لم يعد البرنامج النووي السعودي مجرد مشروع للطاقة أو خطوة في مسار تنويع الاقتصاد، بل تحوّل إلى عنوان جديد للمنافسة بين القوى الكبرى، وإلى مؤشر على التحوّل العميق في موازين النفوذ داخل الشرق الأوسط. ما قاله وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، من أن واشنطن فضّلت أن تكون شريكًا للرياض في تطوير برنامجها النووي «بدلًا من أن تتجه إلى شريك آخر»، لا يكشف فقط عن رغبة أميركية في التعاون، بل يعكس إدراكًا متأخرًا لحقيقة باتت واضحة: السعودية لم تعد دولة تنتظر العرض الأميركي، بل أصبحت تمتلك القدرة على المفاضلة بين عدة عروض دولية. هذا التصريح يحمل اعترافًا ضمنيًّا بأن سياسة الاحتكار الأميركي للشراكات الاستراتيجية لم تعد قابلة للاستمرار. ففي عالم يتجه نحو التعددية القطبية، لم تعد واشنطن اللاعب الوحيد القادر على توفير التكنولوجيا أو التمويل أو الضمانات السياسية. وبالنسبة إلى الرياض، فإن امتلاك بدائل حقيقية يمنحها هامشًا تفاوضيًّا لم يكن متاحًا قبل عقدين. خيارات متعددة ولعلّ ما أوردته وكالة «رويترز» حول تعدد الشركاء المحتملين يؤكد هذه الحقيقة. فالصين، عبر المؤسسة النووية الوطنية المملوكة للدولة، قدّمت عرضًا لبناء محطة نووية، بينما وقّعت شركة «روساتوم» الروسية اتفاقات تعاون أولية مع المملكة، مستفيدة من خبرتها في تنفيذ مشاريع نووية كبرى في المنطقة، أبرزها محطة الضبعة المصرية. كما تبقى كوريا الجنوبية، التي نجحت في إنشاء المفاعلات النووية في الإمارات، وفرنسا، من أبرز المرشحين لدخول هذا السباق. لكن المنافسة هنا لا تدور فقط حول مَن يبني المفاعل، بل حول مَن يرسم معالم العلاقة الاستراتيجية مع السعودية لعقود مقبلة. فالمفاعلات النووية ليست مشاريع قصيرة الأمد، بل ترتبط بعقود تمتد لعشرات السنين، تشمل تشغيل المنشآت، وتوريد الوقود، ونقل التكنولوجيا، والتدريب، والصيانة، وهو ما يجعلها استثمارًا جيوسياسيًّا بقدر ما هي استثمار اقتصادي. أكثر من صفقة لهذا السبب تحديدًا، يبدو أن واشنطن تنظر إلى الملف النووي السعودي باعتباره معركة نفوذ أكثر منه صفقة تجارية. فالقبول بأن تتولى الصين أو روسيا بناء البنية التحتية النووية في أكبر اقتصاد عربي يعني منح منافسين استراتيجيين موطئ قدم طويل الأمد في منطقة ظلّت لعقود ضمن المجال الحيوي الأميركي. في المقابل، تدرك الرياض أن قيمة المشروع لا تكمن فقط في إنتاج الكهرباء أو دعم خطط التحول الاقتصادي ضمن «رؤية 2030»، وإنما في توظيف هذا الاهتمام الدولي لتحقيق أفضل الشروط الممكنة. فكلما ازداد عدد المنافسين، ارتفعت قدرة المملكة على التفاوض بشأن نقل التكنولوجيا، وآليات التمويل، ومستوى التصنيع المحلي، وحتى الشروط السياسية المصاحبة للاتفاقيات. ويبقى الملف الأكثر حساسية هو دورة الوقود النووي، ولا سيما حق تخصيب اليورانيوم داخل المملكة. فهذا البند يمثل نقطة التباين الأساسية بين الرؤية الأميركية، التي تسعى إلى فرض قيود صارمة تحدّ من مخاطر الانتشار النووي، وبين الموقف السعودي الذي يؤكد حقه في امتلاك دورة وقود نووية سلمية، أسوةً بدول أخرى. ومن المرجّح أن يكون مستقبل الاتفاق مرتبطًا بمدى قدرة الطرفين على إيجاد صيغة توازن بين اعتبارات الأمن الدولي وحق المملكة في تطوير برنامجها الوطني. skip render: ucaddon_material_block_quote
