في الجغرافيا السياسية لمضيق هرمز، تستقر قاعدة غير مكتوبة: من يمرّ لا يملك، ومن يسيطر يتحكّم. هذه المعادلة حكمت لعقود سلوك إيران، التي احتفظت بورقة المضيق، تلوّح بإغلاقه كلما أرادت رفع كلفة المواجهة، وتستخدمه أداةَ ردع تُرهق الأسواق العالمية. غير أن اندلاع الحرب الأخيرة يوحي بأن القاعدة تتعرّض لإعادة صياغة. في واشنطن، تبدو إدارة دونالد ترامب أقلّ ميلاً إلى الاكتفاء بإعادة فتح الممر، وأكثر اندفاعًا نحو إعادة تعريفه على نحو دائم. الإشارات الأولية، التي كشف بعضها المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية مايك بومبيو، تتجاوز هدف “تأمين الملاحة” إلى مشروع أوسع: خفض المخاطر على المدى الطويل عبر تفكيك مصادر التهديد. المؤشرات العملياتية تتحدث عن مسار متعدد المراحل: تحييد القدرات الإيرانية القادرة على استهداف السفن، إزالة الألغام، وضرب البنى التي تمكّن من تعطيل المرور. لكن المرحلة الأكثر حسمًا تكمن في فرض واقع ميداني جديد يعيد توزيع عناصر القوة داخل المضيق نفسه. هنا يبرز العامل الحاسم: الانتشار البحري السريع والقابل للمناورة، مع وحدات جاهزة للإنزال والهجوم. وفق تقديرات مسؤولين حاليين وسابقين، تتحول الجزر إلى مفتاح المعادلة. قشم وكيش وهرمز قد تبدو نقاطًا صغيرة على الخريطة، لكنها تمثل عقدًا عسكرية متقدمة: منصات صاروخية، وبنى بحرية، وشبكات من الأنفاق والزوارق السريعة. والسيطرة عليها لا تعني فقط تأمين الممر، بل امتلاك ورقة ضغط استراتيجية في قلبه. ولا يقف الأمر عند هذا الحد. فجزيرة خارك، شريان تصدير النفط الإيراني، تدخل ضمن الحسابات. وبين خيار التدمير وخيار السيطرة المحكمة، يبدو أن السيناريو الأرجح هو فرض قبضة ميدانية تضع طهران في موقع دفاعي خانق. مع ذلك، لا يمكن تجاهل كلفة هذا التحول. فأي اقتراب مباشر من الأراضي الإيرانية قد يُفسَّر بوصفه تصعيدًا غير مسبوق، وقد يستدعي ردودًا خارج الأنماط التقليدية. وهنا تحديدًا يقف المضيق على حافة معادلة جديدة: لم يعد مجرد ممر مائي، بل اختبارًا مفتوحًا لمن يملك قرار الطاقة في العالم.