skip render: ucaddon_box_testimonial لكن أكثر الأخطاء شيوعًا هو اختصار القصة بالقول إن إيران جاءت إلى اليمن، فصنعت الحوثيين، ثم حوّلتهم إلى شيعة. الحقيقة أكثر تعقيدًا… وأكثر خطورة. إيران لم تخترع الحوثيين. الحركة نبتت من تربة يمنية زيدية، ومن شعور حقيقي لدى قطاعات في صعدة بأن هويتها الدينية تتراجع أمام تمدد التيارات السلفية وتهميش المؤسسات الزيدية. لكن طهران وجدت لاحقًا في هذه الحركة شيئًا نادرًا: جماعة محلية، مسلحة، ذات سردية دينية، تقع على الحدود الجنوبية للسعودية وفي جوار واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد المسألة مجرد دفاع عن الزيدية. بدأت قصة أخرى. قبل الحوثي الزيدية ليست إيرانية. وليست اثني عشرية. وليست نسخة مصغرة عن التشيّع الموجود في إيران أو العراق أو لدى غالبية شيعة لبنان. إنها فرع مستقل من الإسلام الشيعي، استقر في اليمن منذ أواخر القرن التاسع الميلادي، وبنى فيه دولًا وإمامات استمرت بأشكال مختلفة قرونًا طويلة. وقد احتفظت الزيدية تاريخيًا بقدر كبير من القرب الفقهي والاجتماعي من السنّة، ولا سيما الشافعية التي تشكّل المذهب السني الأوسع انتشارًا في اليمن. وتشير دراسات عن المجتمع اليمني إلى أن الانقسام الزيدي-الشافعي لم يكن تاريخيًا جدارًا اجتماعيًا مشابهًا للانقسامات الطائفية التي عرفتها بلدان أخرى في المنطقة. كان اليمني يستطيع أن يكون زيديًا من دون أن يشعر أنه ينتمي إلى «محور شيعي» عابر للحدود. وكان الشافعي والزيدي يلتقيان في القبيلة والمدينة والسوق والسياسة، فيما كانت الصراعات اليمنية تدور غالبًا حول السلطة والقبيلة والمنطقة والمصالح، أكثر مما تدور حول سؤال: من السنّي ومن الشيعي؟ هذه الصورة بدأت تتصدع. صعدة أولًا في العقود التي أعقبت ثورة 1962 وسقوط الإمامة الزيدية، تراجعت المؤسسات الدينية التقليدية للزيدية، وفي المقابل تمددت في شمال اليمن تيارات إسلامية سنية وسلفية، بعضها مدعوم من السعودية. وشعر جزء من النخب الزيدية بأن المذهب الذي حكم شمال اليمن لقرون يتراجع في معقله التاريخي. من هنا ظهرت في التسعينيات حركة «الشباب المؤمن»، بوصفها حركة إحياء زيدي وتعليم ديني وثقافي، قبل أن يبرز حسين بدر الدين الحوثي داخلها بشخصية وخطاب أكثر سياسية وصدامية. إذًا، البداية يمنية، والجرح يمني، والصراع الأول كان يمنيًا. ولهذا فإن القول إن طهران «أنشأت الحوثيين» يختصر التاريخ بطريقة تمنع فهمه. فبحسب مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، لم يؤسَّس الحوثيون بمساعدة إيران، بخلاف تنظيمات إقليمية أخرى ارتبط تأسيسها مباشرة بطهران. لكن الدعم