منذ سبعينيات القرن الماضي، لم يكن النفط مجرد سلعة، بل كان أداة سياسية حاسمة في رسم موازين القوى الدولية. عندما قرّرت “منظمة الدول العربية المصدّرة للنفط” (أوابك – OAPEC)، بقيادة المملكة العربية السعودية، استخدام “سلاح النفط” خلال أزمة 1973، دخلت في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وحلفائها. يومها، أثبتت الدول النفطية العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية بقيادة الملك فيصل بن عبد العزيز، أنّ بإمكانها التأثير في الاقتصاد العالمي عبر خفض الإنتاج، ما أدّى إلى صدمة اقتصادية كبرى في الغرب، بعدما استغلّت منظمة “أوبك” (OPEC) الأزمة لرفع الأسعار عالميًا. لكن هذه المعادلة لم تبقَ ثابتة. فمنذ الثمانينيات، بدأت واشنطن العمل على تقويض نفوذ “أوبك” عبر تنويع مصادر الطاقة، ودعم الإنتاج خارج المنظمة، وصولًا إلى ثورة النفط الصخري التي جعلت الولايات المتحدة نفسها أحد أكبر المنتجين عالميًا. ومع الوقت، تحوّل الصراع من مواجهة مباشرة إلى لعبة شدّ حبال معقّدة، تشارك فيها عوامل السوق والتكنولوجيا والجغرافيا السياسية. مرحلة جديدة اليوم، يدخل هذا الصراع مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا وخطورة. فمع تصاعد التوترات في مضيق هرمز، الشريان الذي يمرّ عبره نحو خُمس النفط العالمي، لم يعد السعر يُحدَّد فقط بقرارات “أوبك” أو تحالفاتها مثل “أوبك+”، بل بات رهينة الاضطرابات الأمنية والمخاطر الجيوسياسية. أي تهديد للمضيق، سواء عبر تصعيد عسكري أو استهداف ناقلات، يُترجم فورًا إلى قفزات في الأسعار، خارج سيطرة المنتجين أنفسهم. بمعنى آخر، انتقل مركز التحكم من “غرف الاجتماعات” في فيينا إلى “نقاط الاختناق” في البحار. لم تعد “أوبك” قادرة وحدها على ضبط السوق، بل أصبحت مجرد لاعب ضمن منظومة أوسع تتحكم فيها المخاطر، وشركات التأمين، والقوى العسكرية. skip render: ucaddon_material_block_quote هل يستمر الصراع؟ الاحتمال الأكبر هو أن هذا الصراع لن ينتهي، بل سيتحوّل. فبدل أن يكون صراعًا على الإنتاج، سيصبح صراعًا على “الممرات” و”الأمن البحري”. القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ستسعى لضمان حرية الملاحة، بينما ستستخدم قوى إقليمية هذا الضغط كورقة تفاوض. هنا، لا بدّ من التوقف عند كون الدول النفطية نفسها لم تعد كتلة واحدة متماسكة، في ظل إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة انسحابها من “أوبك” وتحالف “أوبك+”، على وقع اختلاف المصالح بين أعضاء التحالف، وصعود منتجين جدد، ما يجعل من الصعب إعادة إنتاج “لحظة 1973″، وما يعني أن الولايات المتحدة الأميركية هي المستفيد الأكبر والأكثر مباشرة من هذا الواقع. بين السوق والطاقة هنا تبرز الصين كلاعب محوري في “امتصاص الصدمة”، وفي مواجهة تحديات كبيرة لتأمين إمداداتها، فهي أكبر مستورد للطاقة من دول الخليج، وفي الوقت نفسه تعتمد بشكل عميق على السوق الأميركية والغربية لتصريف صادراتها. هذا يضع بكين أمام معادلة معقّدة؛ من جهة، فهي تحتاج إلى استقرار إمدادات النفط من دول “أوبك”، وتعزيز “استراتيجية التخزين” التي تعتمدها في بناء احتياطات ضخمة من أجل مواجهة تقلبات الأسعار الناتجة عن تراجع تأثير “أوبك”. ومن جهة أخرى، لا تستطيع المجازفة بعلاقتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة. حتى الآن، تحاول الصين تبنّي سياسة “التوازن الذكي”، أي تعزيز علاقاتها مع الدول النفطية عبر الاستثمارات والشراكات طويلة الأمد، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن. كما تعمل على تقليل اعتمادها عبر تنويع مصادر الطاقة، والاستثمار في الطاقة المتجددة. أين يتجه المشهد؟ يشير المستقبل القريب إلى 3 اتجاهات رئيسية: تآكل دور “أوبك” التقليدي: ستبقى المنظمة مؤثرة، لكنها لن تعود اللاعب المهيمن الوحيد على الأسعار. تصاعد أهمية الجغرافيا السياسية: المضائق البحرية، مثل مضيق هرمز، ستصبح العامل الحاسم في تسعير النفط. ترسيخ “السيادة الأميركية” في سوق الطاقة العالمي. لم يعد النفط مجرد مورد اقتصادي، بل عاد ليكون، كما كان دائمًا، أداة صراع، لكن بأدوات جديدة. وإذا كانت “أوبك” قد سيطرت يومًا على السوق من خلال الإنتاج، فإن عالم اليوم يُدار عبر الممرات، والمخاطر، وحسابات القوى الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية الصين الشعبية. نهاية زمن أوبك… وبداية عصر المضائق، واشنطن تربح من فوضى النفط من يدير اللعبة ؟ على الرغم من الصورة التي توحي بأن الفوضى في مضيق هرمز تُضعف الجميع، فإن قراءة أعمق تكشف أن اللاعب الأكثر قدرة على تحويل هذه الفوضى إلى نفوذ هو الولايات المتحدة. فواشنطن لا تسيطر فقط على جزء كبير من الإنتاج العالمي بفضل النفط الصخري، بل تمسك أيضًا بمفاتيح الأمن البحري، وشبكات التأمين، والنظام المالي الذي تُسعَّر به الطاقة عالميًا، ناهيك عن فنزويلا ونفط إيران في حال احتُلّت جزيرة خرك. في هذا السياق، تتحول الأزمات من تهديد إلى أداة: ارتفاع الأسعار ينعش قطاع الطاقة الأميركي، والتوترات تبرر الحضور العسكري، واضطراب الإمدادات يعزز اعتماد الحلفاء على الحماية الأميركية. أما الصين، فرغم صعودها الاقتصادي، فتبقى في موقع المتأثر أكثر من المؤثر، لأنها تعتمد على تدفق الطاقة عبر ممرات لا تسيطر عليها. هكذا، وبينما يبدو المشهد وكأنه صراع مفتوح بين قوى متعددة، تميل الكفة في النهاية لصالح من يملك القدرة على إدارة الفوضى، لا فقط على التكيف معها. وفي هذه اللعبة تحديدًا، لا تزال الولايات المتحدة تمسك بالخيوط الأساسية، وتخرج ـ حتى الآن ـ بوصفها المستفيد الأكبر، لا المتضرر الأكبر كما يعتقد ويحلّل وينظّر البعض. * أمين عام “تيار المستقبل”
في القراءة السطحية لسياسات دونالد ترامب، تبدو تحرّكاته في نظر كثيرين متقلّبة أو اندفاعية. لكن هذا الانطباع يُخفي تصورًا أكثر ترابطًا، يقوم على التعامل مع الطاقة بوصفها أداة جيوسياسية، وعلى تحويل بؤر التوتر إلى أوراق ضغط في المواجهة مع الصين ما يُساء فهمه ليس فقط طبيعة التصعيد مع إيران، بل أيضًا كيفية إدراج ملفات بعيدة جغرافيًا، مثل فنزويلا، ضمن المعادلة نفسها. فهذه الملفات لا تتحرك، في هذا المنظور، كأزمات منفصلة، بل كعناصر متكاملة داخل استراتيجية واحدة، هدفها النهائي إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي عبر التأثير في شرايين الطاقة ومساراتها. رافعة النفوذ منذ البداية، تعامل ترامب مع ملف الطاقة باعتباره رافعة نفوذ عالمي، لا مجرد قطاع اقتصادي. وهذا ينسجم مع نزعة أميركية قديمة سعت إلى الحد من قدرة تحالفات المنتجين، وفي مقدمها OPEC+، على التأثير المنفرد في أسعار النفط العالمية. فاستقلال القرار النفطي للدول المنتجة، وتنسيقها فيما بينها، شكّلا تاريخيًا تحدّيًا لواشنطن، التي حاولت دائمًا كسر هذا الاحتكار أو على الأقل تحييده. من هنا، يمكن قراءة استراتيجية ترامب على أنها محاولة لإعادة توزيع أدوات التأثير في السوق، بحيث لا تبقى الأسعار رهينة تكتلات المنتجين وحدها، بل تصبح خاضعة لتوازنات أوسع تمتلك الولايات المتحدة قدرة أكبر على إدارتها أو التأثير فيها. في هذا السياق، يبرز مضيق هرمز بوصفه نقطة اختناق مركزية في النظام الطاقوي العالمي. فالمضيق ما يزال معبرًا حاسمًا للتجارة النفطية والغازية، وتذهب النسبة الأكبر من تدفقاته إلى الأسواق الآسيوية، فيما تُعدّ الصين، إلى جانب الهند واليابان وكوريا الجنوبية، من أبرز المتلقين لهذه الإمدادات. لذلك، فإن أي تهديد مستدام لحركة العبور فيه ينعكس مباشرة على الاقتصادات الآسيوية أكثر مما ينعكس على الولايات المتحدة نفسها. من مضيق هرمز إلى نفط فنزويلا، لم تكن أزمات ترامب متناثرة، بل أجزاءً من استراتيجية واحدة: نقل التحكم بشرايين الطاقة من المنتجين إلى واشنطن، ووضع الصين تحت ضغط سوقٍ لا تملك مفاتيحه الضغط الأقصى ضمن هذا الإطار، يصبح التصعيد مع إيران جزءًا من استراتيجية أوسع. فسياسة “الضغط الأقصى” لا تُفهم فقط باعتبارها محاولة لتعديل سلوك طهران، بل أيضًا كوسيلة لإبقاء سوق الطاقة في حالة توتر محسوب، بما يرفع الكلفة على الخصوم الكبار ويزيد هشاشة استقرارهم الاقتصادي. وتكتسب هذه المقاربة وزنًا إضافيًا حين تُقرَن بملفات أخرى، مثل فنزويلا، حيث سعت إدارة ترامب إلى توسيع نفوذها على مسارات بيع النفط وعائداته، في خطوة لها بُعدٌ طاقوي وجيوسياسي معًا. أما فنزويلا، فلا تظهر هنا كملف لاتيني معزول، بل كجزء من الخريطة نفسها. فالصين كانت المشتري الأكبر أو الأهم للنفط الفنزويلي، كما راكمت هناك انكشافًا ماليًا كبيرًا عبر القروض المرتبطة بالنفط. ولذلك، فإن أي انتقال في السيطرة على عائدات هذا القطاع، أو في وجهة صادراته، لا يطال كاراكاس وحدها، بل يطال أيضًا إحدى نقاط الارتكاز الصينية في نصف الكرة الغربي. غير أن هذه الاستراتيجية لا تقوم على التصعيد وحده. فوجهها الآخر هو القدرة على عقد تفاهمات تعيد ضبط التوتر عند الحاجة. وهنا تكمن ميزة الجمع بين الضغط والاحتواء: رفع منسوب التوتر عندما تقتضي المصلحة، وخفضه عندما يحين وقت جني المكاسب السياسية أو الاقتصادية. بهذا المعنى، لا تكون واشنطن معنية فقط بإشعال الأزمات، بل أيضًا بإدارة إيقاعها. من هرمز إلى كاراكاس.. كيف يوظّف ترامب النفط في تطويق الصين وفي هذا السياق، يكتسب البعد الرمزي أهمية خاصة. ففي 5 سبتمبر 2025، وقّع ترامب أمرًا تنفيذيًا أعاد فيه استخدام “Department of War” و“Secretary of War” كألقاب ثانوية بديلة داخل المراسلات والسياقات غير التشريعية، مع بقاء الاسم القانوني الرسمي “Department of Defense”. هذا لا يغيّر البنية القانونية للمؤسسة، لكنه يكشف تحوّلًا في الخطاب، من منطق الدفاع إلى منطق إبراز الجهوزية للمبادرة وفرض الإرادة. وهكذا، لا تبدو هذه السياسات متناقضة بقدر ما هي متعددة الأدوات ضمن هدف واحد. عبر إيران ومضيق هرمز، وعبر فنزويلا واحتياطياتها، وعبر السعي إلى تقليص قدرة تحالفات المنتجين على الإمساك بالسوق، تتشكّل مقاربة تحاول نقل مركز التأثير في سوق الطاقة من توازنات المنتجين وحدها إلى شبكة أوسع تتحرك فيها الولايات المتحدة من موقع القيادة والضغط. وفي عالم يتوقف فيه صعود القوى الكبرى على استقرار مواردها وممرّاتها، يصبح التحكم بهذا الاستقرار، أو القدرة على زعزعته عند الضرورة، أحد أبرز مفاتيح القوة في القرن الحادي والعشرين * الأمين العام ل"تيّار المستقبل"