صاحب «نهاية التاريخ» يراجع أفكاره بعد 37 عاماً، لكن مراجعة فرانسيس فوكوياما تكشف شيئاً أعمق من خطأ مفكّر؛ إنها تكشف أزمة الغرب نفسه، حيث تتآكل الثقة بالديمقراطية الليبرالية، وتصعد الشعبوية، وتتراجع هيبة المؤسسات، ويبحث الإنسان الغربي من جديد عن معنى يتجاوز الاستهلاك والرفاه. في عام 1989، بدا العالم وكأنه يمنح فوكوياما الدليل الذي يحتاجه. جدار برلين يتهاوى، والاتحاد السوفييتي يترنّح، والليبرالية الغربية تبدو وكأنها خرجت منتصرة من القرن الأكثر دموية في التاريخ الحديث. لذلك، تحوّلت عبارة «نهاية التاريخ» إلى واحدة من أشهر الأطروحات السياسية في العصر الحديث، وإن كانت قد اختُزلت لاحقاً إلى معنى لم يقصده صاحبها. لم يقل فوكوياما إن الحروب ستنتهي أو إن العالم سيصبح ديمقراطياً بين ليلة وضحاها، وإنما رأى أن الديمقراطية الليبرالية لم تعد تواجه منافساً أيديولوجياً قادراً على تقديم نموذج أكثر إقناعاً للإنسان. لكن المفارقة التي يواجهها اليوم أن الأزمة لم تأتِ فقط من خارج الغرب، بل بدأت من داخله. فالذي يتعرّض للاختبار الآن ليس انتصار الغرب على خصومه، وإنما قدرة الغرب على الاستمرار في الإيمان بالنظام الذي أعلن انتصاره. الشك في النموذج بعد نهاية الحرب الباردة، بدا أن الغرب دخل مرحلة تاريخية جديدة تقوم على اقتصاد السوق، والديمقراطية التمثيلية، والعولمة، والتوسع التجاري، وتراجع الحدود أمام رأس المال والتكنولوجيا. غير أن العقود التالية كشفت وجهاً آخر للصورة: حروب مكلفة، وأزمات مالية، وتفاوت اقتصادي، وتراجع في الثقة بالمؤسسات، واستقطاب اجتماعي حاد، وهجرة تحوّلت في بعض المجتمعات إلى قضية وجودية، ثم انفجار وسائل التواصل الاجتماعي التي حوّلت المجال العام إلى ساحة دائمة للغضب والتعبئة. من هنا، يصبح دونالد ترامب أكثر من مجرد ظاهرة أميركية. إنه أحد أعراض الأزمة الغربية، لأنه تمكّن من تحويل شعور قطاعات واسعة من المجتمع بأن النخب السياسية والثقافية والاقتصادية لم تعد تمثلها إلى مشروع سياسي قائم على استعادة الاعتبار والهوية والقوة الوطنية. وهنا تحديداً، يعود فوكوياما إلى مفهوم «الثيموس»، أي حاجة الإنسان إلى الاعتراف بكرامته ومكانته. فالإنسان الذي يحصل على السلع والخدمات، لكنه يشعر بأنه محتقر أو منسي، يمكن أن يتحوّل إلى قوة سياسية غاضبة، حتى لو لم يكن يعاني بالضرورة من الفقر أو الحرمان. skip render: ucaddon_material_block_quote أزمة المعنى قبل أزمة الاقتصاد ربما تكمن أكثر أفكار فوكوياما إثارة في أنه أدرك مبكراً أن استقرار الديمقراطيات الليبرالية قد يُنتج مشكلة من نوع آخر. فعندما تختفي القضايا الكبرى، ويتحوّل الصراع السياسي إلى إدارة للاقتصاد وتحسين للخدمات وحسابات تقنية، قد يشعر الإنسان بأن شيئاً أساسياً انتُزع من حياته. وهذا ما يبدو اليوم في الغرب بصورة واضحة. فالمشكلة ليست فقط في التضخم أو أسعار السكن أو الهجرة أو البطالة، وإنما في شعور قطاعات متزايدة بأن المجتمعات التي تعيش فيها فقدت اتجاهاً واضحاً، وأن النخب تتحدث بلغة المؤسسات والأرقام، فيما يبحث المواطن عن إجابة أبسط: من نحن؟ وإلى أين نذهب؟ ومن يحترمنا؟ ولهذا، لا ينبغي النظر إلى صعود الشعبوية باعتباره مجرد تمرد على النخب، بل باعتباره أيضاً تمرداً على فراغ المعنى الذي أنتجته مرحلة ما بعد الحرب الباردة. الغرب الذي خاف من الديمقراطية المفارقة الأكثر قسوة أن النموذج الذي أراد فوكوياما أن يراه نهاية للصراع أصبح اليوم يعاني أزمة ثقة داخلية. فالديمقراطية لم تعد مهددة فقط بانقلاب عسكري أو نظام شمولي، وإنما يمكن أن تتآكل من داخل صناديق الاقتراع نفسها، عندما تفقد المؤسسات احترامها، وعندما تتحوّل السياسة إلى معركة هويات، وعندما يصبح الخصم السياسي عدواً يجب التخلص منه، لا مواطناً يجب التعايش معه. هنا، يصبح ترامب جزءاً من السؤال الأكبر: هل تستطيع الديمقراطية الليبرالية أن تدافع عن نفسها من دون أن تتحوّل إلى نظام مغلق يخشى الغضب الشعبي، أو إلى شعبوية تطيح بالضوابط التي تحمي الديمقراطية من نفسها؟ فوكوياما نفسه لم يعد يملك إجابة نهائية، وهو يعترف بذلك ضمناً عندما يقرّ بأن حرب العراق وأزمة 2008 أجبرتاه على إعادة النظر في قناعات أساسية حول القوة والأسواق والدولة. الديمقراطية لم تعد مهددة فقط من خارجها؛ يمكن أن تتآكل من داخل صناديق الاقتراع نفسها التاريخ لم ينتهِ لذلك، فإن القيمة الحقيقية لمراجعة فوكوياما ليست في الاعتراف بأنه أخطأ أو أصاب، بل في أنها تأتي من داخل المدرسة الفكرية التي اعتقدت أن الغرب وصل إلى المحطة الأخيرة في تطوره السياسي. التاريخ لم ينتهِ، لكن الأخطر بالنسبة إلى الغرب أن التاريخ عاد إليه هو نفسه؛ عاد في صورة شعبوية، واستقطاب، وحروب، وأزمات ثقة، وصراع على الهوية، وشكّ في المؤسسات، وتراجع في اليقين بأن النموذج الغربي هو بالضرورة المستقبل الذي سيتبنّاه الجميع. وهنا تصبح عبارة فوكوياما أكثر تعقيداً مما بدت عليه عام 1989. فـ«نهاية التاريخ» ربما لم تكن نهاية الصراع، بل نهاية وهم أن الغرب يستطيع أن يعتبر انتصاره حقيقة مكتملة لا تحتاج إلى مراجعة. لقد ظنّ الغرب أنه انتصر على التاريخ، ثم اكتشف أن التاريخ لا ينتقم من المهزومين فقط؛ أحياناً يعود ليختبر المنتصرين أيضاً.
تنفتح الشاشة على اتساع موحش، اتساع لا يملك المشاهد أمامه سوى الصمت والامتثال لسطوة الصورة السينمائية التي تتجاوز مجرد سرد الحكاية البصرية إلى ملامسة الوجود الإنساني في أقصى تجلياته هشاشةً وعزلةً. يأتي فيلم «أحلام قطار» (Train Dreams)، المقتبس عن رواية الكاتب الأمريكي دينيس جونسون، كواحد من أكثر الأعمال السينمائية عمقًا وشاعريةً في الألفية الجديدة، مقدمًا مرثية سينمائية استثنائية عن الغرب الأمريكي في مطلع القرن العشرين من خلال سيرة حافلة