الإيراني العسكري والتقني والسياسي للجماعة توسع لاحقًا وأصبح أكثر أهمية، خصوصًا مع صعودها العسكري وسيطرتها على صنعاء ثم اندلاع الحرب الإقليمية منذ 2015. إيران لم تزرع الشجرة، لكنها أدركت مبكرًا قيمة الثمرة. من حسين إلى عبدالملك حين قُتل حسين الحوثي عام 2004، كان يُفترض نظريًا أن تنتهي الحركة مع مؤسسها. حدث العكس. تحول مقتله إلى عنصر تعبئة، وخاضت الحركة ست جولات من الحروب مع نظام الرئيس علي عبدالله صالح بين 2004 و2010، ثم خرجت من تلك الحروب أكثر خبرة في التنظيم والقتال والتعبئة. ومع انهيار مؤسسات الدولة بعد انتفاضة 2011، تمدد الحوثيون من صعدة باتجاه عمران وصنعاء، حتى دخلوا العاصمة في سبتمبر/أيلول 2014. هناك، تغير كل شيء. لم يعد الحوثي داعية يحمل اعتراضًا على السلطة، صار هو السلطة. ولم تعد الزيدية بالنسبة إلى الجماعة مجرد هوية مذهبية ينبغي حمايتها. أصبحت مصدرًا لشرعية سياسية. عندما دخلت إيران كلما ازدادت قوة الحوثيين، ازدادت قيمة اليمن في الحسابات الإيرانية. فجماعة مسلحة على الحدود السعودية، وعلى مسافة مؤثرة من باب المندب والبحر الأحمر، تملك بالنسبة إلى طهران قيمة استراتيجية استثنائية. تشير الدراسات إلى وجود تقديرات مختلفة لبداية الدعم العسكري الإيراني المباشر، لكن ثمة توافقًا أوسع على أن العلاقة العسكرية أصبحت واضحة قبل أو بحلول سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، ثم اتسعت بصورة كبيرة في السنوات اللاحقة. وقد وفّرت إيران للجماعة أسلحة ومكونات صاروخية وتقنيات مرتبطة بالمسيّرات وتدريبًا ومساعدة عسكرية، فيما تصف تحليلات حديثة الحوثيين بأنهم شريك إيراني يتمتع بهامش استقلال، وليس مجرد قوة تتلقى أوامرها اليومية من طهران. وهذه النقطة ضرورية، الحوثيون ليسوا «حزب الله اليمني» بالمعنى الحرفي. لكنهم استفادوا من نموذج يشبهه: حركة عقائدية مسلحة، تبني مؤسساتها داخل الدولة، وتستخدم السلاح والسياسة والإعلام والدين في مشروع واحد. ومع السلاح، جاءت اللغة. إيران لم تغيّر القبلة هل أصبح الحوثيون اثني عشرية؟ ليس بهذه البساطة. فالجماعة ما زالت ذات جذور زيدية، وقياداتها الأساسية تنتمي إلى البيئة الزيدية، بينما المذهب الاثنا عشري السائد في إيران يقوم على منظومة عقدية مختلفة في نقاط جوهرية. الاثنا عشرية تؤمن بسلسلة محددة من اثني عشر إمامًا، وتنتهي بالإمام الثاني عشر الذي تؤمن بأنه غاب وسيظهر في آخر الزمان. أما الزيدية فلا تقبل هذه المنظومة المغلقة من الأئمة الاثني عشر، ولا تبني عقيدتها السياسية على الإمام الثاني عشر الغائب. ووفق التصور الزيدي التقليدي، يمكن لعالم مؤهل من