ليست «الأرمادا» مجرد أسطولٍ يتحرّك فوق الماء.هي عقليةُ إمبراطوريةٍ حين تقرّر أن تُقنع العالم بأن الحجم وحده يكفي، وأن صفوف السفن تستطيع أن تحلّ مكان السياسة، وأن البحر، ذلك الكائن الفوضوي، يمكن تدجينه بالخرائط والسلاح والسفن في عام 1588، خرجت الأرمادا الإسبانية لتلقّن إنكلترا درسًا نهائيًا. كانت إسبانيا آنذاك الدولة الأقوى ماليًا وبحريًا، وملكها فيليب الثاني مقتنع أن ضربة واحدة كفيلة بإعادة ترتيب أوروبا. أسطولٌ هائل، صلبان على الأشرعة، ويقينٌ ديني–سياسي بأن النصر مسألة وقت. لكن ما جرى لم يكن نصرًا… بل انكسارًا تاريخيًا. لم تُهزم الأرمادا لأنها ضعيفة، بل لأنها صدّقت أسطورتها. حين تتحوّل القوة إلى عبء الأرمادا الإسبانية لم تُبَد في معركة فاصلة. جرى تفكيكها ببطء: رياح لا تُطيع، بحر لا يحترم الجداول الزمنية، وسفن ضخمة أُعدّت للاستعراض أكثر مما أُعدّت للمطاردة. الإنكليز لم يواجهوا الكتلة بالكتلة، بل واجهوها بالإزعاج، بالإطالة، وبكسر الإيقاع. ثم تركوا البحر يُكمل ما بدأوه. هنا تحديدًا وُلد الدرس الأخطر في تاريخ الإمبراطوريات: عندما تصبح القوة كبيرة أكثر من اللازم، تفقد قدرتها على المناورة. خرجت الأرمادا الإسبانية لتُقفل حسابًا مفتوحًا مع إنكلترا. أسطولٌ هائل، يقينٌ بالحسم، وخريطةٌ تُعامِل البحر كأنه طريق سريع. لكن القنال حوّل الاستعراض إلى استنزاف، ثم إلى هزيمةٍ صامتة من بحر الشمال إلى خليج العرب بعد أربعة قرون، يعود المصطلح نفسه إلى التداول، أرمادا. لكن هذه المرّة، في سياق التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران. حاملات طائرات، مدمرات، قطع بحرية تُصفّ على شاشات الأخبار كما كانت تُصفّ السفن الخشبية في لوحات القرن السادس عشر. الرسالة واضحة: نحن هنا… نحن كثيرون… نحن قادرون. غير أن السؤال الحقيقي ليس، هل تستطيع الولايات المتحدة أن تحشد أرمادا؟ بل، هل تستطيع أن تُنهي بها الصراع؟ كما لم يكن القنال الإنكليزي ساحة مريحة للأرمادا الإسبانية، فإن الخليج ليس مسرحًا حياديًا للقوة البحرية الحديثة. هو حوض ضيّق، حساس، مشبع بالرمزية والنفط والأعصاب المشدودة. خطأ صغير، احتكاك عابر، طائرة مسيّرة، زورق سريع… كل تفصيل فيه قادر على تحويل الاستعراض إلى اشتباك، والردع إلى تصعيد. الأرمادا هنا لا تعني السيطرة، بل الاحتكاك الدائم. كل سفينة إضافية هي احتمال إضافي للانفجار. وهم الحسم المشكلة في منطق الأرمادا، قديمًا وحديثًا، أنه يوحي بالحسم. والحسم أخطر الأوهام في السياسة. اعتقدت إسبانيا أن الأسطول سيُنهي التهديد الإنكليزي. فاكتشفت أنها فتحت باب أفولها البحري. واليوم، يلوّح البعض بأن الحشد البحري قد يُخضع إيران أو يدفعها إلى الاستسلام أو التراجع