بالصمت والأسى لعامل السكك الحديدية والحطاب روبرت غرينير، الذي يجسده الممثل جويل إجيرتون بأداء داخلي متقشف يقترب من التعبد الصوفي. إن هذا الفيلم لا يكتفي بإعادة قراءة التاريخ الرسمي للتوسع الإمبراطوري الأمريكي وبناء الدولة على أكتاف المقهورين، بل يحوله المخرج كلينت بنتلي إلى تأمل بكتلة الزمن، وإلى مساءلة نقدية جريئة لطبيعة الرأسمالية الوليدة وجشعها الذي لم يتوقف عن التهام الأرض والبشر، تاركًا خلفه ندوبًا روحية وبيئية لا تبرأ. بصمات تيرينس مالك يتجلى التأسيس الجمالي والأسلوبي لـ«أحلام قطار» عبر رافدين عظيمين من روافد السينما العالمية، حيث يبدو تأثر كلينت بنتلي بأسلوب المخرج الأمريكي الكبير تيرينس ماليك واضحًا ومهيمنًا منذ اللقطات الأولى. يتبنى الفيلم تلك الكاميرا الانسيابية، المتأملة، التي تتحرك برفق بين حفيف الأشجار وضباب الجبال الصخرية في أقصى الشمال الغربي لملامسة جلال الطبيعة. إن الطبيعة هنا، تمامًا كما في روائع ماليك مثل «أيام الجنة» أو «الخط الأحمر الرفيع»، ليست مجرد خلفية جغرافية تجري الأحداث أمامها، بل هي كائن حي، قوة ميتافيزيقية واعية، تمتلك لغتها الخاصة التي تتحدث عبر الضوء المنسل عبر الأغصان، وجريان المياه الشاهدة على الفناء البشري. هذا المد الرعوي الشاعري يتداخل فيه الحلم بالواقع، حيث اللقطات الطويلة المترددة التي تمنح المشاهد فرصة لتنفس المكان واختبار ثقل الزمن والوحدة الوجودية التي تلتف حول عنق البطل روبرت غرينير بعد فقده المأساوي لزوجته وابنته. skip render: ucaddon_material_block_quote نيران تاركوفسكي بالموازاة مع هذه الجمالية الماليكية، يستعير بنتلي روحية المعمار البصري والصوفي لدى المخرج الروسي الشهير والعملاق أندريه تاركوفسكي. يظهر هذا التأثر جليًا في كيفية التعامل مع العناصر الطبيعية الأربعة، وتحديدًا الماء والنار، بوصفها أدوات للتطهر العقابي أو الفجيعة الكونية. إن المشهد العظيم للحريق الكارثي الذي يلتهم الغابة ويدمر الكوخ المعزول، مقتلعًا عائلة غرينير من الوجود، يُدار بأسلوب تاركوفسكي خالص، حيث الكاميرا ترصد الكارثة ببطء وجنائزية، محولةً النار من حدث فيزيائي عابر إلى تجلٍّ لغضب الطبيعة واختلال التوازن الإنساني. هذا الإيقاع السينمائي المتمهل، والتركيز على الوجوه المتعبة الصامتة، واستنطاق الجماد والخراب، يعيد إلى الأذهان سينما التطهر والمكاشفة الروحية التي برع فيها المخرج الروسي، حيث تصبح تضاريس الأرض مرآة للخراب الداخلي الذي يعيشه الإنسان المطرود من جنته البدائية بفعل آلات الحداثة والجشع. سقوط حر بين هذين القطبين الأسلوبيين، يبرز التوظيف السياسي المعاصر لقضية التنوع العرقي في أمريكا، ليعيد قراءة الأيديولوجية التأسيسية التي بُنيت عليها الرأسمالية الأمريكية من خلال سلسلة من المواجهات العرقية الصادمة التي يمر بها البطل أو يشهد عليها. لا يقدم الفيلم