ذرية الحسن أو الحسين أن يطالب بالإمامة إذا أعلن دعوته وخرج ضد السلطة التي يراها جائرة. كما أن الزيدية لم تعرف تاريخيًا مؤسسة «ولاية الفقيه» بالشكل الإيراني الحديث. وهنا المفارقة: لم تحتج إيران إلى جعل الحوثيين اثني عشرية. كان يكفي أن تقترب اللغة السياسية للحوثية من لغة الثورة الإيرانية. أحد أهم التحولات التي يجب التوقف عندها هو أن الحوثيين لم يحيوا الزيدية التقليدية كما كانت فقط، بل أعادوا تفسيرها سياسيًا. وتشير دراسة لكارنيغي حول المؤسسات الدينية العربية إلى فروق واضحة بين الفكر الحوثي وبعض التقاليد الزيدية التاريخية، ولا سيما في مسألة موقع القائد والطاعة والهوية الشيعية والعلاقة بالخطاب الإيراني الثوري. كما تشير الدراسة إلى أن حسين الحوثي شدد في خطبه على تعريف الزيديين ضمن الهوية الشيعية وعلى التقارب مع قوى شيعية إقليمية، في حين كان كثير من الزيديين اليمنيين تاريخيًا أقل اهتمامًا بتعريف أنفسهم ضمن الاستقطاب السنّي-الشيعي الإقليمي. وهنا تكمن نقطة التحول الحقيقية، فليس كل زيدي حوثيًا، كما أن معارضة الحوثيين لا تعني معارضة الزيدية. الزيدية عمرها أكثر من ألف سنة في اليمن، أما الحوثية فهي حركة سياسية وعسكرية حديثة. والخلط بينهما يمنح الحركة ما تحتاجه تمامًا: أن يصبح نقدها نقدًا للمذهب، وأن تصبح هي الممثل الوحيد للمذهب. كربلاء تدخل السياسة مع صعود الحوثيين، ازداد حضور رموز ومناسبات دينية وسياسية تحمل أصداء واضحة من البيئة الإيرانية والشيعية الإقليمية. الغدير صار أكثر حضورًا في المجال العام، وعاشوراء اكتسبت بعدًا تعبويًا وسياسيًا أوسع. و«يوم القدس» الذي أطلقته إيراني أصبح جزءًا من روزنامة التعبئة السياسية. وتوسعت لغة «المستضعفين» و«المستكبرين» و«الولاية» و«المسيرة القرآنية»، بالتوازي مع خطاب سياسي يعتبر الجماعة جزءًا من مواجهة إقليمية أوسع. وتوثق دراسات عن الفكر الحوثي تأثير الخطاب الثوري الإيراني في الجماعة مع استمرار خصوصيتها الزيدية واليمنية. لم يتحول اليمن إلى إيران، لكن إيران أصبحت حاضرة في مفردات يمنية لم تكن تحمل هذا الوزن من قبل، وهذا أخطر
في تطوّرٍ يعكسُ تحوّلًا جذريًّا في طبيعةِ العلاقاتِ الخليجيّة، أقدمتِ القوّاتُ الجويّةُ السعوديّة، التي تقودُ تحالفَ دعمِ الشرعيّة، على قصفِ شحناتِ أسلحةٍ إماراتيّةٍ في ميناءِ المكلا بمحافظةِ حضرموت هذا التصعيدُ العسكريُّ المباشرُ بينَ الحليفينِ السابقينَ يكشفُ عن عمقِ الخلافاتِ الاستراتيجيّةِ التي كانت تتفاعلُ تحتَ السطحِ لسنوات، ويُنذرُ بمرحلةٍ جديدةٍ من الصراعِ على النفوذِ في جنوبِ اليمن، قد تُعيدُ رسمَ خريطةِ المنطقةِ الجيوسياسيّةِ بأكملها. كانتِ الأسلحةُ، التي شملت طائراتٍ مُسيَّرةً ومركباتٍ قتاليّةً متطوّرة، قادمةً من ميناءِ الفجيرةِ الإماراتيّ ومتّجهةً إلى المجلسِ الانتقاليّ الجنوبيّ، وهو فصيلٌ انفصاليّ تدعمه أبوظبي ويسعى لإحياءِ دولةِ جنوبِ اليمنِ المستقلّة، التي انفصلت عن الشمالِ عام 1990.