الكامل. لكن إيران ليست شاطئًا أعزل، ولا الصراع معها معركة سفن تقليدية. هو صراع صبر، أعصاب، ومسارات غير مباشرة. والبحر، مهما امتلأ بالسفن، لا يلغي البر ولا السماء ولا الزمن. الأخطر من السفن هو الخطاب. حين تُستعمل كلمة «أرمادا»، يصبح التراجع صعبًا. لأن من يُعلن الأسطول يَعدُ جمهوره بشيءٍ كبير، وإذا لم يتحقق، يصبح الثمن سياسيًا ومعنويًا. هكذا تتحوّل اللغة إلى فخ. كما تحوّل الإيمان المطلق بالقوة لدى فيليب الثاني إلى فخٍّ جرّ إسبانيا نحو البحر الهائج. “الأرمادا” ليست ضمانة نصر، بل اختبار حكمة. ومن يملأ البحر بالسفن دون أن يملأ خطته بمخارج سياسية، يغامر بأن يكتب فصلًا جديدًا في كتاب الهزائم البطيئة. في 1588، علّم البحر أوروبا أن الإمبراطوريات لا تسقط بضربة واحدة، بل بوهم السيطرة.وفي الخليج اليوم، يقف العالم أمام السؤال نفسه: هل الأرمادا وسيلة ضغط محسوبة؟ أم خطوة أخرى نحو صراع لا يريد أحد الاعتراف بأنه لا يعرف كيف ينهيه؟ هرمز هو القنال الإنكليزي الجديد، لا لأن التاريخ يُعيد نفسه، بل لأن الجغرافيا تُعيد طرح الأسئلة نفسها: كيف تُدار القوة في الممرّات الضيّقة؟ وأين ينتهي الردع ويبدأ الاستنزاف؟ ومتى يتحوّل البحر من ورقة ضغط إلى ساحة اختبار للأعصاب؟ بين القنال الإنكليزي بالأمس ومضيق هرمز اليوم، درسٌ واحد لا يتغيّر: القوة التي لا تُحسن قراءة الجغرافيا تُرهق نفسها قبل خصومها. والأرمادا، قديمة كانت أم حديثة، ليست ضمانة نصر. في هذا الامتحان، لا يكسب من يلوّح أكثر، بل من يعرف متى يخفض الصوت قبل أن يعلو الموج.
خِلالَ زيارةِ رئيسِ الحكومةِ نواف سلام الأخيرة إلى “مكبِّ النفايات” في صيدا، المعروفِ باسمِ معملِ المعالجة، وخلالَ استماعِه إلى آراءِ بعضِ المواطنين، علَّق قائلًا: “يعني معمل لا يعمل”. بدوره، أشارَ النائبُ أسامة سعد، في تصريحٍ خلالَ الزيارةِ نفسها، إلى أنَّ “وضعَ المعملِ غيرُ قانونيٍّ، لأنَّه لم يحزْ على رخصةِ تشغيلٍ من وزارةِ الصناعة”، أي إنَّ عملَه منذ عام 2012 حتى اليوم غيرُ قانونيٍّ. صمتٌ واستفسار المعملُ متوقِّفٌ عن المعالجةِ المنتظمةِ للنفاياتِ منذ تموز 2021، وقد نجحت إدارتُه منذ عام 2018 في بناءِ مكبّاتٍ للنفاياتِ على الأرضِ المردومة التي سمحت وزارةُ الأشغال، بموجبِ مرسومٍ، لبلديةِ صيدا بإنشاءِ معملٍ لمعالجةِ النفاياتِ المنزليةِ الصلبةِ عليها. وبسبب “نجاحِها” في ذلك، توسَّعت مساحاتُ تراكمِ النفاياتِ لتطالَ الأرضَ الملاصقةَ للأرضِ المردومةِ الأولى، وهي الأرضُ التي حدَّدها المرسومُ رقم 3093. تعليقُ سلام ليس غريبًا، ويقعُ في بابِ الاستفهام لا في بابِ التصحيح، وبجانبه كانت وزيرةُ البيئة تمارا الزين تقفُ صامتةً. الصمتُ ليس صفةَ الوزراءِ المعنيين بالمشكلات، بل يتعدَّاهم إلى المجلسِ البلديِّ لمدينةِ صيدا واتحادِ بلدياتِ صيدا – الزهراني. هل تعلمُ أنَّه، منذ انتخابِ المجلسِ البلديِّ الجديد، لم تُعقد جلسةٌ واحدةٌ لمناقشةِ مشكلةِ معملِ معالجةِ النفاياتِ المنزليةِ واتخاذِ القراراتِ المناسبةِ بشأنِها؟