هذه القضايا بشكل وعظي مباشر، بل يدمجها بذكاء شديد كجزء من بنية العنف التأسيسي للنظام الجديد الحاكم. يتمثل المشهد الأول في تلك الحادثة البشعة التي يتواطأ فيها عمال السكك الحديدية البيض، ومن بينهم غرينير بدافع الخوف السلبي، في رمي العامل الآسيوي من أعلى الجسر الخشبي الشاهق الذي يشيدونه وسط الجبال. إن رمي الصيني، المستجلب كعمالة رخيصة ومسحوقة لبناء شبكة المواصلات الرأسمالية، يختزل كيف تخلصت النخبة البيضاء تاريخيًا من فائض العمالة العرقية بعد استنزاف دمائهم. هذا السقوط الحر للجسد الآسيوي في الهاوية يظل يتردد كصوت ضمير معذب في خلفية الفيلم، مؤكدًا أن الحداثة الأمريكية والقطارات التي تعبر القارة لم تُسيَّر بالبخار، بل بدماء الملونين المنسيين والمنبوذين. انتقام تاريخي في سياق متصل، يأتي الخط الدرامي المتعلق بالانتقام الأسود كإدانة حادة لتوظيف الدين في شرعنة الجرائم الرأسمالية والعرقية. نتابع في الفيلم تلك الشخصية الملتفة بالهيبة الزائفة، شخصية المتدين المهووس بالكتاب المقدس، الذي لا يكف عن الوعظ والترتيل واقتباس الآيات ليبرر موقعه الأخلاقي المزعوم وسط هذا العالم القاسي. غير أن البنية السردية للفيلم تفكك هذا القناع بضراوة عندما يتضح في نهاية المطاف أن هذا المتدين المتشدد ليس سوى قاتل سادي ومجرم متسلسل، يختبئ خلف النصوص المقدسة ليمارس أبشع أنواع التنكيل بالآخرين. يأتي الانتقام الذي يمارسه الرجل الأسود ضد هذا القاتل المتستر بالدين ليمثل لحظة انفجار تاريخي طال انتظاره، إنه رد فعل عنيف على قرون من القمع الذي استخدم الصليب والنص الديني لتبرير العبودية والقتل. هذا الصدام لا يمثل تصفية حسابات فردية بقدر ما هو إشارة سياسية معاصرة شديدة الصراحة والجرأة تكشف زيف الخطاب الأخلاقي السائد وتبشر بانهيار الهيمنة البيضاء القائمة على النفاق الروحي والمادي. القطارات التي عبرت القارة لم تُسيَّر بالبخار وحده، بل بدماء الملوّنين والمنسيين لفتة نبيلة أما المعادل الإنساني الأكثر نبلًا في هذه الجغرافيا المعذبة، فيأتي من خلال علاقة روبرت غرينير بالهندي الأحمر، الذي يمثل الضحية التاريخية الكبرى لعملية الإبادة التأسيسية لأمريكا. يمتلئ هذا السطر البصري بكثير من الدفء والأسى المشترك، حيث يبدي هذا البديل الإنساني المنسحق كرمًا لا متناهيًا وتسامحًا يثير الدهشة، فيحن على البطل الأبيض الذي فقد كل شيء وهام في البرية كالمجانين. هذا الهندي الأحمر، رغم كل ما لحق بشعبه وأرضه من دمار ومحو على أيدي أسلاف غرينير، يظهر كحارس للقيم الكونية الأصيلة، يقدم العون للقاتل التاريخي في لحظة ضعفه الإنساني، في التفاتة سينمائية غاية في الرقة والتأثير تؤكد على كرم هذه الضحية التي ترفض النزول إلى مستوى وحشية الجلاد، بل تحنو عليه لتعلمه معنى التناغم مع الوجود الأخلاقي مجددًا. إنها مواجهة صامتة بين حضارتين: حضارة الآلة والجشع