جاء الردُّ السعوديُّ حاسمًا وغيرَ مسبوق، حيث وصفت وزارةُ الخارجيّةِ السعوديّةِ الدعمَ الإماراتيَّ للانتقاليّ بأنّه «بالغُ الخطورة»، مؤكّدةً أنّ المساسَ بأمنِ المملكةِ في اليمن «خطٌّ أحمر» لا يمكنُ تجاوزه. من التحالف إلى التنافس لم تبدأِ القصّةُ بالصراع، بل بالتحالف. عندما أطاح الحوثيّون بالحكومةِ اليمنيّةِ في سبتمبر 2014، بدا أنّ السعوديّةَ والإماراتِ ستسيران معًا نحو هدفٍ موحّد. في 25 مارس 2015، أطلقت الدولتانِ عمليّةَ «عاصفةِ الحزم»، وهي حملةٌ عسكريّةٌ جويّةٌ ضخمةٌ بهدفِ استعادةِ الحكومةِ الشرعيّةِ ومنعِ تمدّدِ النفوذِ الإيرانيّ في المنطقة. قادت القوّاتُ الإماراتيّةُ العمليّاتِ البرّيّةَ بكفاءةٍ عسكريّةٍ عالية، بينما سيطرت القوّاتُ الجويّةُ السعوديّةُ على العمليّاتِ في الجوّ.في تلك الفترة، بدت المصالحُ متطابقة؛ كانتِ السعوديّةُ قلقةً من الحوثيّينَ على حدودِها الجنوبيّة، والإماراتُ تسعى لتعزيزِ دورِها العسكريّ الإقليميّ. بدا التحالفُ قويًّا، خاصّةً عندما وقفت الدولتانِ معًا في يونيو 2017 لقيادةِ مقاطعةِ قطر، ما عزّز التوافقَ بينَ وليّ العهدِ السعوديّ محمد بن سلمان ورئيسِ الإماراتِ محمد بن زايد. إلّا أنّ الخلافاتِ بدأت تظهرُ مبكّرًا. ففي عام 2016، بدأتِ الإماراتُ تشكّلُ تحدّيًا للنفوذِ السعوديّ حين اضطلعت بأدوارِ مكافحةِ الإرهابِ وإرساءِ الأمنِ والاستقرارِ في المكلا. وفي غضونِ عام، سيطرت قوّاتُها على عدن، أهمّ مدينةٍ في الجنوب، ما أعطاها موطئَ قدمٍ استراتيجيًّا في المنطقة. لم تكن هذه مجرّدَ عمليّةٍ عسكريّة، بل بدايةَ استراتيجيّةٍ طويلةِ الأمد لتعزيزِ النفوذِ الإماراتيّ في جنوبِ اليمن.وبينما كانتِ السعوديّةُ تركّزُ على محاربةِ الحوثيّينَ في الشمال، كانتِ الإماراتُ تبني علاقاتٍ عميقةً مع المجلسِ الانتقاليّ الجنوبيّ، الذي يمثّلُ الحركةَ الانفصاليّة. وفي عام 2019، اتّخذتِ الإماراتُ قرارًا استراتيجيًّا مهمًّا: سحبت قوّاتِها الرسميّةَ من اليمن، لكنّها ظلّت تحتفظُ بنفوذِها الكامل عبرَ المجلسِ الانتقاليّ، تاركةً للسعوديّةِ مسؤوليّةَ الحربِ ضدّ الحوثيّين. كانت هذه خطوةً ذكيّة: تخفيفُ الضغطِ الدوليّ على أبوظبي، مع الحفاظِ على نفوذِها الفعليّ على الأرض. مدينة تستحق أن تكون مركزًا معرفيًا متطورًا.. تحوّلت إلى حي فقير رقميًا التنافس الاقتصاديّ والسياسيّ لم يقتصرِ الخلافُ على اليمن. ففي فبراير 2021، تحدّتِ الرياضُ هيمنةَ دبي التجاريّة، وطلبت من الشركاتِ الأجنبيّةِ نقلَ مقارّها الإقليميّةِ إلى المملكةِ بحلولِ عام 2024، أو خسارةِ عقودٍ مع الدولة.