانية. أحد أهم التحولات التي يجب التوقف عندها هو أن الحوثيين لم يحيوا الزيدية التقليدية كما كانت فقط، بل أعادوا تفسيرها سياسيًا. وتشير دراسة لكارنيغي حول المؤسسات الدينية العربية إلى فروق واضحة بين الفكر الحوثي وبعض التقاليد الزيدية التاريخية، ولا سيما في مسألة موقع القائد والطاعة والهوية الشيعية والعلاقة بالخطاب الإيراني الثوري. كما تشير الدراسة إلى أن حسين الحوثي شدد في خطبه على تعريف الزيديين ضمن الهوية الشيعية وعلى التقارب مع قوى شيعية إقليمية، في حين كان كثير من الزيديين اليمنيين تاريخيًا أقل اهتمامًا بتعريف أنفسهم ضمن الاستقطاب السنّي-الشيعي الإقليمي. وهنا تكمن نقطة التحول الحقيقية، فليس كل زيدي حوثيًا، كما أن معارضة الحوثيين لا تعني معارضة الزيدية. الزيدية عمرها أكثر من ألف سنة في اليمن، أما الحوثية فهي حركة سياسية وعسكرية حديثة. والخلط بينهما يمنح الحركة ما تحتاجه تمامًا: أن يصبح نقدها نقدًا للمذهب، وأن تصبح هي الممثل الوحيد للمذهب. كربلاء تدخل السياسة مع صعود الحوثيين، ازداد حضور رموز ومناسبات دينية وسياسية تحمل أصداء واضحة من البيئة الإيرانية والشيعية الإقليمية. الغدير صار أكثر حضورًا في المجال العام، وعاشوراء اكتسبت بعدًا تعبويًا وسياسيًا أوسع. و«يوم القدس» الذي أطلقته إيراني أصبح جزءًا من روزنامة التعبئة السياسية. وتوسعت لغة «المستضعفين» و«المستكبرين» و«الولاية» و«المسيرة القرآنية»، بالتوازي مع خطاب سياسي يعتبر الجماعة جزءًا من مواجهة إقليمية أوسع. وتوثق دراسات عن الفكر الحوثي تأثير الخطاب الثوري الإيراني في الجماعة مع استمرار خصوصيتها الزيدية واليمنية. لم يتحول اليمن إلى إيران، لكن إيران أصبحت حاضرة في مفردات يمنية لم تكن تحمل هذا الوزن من قبل، وهذا أخطر
في لبنان، لا تُقاس التحوّلات الكبرى بالشعارات، بل بما تتركه في حياة الناس حين تهدأ الضوضاء. هناك، في المسافة الفاصلة بين الخطاب والنتيجة، تتكشّف قصة شريحةٍ كاملة انتقلت من توصيف “المحرومين” إلى موقعٍ وازن في المعادلة، ثم وجدت نفسها اليوم أمام اختبارٍ مختلف تمامًا: اختبار ما بعد القوّة، حين تبدأ الكلفة بالظهور دفعةً واحدة. من الهامش إلى المركز فالحافّة لم يكن توصيف “المحرومين” يومًا مجرّد مبالغة. لعقود، عكس واقع تهميشٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ واجتماعيٍّ حقيقي. لكن ما حدث لاحقًا لم يكن تطورًا تدريجيًا بقدر ما كان قفزةً كاملةً في موازين القوّة. عبر تراكم النفوذ السياسي والعسكري، وبناء منظومات خدماتية ومؤسساتية، خرجت هذه الشريحة من الهامش إلى قلب القرار، ومن أطراف الدولة إلى أحد أبرز محدّدات اتجاهها. هذا التحوّل منح شعورًا بأن المعادلة انقلبت نهائيًا: لم يعد هناك حرمان بالمعنى القديم، بل فائض قوّة. حضور يمتد من الجنوب إلى البقاع، ومن الضاحية إلى