يبدو أنَّ سياسةَ “المندوبِ السامي” تفرضُ على المجلسِ البلديِّ الصمتَ كمؤسَّسةٍ معنيَّةٍ بالمشكلة، ويدورُ حديثٌ أنَّ البعضَ في المجلسِ يُؤشِّرُ إلى تأجيلِ البحثِ في هذا الملفِّ إلى ما بعدَ الانتخاباتِ النيابيةِ المقبلة، بينما يتحدَّث آخرون عن “رشوةٍ” متمثِّلةٍ بكنسِ بعضِ الشوارعِ وتقديمِ مساعدةٍ ماليةٍ لصندوقٍ غيرِ قانونيٍّ، لقاءَ هذا الصمتِ المريب. أمرٌ مريبٌ فعلًا؛ كتابٌ موجَّهٌ إلى البلدية تشيرُ فيه إدارةُ الشركةِ إلى أنَّ الأرضَ مملوكةٌ لها، علمًا أنَّها أرضٌ من الأملاكِ البحريةِ المردومةِ والعامَّة الحدثُ الأخطر لكنَّ الحدثَ الأخطرَ كان الكتابَ الموجَّهَ من إدارةِ المعملِ بتاريخ 20 تشرينَ الأوَّلِ 2025، والذي تطلبُ فيه استئجارَ مساحةٍ جديدةٍ من الأرضِ المردومةِ بهدفِ “استكمالِ الإصلاحاتِ المطلوبةِ ولغايةِ معالجةِ النفاياتِ معالجةً عاجلةً”.وهو الهدفُ نفسُه الذي طرحَتْه إدارةُ المعملِ عام 2018، ولم يحصلْ شيءٌ سوى بناءِ مكبّاتٍ جديدةٍ للنفايات. ينصُّ كتابُ الإدارةِ على ما يلي:“عطفًا على كتابِنا المسجَّلِ لديكم تحت الرقم 50 تاريخ 21 تشرينَ الثانيِّ 2023، لا سيَّما الفقرةَ الثانيةَ منه والمتعلِّقةَ بالأرضِ الملاصقةِ للأرضِ (المملوكة) من شركة IBC.” أمرٌ مريبٌ فعلًا؛ كتابٌ موجَّهٌ إلى البلدية تشيرُ فيه إدارةُ الشركةِ إلى أنَّ الأرضَ مملوكةٌ لها، علمًا أنَّها أرضٌ من الأملاكِ البحريةِ المردومةِ والعامَّة، والتي حصلت البلديةُ على حقِّ استثمارِها لبناءِ معملٍ للمعالجة، أي إنَّها ملكٌ عامٌّ لا يمكنُ التنازلُ عنه إلَّا بتعديلِ قانونِ الأملاكِ البحريةِ العامَّة الصادرِ عام 1925.حتْمًا، الأمرُ ليس غباءً أو خطأً، بل محاولةٌ لتحويلِ الأمرِ الواقعِ إلى أمرٍ قانونيٍّ. وترفقُ إدارةُ المعملِ كتابَها بخارطةٍ تُحدِّدُ المساحاتِ التي تريدُ استخدامها من الأرضِ المردومةِ الواقعةِ تحت مسؤوليةِ البلدية، وربما غابَ عن أعضاءِ المجلسِ البلديِّ ما تضمَّنه المرسومُ 3093 من شروطٍ لأيِّ استثمارٍ لأيِّ مساحةٍ من الأرضِ المردومة. أينَ المجلسُ البلديُّ من هذا الموضوع؟ وخصوصًا أنَّ بعضَ الأعضاءِ بدأ يتحدَّثُ حولَ بدلِ الإيجارِ ومدَّتِه وشروطِه، من دونِ البحثِ في أصلِ المشكلة. تشيرُ الخارطةُ إلى أنَّ الأرضَ التي تمَّ استخدامها منذ عام 2018 تبلغُ مساحتُها 10030 مترًا مربَّعًا، أمَّا مساحةُ الأرضِ التي تنوي الإدارةُ الحصولَ عليها حاليًّا فتبلغُ 29485 مترًا مربَّعًا. وكانت إدارةُ المعملِ قد تقدَّمت بتاريخ 19 شباط 2018 “بطلبِ إشغالٍ مؤقَّتٍ لأرضٍ ملاصقةٍ للمعملِ لطحنِ العوادمِ مع الصخورِ لمضاعفةِ عمليةِ التخلُّصِ من المتبقياتِ الناتجةِ عن معالجةِ النفايات، مع التعهُّدِ الأكِيدِ بالإخلاءِ وإعادةِ الحالِ لما كان عليه غبَّ الطلب”. وقد وافقَ على الطلبِ رئيسُ البلديةِ آنذاك محمدُ السعودي، وأرسلَ طلبَ موافقةٍ على إشغالٍ مؤقَّتٍ للأرضِ الملاصقةِ إلى وزارةِ الأشغالِ العامَّة بتاريخ 3 نيسان 2018، فوافقَ وزيرُ الأشغالِ العامَّة يوسف فنيانوس على طلبِ بلديةِ صيدا بتاريخ 18 نيسان 2018 بقرارٍ يحملُ الرقم 2945/أ. هذا يعني أنَّ “الإشغالَ المؤقَّت” استمرَّ ثمانيةَ أعوامٍ وما زال، والآن تطلبُ إدارةُ الشركةِ مساحةً جديدةً لإشغالٍ مؤقَّتٍ قد يتحوَّلُ إلى دائم. المشكلةُ لا تكمُنُ في إدارةِ الشركة، فهي شركةٌ تجاريةٌ تبغي الربحَ ولو بدونِ عمل، بل تكمنُ في السلطاتِ المحليةِ المعنيَّةِ بتقديمِ الخدماتِ للمواطنين وحمايتِهم من التلوُّثِ بجميعِ أنواعه. فهل يُبادِرُ المجلسُ البلديُّ إلى مناقشةِ الموضوعِ من دونِ التلطي خلفَ سؤال: "ما هو البديل؟" وهل هناك مجتمعٌ مدنيٌّ وأهليٌّ قادرٌ على تشكيلِ مجموعةِ ضغطٍ لإصلاحِ الموجود؟ أم أنَّ الجميعَ مشغولون بالاستقبالاتِ والحفلاتِ والتصوير؟
عندما تتحوّلُ الجنّةُ إلى كابوسٍ إداريّ! في قلب البحر الأبيض المتوسط، تقبعُ جزيرةٌ صغيرةٌ تُلقّبُ بـ”مالديف لبنان”، لكن خلف هذا الوصف الشاعريّ تختبئُ فضيحةٌ إداريّةٌ تكشفُ عن تجاوزاتٍ صارخةٍ وإهمالٍ خطيرٍ يُهدّدُ سلامةَ المواطنين جزيرةُ “الزيرة” في صيدا، التي يصفُها كتابُ “الإنجازات” الصادرُ عن بلديّة المدينة بأنّها “مالديف لبنان”، تشهدُ اليومَ واقعاً مريراً يتناقضُ تماماً مع هذا الوصف الحالم. فبين المُخالفات القانونيّة الصارخة والإهمال الإداريّ المُفضوح، تحوّلت هذه الجنّةُ الطبيعيّةُ إلى مسرحٍ لفضيحةٍ حقيقيّةٍ تورّطت فيها بلديّةُ صيدا. الإنقاذُ مجرّدَ “دولاب هوائيّ”الصورةُ الأكثرُ إثارةً للصدمة تتجلّى في مشهدٍ مأساويٍّ وقع مؤخّراً على الشاطئ الشماليّ، حيث تعرّضت فتاةٌ للغرق وسط أمواجٍ عاتيةٍ، بينما “فريقُ الإنقاذ” المزعومُ لا يملكُ سوى دولاب سباحةٍ هوائيّ! يروي أحدُ الشهود العيان المشهدَ المروّعَ قائلاً: “مبارح لفتني مشهدٌ على المسبح الشعبيّ لمّا تعرّضت فتاةٌ للغرق بعيداً عن الشطّ بعض الشيء، حيث كانت هناك أمواجٌ وتيّاراتٌ لا بأس بها، وركض الشبابُ أعتقدُ أنّهم من فِرَق الإنقاذ، ولكنّ الشبابَ لا يملكون غيرَ دولاب سباحةٍ فقط!”