وفي يوليو 2021، تصاعد التنافسُ الاقتصاديّ بشكلٍ أكبر عندما ألغتِ الرياضُ الامتيازاتِ الجمركيّةَ التفضيليّةَ للسلعِ القادمةِ من المناطقِ الحرّةِ الإماراتيّة، ما قوّض النموذجَ التجاريَّ الإماراتيّ. في الوقت نفسه، عرقلتِ الإماراتُ اتّفاقًا تقوده السعوديّةُ في منظّمةِ البلدانِ المصدّرةِ للبترول (أوبك)، وطالبت برفعِ مستوى الأساسِ لإنتاجِ النفطِ الخام. كما اختلفت الدولتانِ في السياسةِ الخارجيّة. ففي سبتمبر 2020، طبّعتِ الإماراتُ العلاقاتِ مع إسرائيلَ بموجبِ «اتّفاقيّاتِ إبراهيم»، بينما أحجمتِ السعوديّةُ عن السيرِ على خطى الإمارات، متمسّكةً بإقامةِ دولةٍ فلسطينيّةٍ أوّلًا.أعطى هذا أبوظبي قناةً دبلوماسيّةً فريدةً مع الولايات المتّحدة، ما زاد من شعورِ الرياضِ بالقلقِ من تنامي النفوذِ الإماراتيّ. الصراع على الموارد الاستراتيجيّة يكمنُ في قلبِ الصراعِ السعوديّ الإماراتيّ التنافسُ على المواردِ الاستراتيجيّةِ في جنوبِ اليمن. تتمتّع محافظتا حضرموت والمهرة بمواردَ نفطيّةٍ وغازيّةٍ ضخمة، إضافةً إلى موانئَ استراتيجيّةٍ تُطلّ على مضيقِ بابِ المندب، أحدِ أهمّ الممرّاتِ البحريّةِ العالميّة. تسيطرُ الإماراتُ على هذه المواردِ من خلال دعمِها للمجلسِ الانتقاليّ، ما يهدّد المصالحَ السعوديّةَ الاقتصاديّةَ والأمنيّة.تخشى السعوديّةُ من أن يؤدّي الدعمُ الإماراتيُّ للانتقاليّ إلى انقسامٍ دائمٍ في اليمن، يهدّد وحدةَ البلاد ويُنشئ دولةً منفصلةً على حدودِها الجنوبيّة، ما قد يضعفُ موقفَ الحكومةِ الشرعيّةِ ويجعلُ اليمنَ أكثرَ عرضةً للنفوذِ الإيرانيّ والحوثيّ. تخشى السعوديّةُ من أن يؤدّي الدعمُ الإماراتيُّ للانتقاليّ إلى انقسامٍ دائمٍ في اليمن الطموحات الإقليميّة المتنافسة تسعى الإماراتُ إلى لعبِ دورٍ إقليميٍّ أكبر، يتجاوزُ دورَها التقليديّ كدولةٍ خليجيّةٍ صغيرة. دعمُها للمجلسِ الانتقاليّ، وتطبيعُها مع إسرائيل، وتدخّلُها في السودان، يعكسُ طموحاتٍ إقليميّةً أوسع. في المقابل، ترى السعوديّةُ نفسها قوّةً إقليميّةً كبرى يجب أن تحافظَ على هيمنتِها، وتنظرُ بقلقٍ إلى محاولاتِ الإماراتِ تحدّي هذه الهيمنة.