مفاصل متعددة في الاقتصاد والخدمات. لكن هذا الصعود، على قوّته، لم يكن مؤسَّسًا بالقدر الكافي على اقتصادٍ منتج أو دورةٍ مستدامة، بل على توازنات دقيقة: تدفقات مالية، شبكات دعم، وغطاءات سياسية داخلية وإقليمية. وهنا تحديدًا، بدأ التناقض الصامت. صعود بلا جذور اقتصادية كافية في العمق، لم يُترجم هذا النفوذ إلى نموذج اقتصادي يحمي المجتمع من الهزّات. لم تتشكل طبقة وسطى صلبة بقدر ما توسعت طبقة تعتمد، بشكل أو بآخر، على شبكات دعم أو اقتصادٍ موازٍ. ومع الوقت، أصبحت هذه البنية أشبه بعمارةٍ قائمة على أعمدة غير متكافئة: قوية في السياسة والأمن، لكنها هشّة في الاقتصاد. كانت الأسئلة المؤجَّلة كثيرة: ماذا لو توقفت التدفقات؟ ماذا لو تبدّلت الظروف الإقليمية؟ ماذا لو انكسر الغطاء الذي حمى هذه المعادلة لسنوات؟ اليوم، هذه الأسئلة لم تعد نظرية. طبقتان… وانكماش الخيارات الواقع الحالي يعيد تشكيل المجتمع نفسه إلى طبقتين واضحتين، لكنهما تتحركان نحو نقطة مشتركة من الهشاشة. هناك فئة ما زالت قادرة على “تدبير حالها”. تملك المال أو العلاقات أو القدرة على الانتقال إلى مناطق أكثر أمانًا. تستطيع شراء الاستقرار، ولو مؤقتًا. لكن هذه الفئة نفسها بدأت تنكمش، لأن كلفة الأمان ترتفع، والفرص تتراجع، والاقتصاد ككل يضيق. في المقابل، تتوسع فئة أخرى تُدفع تدريجيًا إلى اقتصاد الإعاشة. هنا، لا خيارات حقيقية، بل انتظار: خيمة، غرفة جاهزة، مساعدة شهرية، أو دور في قائمة دعم. يتحول الفرد من صاحب قرار إلى “ملف” ينتظر التقييم: تعبئة استمارات، مراجعة جمعيات، وشرح تفاصيل الحياة أمام موظف، بانتظار مبلغ قد لا يتجاوز بضع مئات من الدولارات. هذا التحوّل ليس اقتصاديًا فقط، بل وجوديّ. من الامتلاك إلى التخلّي الأقسى في هذه المرحلة ليس الفقر بحدّ ذاته، بل الانحدار السريع من حالة امتلاك إلى حالة تصفية. من كان يملك بيتًا وحديقةً أو مؤسسة صغيرة، يجد نفسه مضطرًا لبيعها بأقل من قيمتها بكثير. ليس لأن السوق فقط انهار، بل لأن الوقت ضاغط، والدين لا ينتظر، والخروج أصبح أولوية. أرض تُقدَّر بعشرات آلاف الدولارات تُباع بجزءٍ من قيمتها. بيوت تُترك، وذكريات تُختصر بقرار بيع سريع. هنا، لا يخسر الإنسان مالًا فقط، بل يخسر سرديته الشخصية: قصة النجاح، الاستقرار، والانتماء إلى مكان. وهذا النوع من الخسارة لا يُعوَّض بسهولة. انكشاف القواعد غير المكتوبة ما يتكشف اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل انهيار منظومة “القوانين غير المكتوبة” التي حكمت المرحلة السابقة. تلك التي وفّرت حماية ضمنية، أو سمحت بتجاوزات، أو أعطت انطباعًا بأن الكلفة مؤجَّلة. مع تغيّر الظروف، لم يعد هذا الغطاء كما كان. التوازنات الإقليمية تبدّلت، والضغوط تضاعفت، والقدرة على احتواء الأزمات تراجعت. فجأة، يظهر الواقع بلا وسائط: اقتصاد ضعيف، مؤسسات منهكة، ومجتمع يُطلب منه أن يواجه نفسه دون شبكات الأمان السابقة. هنا، يصبح السؤال أكثر حدّة: هل كان ما تحقق قوّةً مستدامة، أم مرحلةً مدعومة بشروط استثنائية؟ وهم ما بعد الحرب في الوعي اللبناني، هناك دائمًا رهان على أن كل حرب تنتهي بإعادة ترميم ما كان. لكن المؤشرات الحالية تقول إن هذه المرة مختلفة. ما بعد هذه المرحلة لن يكون نسخة عن السابق، لأن الشروط التي صنعت السابق لم تعد قائمة بالكامل. الرهان على أن التضحيات ستتحول تلقائيًا إلى مكاسب يبدو، حتى الآن، أقرب إلى الأمل منه إلى الواقع. التجارب القريبة لا تشير إلى عودةٍ مضمونة إلى ما كان، بل إلى انتقالٍ نحو واقعٍ أكثر قسوة، حيث يصبح الاستقرار نفسه إنجازًا نادرًا. بين النقد والمراجعة هنا، يفرض النقد نفسه، لا كاتهام جماعي، بل كمحاولة لفهم المسار. هل تحوّل خطاب “المحرومين” من مشروع عدالة إلى أداة تعبئة؟ هل استُثمر فائض القوة في بناء اقتصاد منتج، أم في إدارة توازنات مؤقتة؟ وهل يمكن الاستمرار بالمنطق نفسه وتوقّع نتائج مختلفة؟ هذه الأسئلة لا تستهدف جماعة بقدر ما تستهدف نموذجًا كاملًا. ما يواجهه هذا المجتمع اليوم ليس سؤال كيف يصل إلى القوّة — فقد وصل — بل كيف يعيش بعدها. كيف يحافظ على طبقة وسطى، على كرامة اقتصادية، على استقرار لا يعتمد على ظرفٍ خارجي أو توازنٍ هش. الخيارات واضحة، حتى لو كانت صعبة: إما الاستمرار في إنكار التحوّل والرهان على عودة زمنٍ مضى، أو مواجهة الواقع كما هو، والبدء بمراجعة عميقة تعيد ترتيب الأولويات: من النفوذ إلى الإنتاج، من الإعاشة إلى الاقتصاد، من القوّة إلى قابلية الحياة. لا شيء يحسم هذا المسار سوى الواقع نفسه. والواقع، حين يتكلم، لا يرفع شعارات، بل يضع الجميع أمام النتيجة.
منذ ثلاثة عقود وأكثر، تُسوَّق بين اللبنانيين، وبخاصةٍ في البيئة الشيعية، مقولة أصبحت أقرب إلى المُسلَّمة: «الجيش ضعيف… ما عنده الإمكانيات ليحمينا». هذه الجملة التي تتردّد في المجالس الشعبية وفي خطاب الميليشيا الإعلامي، تحوّلت إلى ذريعة لاستمرار ازدواجية السلاح في لبنان، ولإبقاء قرار الحرب والسِّلم خارج مؤسّسات الدولة. لكنّ الوقائع الميدانية، والأرقام الاقتصادية، والتجربة المريرة في الحرب الأخيرة، تُثبت أن هذه الأسطورة لم تعُد صالحة، لا أخلاقيًّا ولا عمليًّا. امتحان فشل فيه السلاح القول إن ترسانة «حزب الله» حمت الأرض أو صانت البشر ليس دقيقًا. إسرائيل استهدفت في الأشهر الأخيرة الماضية الجنوب والضاحية والبقاع بآلاف الغارات، فكانت النتيجة أكثر من 1200 قتيل مدني وآلاف الجرحى، فيما نزح ما يزيد عن 120 ألف مواطن من منازلهم نحو بيروت ومناطق أكثر أمانًا.البنية التحتية الحيوية – من محطات الكهرباء والجسور والمستشفيات – انهارت في ساعات، فيما الصواريخ التي أُطلقت من الجنوب لم تمنع آلة الحرب الإسرائيلية من التوغّل أو القصف، بل وفّرت لها الذريعة لتوسيع بنك الأهداف.