هذا المشهدُ المأساويُّ يكشفُ عن حقيقةٍ صادمةٍ: كيف يُعقلُ أنّ فريقَ إنقاذٍ بحريٍّ لا يملكُ قارباً مطّاطيّاً أو “جيت سكي”، بل يعتمدُ على دولاب نفخٍ هوائيٍّ لإنقاذ الغرقى؟ تقاسُمُ الشاطئ بحسب الانتماء السياسيّفي مشهدٍ آخرَ يُثيرُ الاستياءَ، تتحوّلُ العقاراتُ المُحاذيةُ للشاطئ والتي تملكُها البلديّةُ إلى “كعكةٍ” يتقاسمُها أشخاصٌ ينتمون لقوىً سياسيّةٍ في المدينة، مقابلَ مبالغَ ماليّةٍ غيرِ قانونيّةٍ توصفُ زوراً بأنّها “لنقل النفايات من المسبح”. هذا الواقعُ المريرُ يكشفُ عن شبكةٍ معقّدةٍ من المصالح والمُحاصصة السياسيّة، حيث تتحوّلُ الطاولاتُ والكراسي على الشاطئ إلى “غنائمَ” توزّعُ بحسب الانتماء السياسيّ، بعيداً عن أيّ معاييرَ قانونيّةٍ أو شفافيّة. في اعترافٍ صادمٍ، يقولُ مسؤولُ اللجنة الإعلاميّة في البلديّة أحمد شعيب: نعيشُ في صيدا أمراً واقعاً مفروضاً علينا، ونحن لا نسعى للصدام مع أحدٍ، هناك قوىً أمرٍ واقعٍ فرضت نفسَها علينا وعودٌ جوفاءُ وخططٌ وهميّةمنذ سنواتٍ والمجلسُ البلديُّ يعدُ بإعداد خطّةٍ لتلزيم العقارات التي تملكُها البلديّةُ، وكلَّ عامٍ يجري تبريرُ عدم القيام بهذه المهمّة بحججٍ واهيةٍ تتراوحُ بين “شروط قانون الشراء العامّ” و”التأخّر في تقديم الطلبات”. وكلَّ عامٍ هناك وعدٌ جديدٌ للعام القادم، في مُسلسلٍ لا ينتهي من الوعود الجوفاء والخطط الوهميّة.الأمرُ الأكثرُ إثارةً للجدل يكمنُ في مُخالفةٍ صارخةٍ لقرار وزارة الأشغال العامّة والنقل رقم ١٢٤٥/ص، الذي حدّدَ شروطاً واضحةً لإدارة الجزيرة والشاطئ. فبينما ينصُّ القرارُ على شروطٍ محدّدةٍ وصارمةٍ، نجدُ أنّ الواقعَ على الأرض يتناقضُ تماماً مع هذه الشروط. الشروطُ المُخالفةُ بوقاحة:أوّلاً: بينما يشترطُ القرارُ عدمَ إقامة أيّ إنشاءاتٍ أو خيمٍ، نجدُ الجزيرةَ مليئةً بالإنشاءات والخيم المُقامة تحت نظر البلديّة وجمعيّة أصدقاء الزيرة.ثانياً: يسمحُ القرارُ بتركيز كوخٍ واحدٍ فقط لتأمين الخدمات الأساسيّة، لكنّ الواقعَ يشهدُ إقامةَ مطاعمَ ومقاهٍ متعدّدةٍ على الجزيرة.ثالثاً: يُلزمُ القرارُ البلديّةَ بتعيين حارسٍ أو أكثر، وهذا الشرطُ غيرُ مؤمّنٍ إطلاقاً.رابعاً: يُحدّدُ القرارُ أنّ العملَ يستمرُّ حتّى السادسة والنصف مساءً، لكنّ السهراتِ تُقامُ هناك بشكلٍ مُخالفٍ للقانون، وعندما اتّصلَ أحدُ أعضاء المجلس البلديّ بخفر السواحل، منعَ “هاتفٌ سياسيٌّ” خفرَ السواحل من التحرّك! جمعيّةُ أصدقاء الزيرة: شريكٌ أم شاهدٌ على المُخالفات؟في هذا المشهد المُعقّد، تبرزُ جمعيّةُ أصدقاء الزيرة كلاعبٍ أساسيٍّ في إدارة الجزيرة. يوضّحُ عضوُ المجلس البلديّ وعضوُ الجمعيّة رامي بشاشة الوضعَ قائلاً: “قبل عام ٢٠١٦، جرى حديثٌ بأنّ وزارةَ الأشغال العامّة تسعى إلى تحويل جزيرة الزيرة إلى مَحميّةٍ، وهذا يعني أنّ الوصولَ إليها وزيارتَها سيخضعُ إلى شروطٍ محدّدةٍ.”