تختلف الدولتانِ جذريًّا في رؤيتِهما لحلّ الأزمةِ اليمنيّة؛ فالسعوديّةُ تركّزُ على محاربةِ الحوثيّينَ والحفاظِ على وحدةِ البلاد، بينما تركّزُ الإماراتُ على بناءِ نفوذٍ محلّيّ عبرَ قوّاتٍ بديلة. نقطة الانقلاب صباحَ اليوم، شنّت مقاتلاتٌ سعوديّةٌ ضربةً جويّةً على ميناءِ المكلا في حضرموت، استهدفت شحناتِ أسلحةٍ كانت تُفرَّغُ من سفينتين قادمتينِ من ميناءِ الفجيرةِ الإماراتيّ.ووفقًا لوكالةِ الأنباءِ السعوديّة «واس»، قام طاقما السفينتين بتعطيلِ أنظمةِ التتبّع الخاصّة بهما، وتفريغِ كمّيّةٍ كبيرةٍ من الأسلحةِ والمركباتِ القتاليّةِ لدعمِ قوّاتِ المجلسِ الانتقاليّ الجنوبيّ. تضمّنت الشحناتُ طائراتٍ مُسيَّرةً متطوّرة، إلى جانبِ عتادٍ عسكريٍّ متقدّمٍ وآليّاتٍ قتاليّة. وصفتِ السعوديّةُ العمليّةَ بأنّها «محدودة»، وتمّت وفقًا للقانونِ الدوليّ الإنسانيّ، ولم تُسفر عن أضرارٍ جانبيّة. لكنّ الرسالةَ كانت واضحة: لن تسمحَ السعوديّةُ بنقلِ أسلحةٍ متطوّرةٍ إلى قوّاتٍ تدعمها الإمارات. يمثّل الصراعُ الحاليُّ أكبرَ تهديدٍ لوحدةِ اليمن منذ توحيدِه عام 1990. وإذا استمرّتِ الإماراتُ في دعمِ الانتقاليّ، وأُعلن انفصالٌ فعليّ، فقد يؤدّي ذلك إلى تقسيمٍ دائمٍ للبلاد، وخلقِ دولةٍ جنوبيّةٍ منفصلةٍ على حدودِ السعوديّة، ما يُعقّدُ الأوضاعَ الأمنيّةَ بشكلٍ كبير. كما قد يؤدّي الصراعُ إلى تحويلِ مواردِ التحالفِ من محاربةِ الحوثيّينَ إلى صراعٍ داخليّ، ما يمنحُ الحوثيّينَ فرصةً ذهبيّةً لإعادةِ التنظيمِ والتمدّد. وقد يُعادُ تشكيلُ التحالفاتِ الخليجيّةِ بأكملها، مع احتمالِ اضطرارِ دولٍ أخرى للاختيارِ بينَ الرياض وأبوظبي، ما يضعفُ مجلسَ التعاونِ الخليجيّ، ويفتحُ البابَ أمام قوى إقليميّةٍ، مثل إيران، للاستفادةِ من الانقسام. Click here
في خطوةٍ مفاجئة هزّت منطقة القرن الأفريقي وأثارت عاصفةً من ردود الفعل الدوليّة، أعلنت إسرائيل في 26 كانون الأوّل الجاري اعترافها الرسمي بجمهوريّة «أرض الصومال» (صوماليلاند) كدولةٍ مستقلّة وذات سيادة لا يمثّل هذا الإعلان، الذي يجعل إسرائيل أوّل دولةٍ في العالم تتّخذ مثل هذا الموقف، مجرّد تتويجٍ لعقودٍ من سعي هرجيسا للحصول على الشرعيّة الدوليّة، بل يفتح أيضاً الباب على مصراعيه أمام تساؤلاتٍ عميقة حول الدوافع الاستراتيجيّة لتل أبيب، والانعكاسات الخطِرة لهذه الخطوة على استقرار المنطقة والنظام الدولي القائم. دولة الأمر الواقع في قلب الجغرافيا لفهم أبعاد القرار الإسرائيلي، لا بدّ من العودة إلى جذور قضيّة أرض الصومال. يقع هذا الإقليم، الذي أعلن استقلاله من جانبٍ واحد عام 1991، في موقعٍ جغرافيّ بالغ الأهميّة على ساحل خليج عدن، مطلّاً على أحد أكثر الممرّات الملاحيّة حيويّة في العالم، وهو مضيق باب المندب. تاريخيّاً، كانت أرض الصومال محميّةً بريطانيّة، وحصلت