إذًا، ما الذي حُمي؟ لا الأرض صينت، ولا الإنسان وُقِي من المجازر. وهنا يظهر الفرق بين «مغامرة عسكرية» بلا غطاء سياسي، وبين «استراتيجية دفاعية وطنية» يضعها جيش واحد يمثّل الشرعية. مؤسّسة واحدة لدولة واحدة لبنان اليوم لا يملك ترف وجود جيشَين. الدولة تُختزل بمؤسّساتها، والجيش هو رمز وحدتها. أي تبرير لبقاء ميليشيا مسلّحة خارج الشرعية يعني عمليًّا تفكيك الدولة نفسها. لكن يجب أن يُقال بوضوح: لا يمكن أن يصبح الجيش قويًّا «بلحظة». الأزمة المالية التي بدأت عام 2019 دمّرت قدرة المؤسّسة العسكرية. الرواتب التي كانت تُقدَّر بحوالي 1.6 مليار دولار سنويًّا قبل الانهيار، انخفضت قيمتها الفعلية إلى أقل من 210 ملايين دولار عام 2021 بفعل انهيار الليرة وتضخّم الأسعار. هذا التدهور أدّى إلى موجات فرار واستقالات، وأجبر الجيش على الاعتماد على مساعدات غذائية ومالية من دول مانحة مثل فرنسا والولايات المتحدة ودول الخليج.ومع ذلك، لا يزال الجيش يضم نحو 80 ألف عنصر ناشط، ويشكّل المؤسّسة الوطنية الوحيدة التي تحظى بثقة اللبنانيين بنسبة تفوق 70% بحسب استطلاعات الرأي. هذه الثقة هي رأسماله الحقيقي، وليست الصواريخ العابرة للحدود ولا الشعارات الطائفية. العقلانية مقابل الارتجال قرارات الردّ على الاعتداءات الإسرائيلية لا تُتَّخذ بالعاطفة أو الثأر. الجيش اللبناني مُلزَم بحسابات دقيقة: حماية المدنيين، تجنّب المجازر، صون البنية التحتية، والتصرّف ضمن معادلة الردع المتاحة.في المقابل، أثبتت التجربة أن القرارات الارتجالية لبعض القوى المسلّحة أدّت إلى تهجير الناس من قراهم، وإلى سقوط ضحايا مدنيين لا علاقة لهم بأي مواجهة.العقلانية ليست ضعفًا، بل هي مسؤولية. أمّا التهوّر فهو مغامرة دموية يدفع ثمنها الأبرياء. جيش مدعوم وعلاقات متوازنة المعادلة واضحة: لا استقرار ولا عودة للنازحين إلى قراهم إلّا بجيش واحد، مُموَّل ومدعوم ومجهَّز. وهذا يتطلّب مجموعة من العوامل: إصلاح مالي حقيقي يوقف نزيف الفساد الذي تُغطيه الميليشيات. شراكات عربية ودولية تمنح الجيش التدريب والتمويل والمعدّات. الولايات المتحدة وحدها قدّمت أكثر من 3 مليارات دولار منذ 2006 دعمًا للجيش، لكن المطلوب هو رؤية لبنانية تُترجِم هذا الدعم إلى بناء مؤسّسات لا إلى ترقيع. إجماع وطني على أن لا أمن ولا سيادة في ظل ازدواجية السلاح. الأسطورة التي تقول «الجيش ضعيف» لم تعُد تنطلي على اللبنانيين. ضعف الجيش ليس قدرًا، بل نتيجة إفقارٍ مُتعَمَّد لدولةٍ مُصادَرة. الجيش يمكن أن يقوى، إذا تحرّرت الدولة من وصاية السلاح الموازي، وإذا أُعيد وصل لبنان بعمقه العربي وبشراكاته الدولية. أمّا الاستمرار في المقولة نفسها فهو ببساطة خيانة لمستقبل بلدٍ يريد أن يعيش أبناؤه بأمان، تحت راية دولة واحدة، لا دويلات متناحرة.