التي يمثلها غرينير رغمًا عنه، وحضارة الروح والأرض الكريمة التي يرفض الهندي الأحمر التخلي عنها حتى وهو يعيش في الهامش المطلق. تتقاطع هذه الخطوط السياسية والجمالية كلها لتصب في الرسالة الفلسفية والبيئية الكبرى التي يحملها الفيلم؛ وهي أن انتهاك الطبيعة وجشع الرأسمالية المتوحشة لا بد أن يرتد على الإنسان عاجلًا أم آجلًا وينتقم منه بلا رحمة. إن عمل روبرت غرينير ورفاقه يتلخص في قطع الأشجار الشاهقة، وتفجير الجبال الصخرية، وشق صمت الوديان البكر لوضع قضبان السكك الحديدية التي ترمز لتوغل الآلة الرأسمالية واغتصابها للمجال الطبيعي. هذا التدمير المنظم والممنهج للبيئة من أجل تحقيق الأرباح السريعة وتوسيع الإمبراطورية التجارية لا يمر دون عقاب كوني. الحريق الهائل الذي يأتي على الأخضر واليابس، والذي يبدد حياة البطل ويحرمه من عائلته، ليس سوى تجسيد مادي لانتقام الأرض ورد فعلها الدفاعي ضد الطعنات المتتالية التي يوجهها الإنسان المعاصر لجسدها. يتضح من خلال المعالجة السينمائية الفذة أن الطبيعة قادرة على استرداد توازنها بعنف مماثل، وأن جشع الإنسان الذي يظن نفسه سيدًا على الكون ينتهي به الأمر وحيدًا، عاريًا، ومحطمًا وسط الغابات التي حاول إخضاعها. skip render: ucaddon_box_testimonial
تتداول مواقع التواصل الاجتماعي تعليقًا منسوبًا إلى أحد الأميركيين، قيل إنه نشره على موقع CNN، يقوم على فكرة تبدو للوهلة الأولى ساخرة، لكنها تختزل واحدة من أكثر المغالطات انتشارًا في النقاش الغربي حول المسلمين والعالم العربي: «المسلمون ليسوا سعداء في غزة ومصر والسعودية وليبيا والمغرب والعراق وإيران وسوريا واليمن وباكستان وأفغانستان، لكنهم سعداء في أستراليا والسويد والولايات المتحدة والنرويج وهولندا والدنمارك». ثم تأتي الخلاصة الأكثر استفزازًا: إنهم لا يلومون قادتهم ولا أنفسهم، بل يلومون الدول غير الإسلامية التي وجدوا فيها السعادة، ويريدون تحويلها إلى نماذج تشبه البلدان التي هربوا منها. المشكلة ليست في أن صاحب التعليق يطرح سؤالًا يستحق النقاش، بل في أنه يقدّم إجابة جاهزة قبل السؤال، ويحوّل ملايين البشر إلى كتلة واحدة، ثم يقيس علاقة معقدة بين الإنسان والدولة والدين والاقتصاد والحرية والأمن بمسطرة واحدة اسمها «الإسلام». والأخطر أن الصيغة المتداولة لا تبدو موثقة بوصفها تصريحًا أصليًا من CNN، إذ تنتشر أساسًا عبر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي من دون دليل موثوق على أنها مادة صادرة عن الشبكة نفسها. وهذه ليست مسألة هامشية في زمن تتحول فيه جملة مجهولة المصدر إلى «حقيقة» لمجرد إعادة نشرها آلاف المرات. لكن، بعيدًا عن صاحب العبارة ومصدرها، ثمة سؤال أكثر قسوة ينبغي أن نطرحه نحن على أنفسنا: لماذا ينجح عدد كبير من المسلمين والعرب في بناء حياة أفضل عندما ينتقلون إلى دول ذات مؤسسات أكثر استقرارًا، فيما تعجز دولهم عن توفير الحد الأدنى من الأمان والعدالة والفرص؟ هنا يبدأ النقاش الحقيقي؛ لأن المشكلة ليست في المسلم الذي وجد فرصة أفضل خارج بلده، بل في الدولة التي جعلت تلك الفرصة مستحيلة داخله. skip render: ucaddon_material_block_quote ليست المشكلة في الإسلام لو كانت العقيدة الدينية العامل الحاسم في تحديد سعادة الإنسان، لكان من الصعب تفسير وجود دول مسلمة تتقدم في مؤشرات الرفاه والاستقرار، مثل الإمارات والسعودية، اللتين جاءتا في مراتب متقدمة عالميًا في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، بينما جاءت الولايات المتحدة في مرتبة قريبة منهما. وفي المقابل، تتقدم دول غير مسلمة كثيرة، فيما تعاني أخرى ذات غالبية مسيحية أو علمانية من الفقر والحروب والانهيار. لذلك فإن اختزال المسألة في معادلة «مسلم = تعيس» و«غير مسلم = سعيد» ليس تحليلًا، بل تبسيط أيديولوجي لا يصمد أمام الواقع. المسألة، في جوهرها، ليست «مسلمين في مواجهة غير المسلمين»، بل دولة في مواجهة دولة، ومؤسسات في مواجهة مؤسسات، وقانون في مواجهة الفوضى، ومساءلة في مواجهة الإفلات من العقاب، واقتصاد منتج في مواجهة اقتصاد ريعي، ومواطن صاحب حقوق في مواجهة مواطن لا يُراد له إلا أن يكون تابعًا. وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا للأنظمة العربية والإسلامية: لماذا يستطيع الطبيب العربي أن يجد مختبرًا أفضل في أوروبا، والمهندس وظيفة أكثر استقرارًا في أميركا، والطالب جامعة أكثر تنظيمًا في بريطانيا، والعامل حماية قانونية أكبر في أستراليا، ثم يعود إلى بلده ليجد دولة تعجز عن منحه الكهرباء والماء والدواء والعمل والعدالة؟ هل المشكلة في عقيدته، أم في الدولة التي استهلكت الدين سياسيًا ولم تتعلم كيف تبني مؤسسة؟ الغرب لم يجعل المسلمين سعداء لأنه «غير إسلامي»، بل لأن عددًا من دوله استطاع، بدرجات متفاوتة، بناء منظومات تجعل حياة الإنسان أقل اعتمادًا على مزاج الحاكم والطائفة والحزب والزعيم والوسيط. لبنان… المختبر الأكثر فجاجة لعل لبنان هو المثال الأكثر وضوحًا على سقوط هذه الحجة. فهو ليس دولة إسلامية أصلًا، بل بلد متعدد الطوائف والأديان، يعيش فيه المسلم والمسيحي والعلماني والملحد، ويتحدث الجميع عن الحداثة والديمقراطية والتعايش، فيما بقيت الدولة أسيرة نظام سياسي قائم على تقاسم النفوذ والمصالح والولاءات. ومع ذلك، انهار البلد في واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية والمالية، وخسر سعر صرف الليرة القسم الأكبر من قيمته، ودُفعت أعداد ضخمة من اللبنانيين نحو الفقر والهجرة. فهل يمكن وضع ذلك على حساب الإسلام؟ بالطبع لا. المشكلة اللبنانية لم تكن في صلاة اللبناني ولا في طائفته ولا في كتابه الديني، بل في نظام سياسي قائم على المحاصصة والزبائنية، وفي طبقة سياسية حوّلت الدولة إلى مجموعة حصص، والمؤسسات إلى ممرات للمحسوبيات، والاقتصاد إلى شبكة مصالح، والمواطن إلى زبون انتخابي. وقد خلصت تقارير دولية عديدة إلى أن جذور هشاشة لبنان مرتبطة بترتيبات تقاسم السلطة بين النخب، والولاءات الطائفية والرعاية السياسية، وما نتج منها من ضعف الخدمات العامة والفساد وغياب المساءلة وتفاقم عدم المساواة. وهنا يمكن قلب السؤال المتداول رأسًا على عقب: إذا كان المسلم اللبناني يستطيع أن يعيش في لندن أو سيدني أو ستوكهولم وفق القانون نفسه الذي يحمي المسيحي واليهودي والملحد، فلماذا يفشل النظام اللبناني في تأمين الحقوق نفسها له داخل لبنان؟ هذه ليست إدانة للإسلام، بل إدانة للدولة وللطريقة التي أُدير بها البلد، وللنخب التي جعلت الطائفة بديلًا عن المواطنة، والزعيم بديلًا عن المؤسسة، والولاء الشخصي بديلًا عن القانون. لسنا نهرب من أوطاننا بالضرورة… بل من الطريقة التي أُديرت بها أوطاننا لماذا يهاجر الناس؟ المهاجر لا يهرب بالضرورة من دينه، بل من غياب الفرصة والخوف والفساد والحرب وانهيار العملة والمحسوبية، ومن دولة تطلب منه الولاء قبل أن تقدم له حقه. والدليل أن الهجرة لا تسير على أساس ديني بسيط. الناس ينتقلون إلى حيث توجد الفرص، وحيث يستطيعون حماية أطفالهم ومستقبلهم، وحيث يشعرون أن القانون قادر على حمايتهم حتى عندما لا يكونون أصحاب نفوذ. والسؤال الأشد إحراجًا للأنظمة التي تتهم مهاجريها بعدم الولاء هو: لماذا يبقى المهاجر مرتبطًا بوطنه عاطفيًا وماليًا، ويرسل الأموال إليه، ويبني بيتًا فيه، ويموّل أسرته ويستثمر فيه، رغم أنه وجد في الخارج شروطًا أفضل للحياة؟ لأنه لم يهرب من وطنه بالضرورة، بل ربما هرب من الطريقة التي أُدير بها وطنه. السعادة ليست مالًا فقط لكن لا ينبغي الوقوع في المغالطة المعاكسة. فالغرب ليس جنة، وليس كل مسلم يصل إلى أوروبا أو أميركا يصبح سعيدًا تلقائيًا. تقرير السعادة العالمي لا يقيس السعادة بمعنى الابتسامة أو الثراء وحدهما، بل يتقاطع مع عناصر مثل الدعم الاجتماعي، والحرية في اتخاذ القرارات، ومتوسط العمر الصحي، والدخل، والنظرة إلى الفساد. كما يشير إلى تراجع ملحوظ في سعادة الشباب في عدد من الدول الغربية خلال العقود الأخيرة. أي إن النموذج الغربي نفسه ليس بلا عيوب، لكنه يمتلك في عدد من دوله شيئًا بالغ الأهمية: مؤسسات قادرة على الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها. الدولة الناجحة ليست التي لا تخطئ، بل التي تسمح للمواطن بأن يقول للحاكم إنه أخطأ، ثم تملك مؤسسات قادرة على محاسبته. أما الدولة الفاشلة فهي التي تقنع المواطن بأن المشكلة دائمًا في الخارج، وفي المؤامرة، والاستعمار، والطائفة الأخرى، والغرب، وإسرائيل، وأميركا، والإعلام، و«الأعداء»؛ أي في كل شيء إلا في المرآة. لبنان لم ينهَر بسبب الغرب لننظر إلى لبنان مجددًا. عندما انهارت المصارف، لم تكن السويد أو الدنمارك من أغرقتا لبنان