حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial لقد بعث الله رسوله ﷺ في مجتمع يعرف الإبل، ويزرع النخيل، ويتاجر في الأسواق، ويركب السفن، فخاطب الناس بما يألفون، وضرب لهم الأمثال ممّا يرونه كل يوم. ولم تكن الإبل مقصودة لذاتها، ولا النخيل غاية في نفسه، وإنما كانت وسائل لإيصال حقائق خالدة. ولهذا يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾. لسان القوم والتأمل في هذه الآية يفتح بابًا مهمًّا للتفكير. فهل المقصود بـ«لسان القوم» اللغة التي ينطقون بها فحسب؟ أم أن اللسان يشمل أيضًا عالمهم الذهني، وصورهم الثقافية، ومفرداتهم اليومية، والطريقة التي يفهمون بها الحياة؟ إذا كان الإنسان المعاصر يعيش بين الهواتف الذكية، والذكاء الاصطناعي، ووسائل التواصل الاجتماعي، والاقتصاد الرقمي، فمن الطبيعي أن يحتاج الخطاب الدعوي إلى أمثلة تستمد مادتها من هذا الواقع، تمامًا كما استمدت الأمثلة النبوية مادتها من واقع القرن السابع الميلادي. ليس في ذلك تغيير للدين، بل هو تطبيق لمنهج الدين نفسه. فالصدق لا يتغيّر، والعدل لا يتغيّر، والأمانة لا تتغيّر، والرحمة لا تتغيّر. لكن الصورة التي نشرح بها هذه القيم يمكن أن تتغيّر، لأنها وسيلة وليست غاية. فعندما نحذّر اليوم من نشر الشائعات عبر وسائل التواصل، فإننا نترجم قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى واقع رقمي جديد. وعندما نتحدث عن مسؤولية الإنسان في استخدام الذكاء الاصطناعي دون أن يفقد استقلاله العقلي، فإننا نستحضر مقصد الشريعة في حفظ العقل، لا نصوغ دينًا جديدًا. وعندما ندعو الآباء إلى أن يمنحوا أبناءهم وقتًا واهتمامًا بدلًا من الاكتفاء بشراء الأجهزة الإلكترونية، فإننا نُفعّل المعاني نفسها التي جعلت الأسرة لبنة المجتمع الأولى. الثبات والجمود إن المشكلة لا تكمن في ثبات النصوص، وإنما في جمود بعض طرق عرضها. فكثيرًا ما نخلط بين قدسية الوحي وقدسية الأسلوب التاريخي الذي قُدِّم به. فنحافظ على الوسيلة كما لو كانت جزءًا من الرسالة، مع أن الرسالة نفسها جاءت لهداية الإنسان في كل عصر. لقد نجح الإسلام في مخاطبة العربي والفارسي والرومي والحبشي، ثم نجح في الوصول إلى أمم وثقافات لم تعرف الصحراء ولا الإبل ولا النخيل. ولو كانت الأمثلة التاريخية هي المقصودة لذاتها، لما تجاوز الإسلام حدود الجزيرة العربية. إن تجديد الخطاب الديني لا يعني إعادة كتابة الدين، ولا تعديل النصوص، ولا المساس بالثوابت. إنه يعني أن تبقى المعاني الخالدة قادرة على الوصول إلى الإنسان المعاصر بلغته، وأسئلته، وتحدياته، دون أن تفقد أصالتها. ويبقى السؤال مفتوحًا للتأمل: لو دخل النبي ﷺ اليوم إلى كثير من مساجدنا، واستمع إلى بعض خطاباتنا الدينية، هل سيجد أننا نتحدث بلغة تُقرّب الناس من القرآن، أم بلغة تجعل بعضهم يشعر أن الدين يتحدث عن عالم مضى أكثر ممّا يتحدث عن العالم الذي يعيش فيه؟ ليس المقصود من هذا السؤال تقديم جواب قاطع، وإنما دعوة إلى التفكير في مسؤولية العلماء والدعاة والمثقفين. فثبات الرسالة لا يعني جمود وسائل تبليغها، بل لعلّ من الوفاء للرسالة أن تظل قادرة على مخاطبة كل إنسان… بلسان قومه.