على استقلالها في 26 حزيران 1960، ونالت اعترافاً من أكثر من 30 دولة، بما في ذلك إسرائيل نفسها في ذلك الوقت. لكنّ هذا الاستقلال لم يدم سوى أيّامٍ قليلة، إذ اختارت الوحدة مع الصومال الإيطالي (الذي استقلّ بعده بأيّام) لتشكيل جمهوريّة الصومال الموحّدة. غير أنّ الوحدة سرعان ما واجهت تحدّياتٍ عميقة، بلغت ذروتها في الحرب الأهليّة الدامية التي أعقبت انهيار نظام الديكتاتور محمّد سيّاد برّي. وعلى إثر ذلك، وفي 18 أيّار 1991، أعلنت «الحركة الوطنيّة الصوماليّة» انفصال الإقليم مجدّداً، معيدةً ترسيم الحدود التي كانت قائمة في الحقبة الاستعماريّة. منذ ذلك الحين، ورغم بناء مؤسّسات دولةٍ فاعلة، وإجراء انتخاباتٍ ديمقراطيّة، والحفاظ على استقرارٍ أمنيّ لافت مقارنةً بجارته الجنوبيّة، ظلّ الإقليم معزولاً دبلوماسيّاً، يصارع من أجل الحصول على اعترافٍ لم يأتِ إلّا بعد أكثر من ثلاثة عقود. ليس اعتراف إسرائيل بأرض الصومال مجرّد قرارٍ دبلوماسي، بل هو مقامرةٌ جيوسياسيّة محسوبة، تهدف إلى إعادة رسم خريطة التحالفات في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر بما يخدم مصالحها الأمنيّة لماذا الآن؟ لا يمكن فصل القرار الإسرائيلي عن سياق التحدّيات الأمنيّة والجيوسياسيّة التي تواجهها تل أبيب، ولا سيّما في منطقة البحر الأحمر. ووفقاً لمحلّلين، تخدم هذه الخطوة أهدافاً استراتيجيّة متعدّدة الأبعاد: أوّلاً: الأمن البحري وتأمين إيلات. شكّلت هجمات الحوثيّين من اليمن تهديداً مباشراً للملاحة المتّجهة إلى ميناء إيلات، ما كشف عن ثغرةٍ استراتيجيّة في عمق إسرائيل الجنوبي. ويوفّر موقع أرض الصومال، الذي لا يبعد سوى 300–400 كيلومتر عن الساحل اليمني، عمقاً استراتيجيّاً مثاليّاً لإسرائيل. إذ إنّ إقامة وجودٍ عسكريّ أو استخباراتي هناك، سواء عبر قاعدةٍ متقدّمة أو ترتيباتٍ أمنيّة، من شأنه أن يمنح تل أبيب قدرةً على الرصد والردّ المبكر على أيّ تهديداتٍ قادمة من جنوب البحر الأحمر، ويؤمّن حرّيّة الملاحة التي تُعدّ شرياناً حيويّاً لاقتصادها. ثانياً: بناء التحالفات في أفريقيا. يأتي الاعتراف في إطار سياسةٍ إسرائيليّة أوسع لتعزيز نفوذها وبناء شراكاتٍ في القارّة الأفريقيّة، وهي سياسة تجلّت في «اتّفاقيّات أبراهام». ومن خلال هذه الخطوة، تقدّم إسرائيل نفسها شريكاً قادراً على تقديم المكافأة الأثمن التي تسعى إليها أرض الصومال، أي «الشرعيّة الدوليّة»، مقابل الحصول على حليفٍ استراتيجيّ في موقعٍ حيويّ. ثالثاً: سابقة قانونيّة لخدمة أهدافٍ أخرى. تتزايد المخاوف من أن تكون هذه الخطوة مقدّمة لاستخدامها كسابقةٍ قانونيّة لتبرير سياساتٍ أخرى. فقد ربطت تقارير بين هذا الاعتراف وخططٍ إسرائيليّة مزعومة لتهجير الفلسطينيّين قسراً من غزّة، وهو ما نفته هرجيسا بشدّة، لكنّه يبقى مصدر قلقٍ في الأوساط العربيّة. العالم في المواجهة جاء الردّ على القرار الإسرائيلي سريعاً وحاسماً، إذ اصطفت غالبيّة الدول والمنظّمات الإقليميّة والدوليّة خلف الموقف الصومالي الرسمي، الذي اعتبر الخطوة «عدواناً سافراً» على سيادته ووحدة أراضيه. وقد تشكّل إجماعٌ دوليّ وعربيّ وإسلاميّ نادر ضدّ هذه الخطوة، يمكن تلخيص أبرز ملامحه في الآتي: الموقف العربي والإسلامي الموحّد: صدرت إداناتٌ قويّة من جامعة الدول العربيّة، ومنظّمة التعاون الإسلامي، ومجلس التعاون الخليجي. كما أصدرت 21 دولة، من بينها السعوديّة ومصر وتركيا والجزائر وقطر، بياناً مشتركاً تاريخيّاً يرفض الاعتراف بشكلٍ قاطع، محذّرةً من تداعياته الخطِرة على الأمن الإقليمي. الرفض الأفريقي: سارع الاتّحاد الأفريقي إلى رفض الخطوة، مؤكّداً التزامه الثابت بسيادة الصومال ووحدة أراضيه، ومعتبراً أنّ الاعتراف يشكّل «سابقةً خطِرة» تهدّد بتقويض مبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، وهو أحد المبادئ الأساسيّة التي قام عليها الاتّحاد. المواقف الدوليّة: أعرب الاتّحاد الأوروبي عن دعمه لسيادة الصومال، داعياً إلى الحوار. أمّا الولايات المتّحدة، فجاء ردّها على لسان الرئيس دونالد ترامب، الذي استبعد أن تحذو واشنطن حذو إسرائيل، متسائلاً بسخريّة: «هل يعرف أحدٌ حقّاً ما هي أرض الصومال؟». سابقة خطِرة أم واقع جيوسياسي جديد؟ ليس اعتراف إسرائيل بأرض الصومال مجرّد قرارٍ دبلوماسي، بل هو مقامرةٌ جيوسياسيّة محسوبة من قبل تل أبيب، تهدف إلى إعادة رسم خريطة التحالفات في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر بما يخدم مصالحها الأمنيّة. وعلى الرغم من أنّ أرض الصومال قد ترى في هذه الخطوة طوق نجاةٍ للخروج من عزلتها الطويلة، فإنّها تجد نفسها اليوم في قلب مواجهةٍ دوليّة واسعة، وتضع شرعيّتها الوليدة في مهبّ الريح. وقد أظهر الإجماع الدولي الرافض أنّ مبادئ سيادة الدول ووحدة أراضيها لا تزال تحظى بثقلٍ في العلاقات الدوليّة، وأنّ محاولة فرض أمرٍ واقع من جانبٍ واحد قد تؤدّي إلى نتائج عكسيّة. يبقى السؤال الأهمّ: هل ستظلّ إسرائيل معزولةً في موقفها، أم أنّ خطوتها الجريئة ستشجّع دولاً أخرى على إعادة تقييم سياساتها، بما قد يفتح الباب أمام تغييرٍ جذريّ في الوضع القائم منذ عقود في القرن الأفريقي؟ الأيّام القادمة كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال، الذي سيحدّد مستقبل الصومال والمنطقة بأسرها.