يُضيفُ بشاشة: “بسبب الحرب الأخيرة وتداعياتِها تأخّرنا كجمعيّة أصدقاء الزيرة بالطلب من البلديّة تكليفَنا بإدارة الجزيرة، وبعد الانتخابات زُرنا الجزيرةَ وتبيّنَ أنّ كُلفةَ الإشراف عليها تصلُ إلى نحو ٢٥٠٠ دولارٍ أميركيٍّ شهريّاً.” اعترافاتٌ صادمةٌ من داخل البلديّةفي اعترافٍ صادمٍ، يقولُ مسؤولُ اللجنة الإعلاميّة والشفافيّة في المجلس البلديّ أحمد شعيب: “نعيشُ في صيدا أمراً واقعاً مفروضاً علينا، ونحن لا نسعى للصدام مع أحدٍ، هناك قوىً أمرٍ واقعٍ فرضت نفسَها علينا.”يُضيفُ شعيب في تصريحٍ يكشفُ عن عجز البلديّة: “لقد وصلنا إلى المجلس البلديّ متأخّرين، ولا أعتقدُ أنّنا نستطيعُ إجراءَ أيّ تغييرٍ هذا العام، لكن علينا العملُ لتأمين شروط التغيير في العام القادم.”هذا الاعترافُ يكشفُ عن حقيقةٍ مرّةٍ: بلديّةٌ تُديرُ أهمَّ المواقع السياحيّة في المدينة وهي عاجزةٌ عن فرض القانون أو تطبيق الشروط الأساسيّة للسلامة العامّة.يكشفُ شعيب عن كُلفةٍ باهظةٍ لتنظيف الجزيرة ونقل النفايات تبلغُ أكثرَ من ٨٠٠٠ دولارٍ خلال الموسم السياحيّ، مؤكّداً أنّ “البلديّةَ لا قدرةَ لها على تحمّل هذه الكُلفة.”هذا الرقمُ الصادمُ يطرحُ تساؤلاتٍ جدّيّةً حول جدوى استمرار البلديّة في إدارة موقعٍ لا تستطيعُ تحمّلَ كُلفة تنظيفه الأساسيّة، فكيف بتأمين معايير السلامة والخدمات المطلوبة؟ مصدر – تعليق بيانُ البلديّة: محاولةٌ يائسةٌ لتبرير الفشلفي محاولةٍ يائسةٍ لتبرير الفشل الذريع في إدارة الموقع، أصدرت بلديّةُ صيدا بياناً بعد حوادث الغرق المُتكرّرة، تُحاولُ فيه إلقاءَ اللوم على المواطنين بدلاً من الاعتراف بالتقصير الفادح في تأمين معايير السلامة.يقولُ البيانُ: “نظراً لحالة البحر غير الصالحة للسباحة يومَي السبت والأحد، طلبَ المُنقذون على شاطئ صيدا من الرُوّاد عدمَ السباحة، لكن للأسف بعضُهم أصرّ على ذلك.”هذا البيانُ يكشفُ عن منطقٍ مقلوبٍ: بدلاً من تحمّل المسؤوليّة عن عدم توفير معدّات الإنقاذ المُناسبة أو تطبيق شروط السلامة، تُلقي البلديّةُ اللومَ على المواطنين الذين يُمارسون حقّهم الطبيعيّ في السباحة! بلديّةٌ تطلبُ مسؤوليّاتٍ لا تستطيعُ تحمّلَهافي خُلاصة هذه الفضيحة المُدوّية، نجدُ أنفسَنا أمام بلديّةٍ تطلبُ من الوزارة تكليفَها بمهامٍ لا تستطيعُ القيامَ بها، ولا تستطيعُ تأمينَ شروط سلامة المواطنين، وتُغطّي على مُخالفاتٍ قانونيّةٍ ليست مُضطرّةً إليها.السؤالُ الذي يطرحُ نفسَه بقوّةٍ: لماذا تُصرُّ بلديّةُ صيدا على طلب تحمّل مسؤوليّاتٍ تفوقُ قُدراتِها الماليّةَ والإداريّةَ؟ وما هي المصالحُ الخفيّةُ وراء هذا الإصرار على إدارة موقعٍ بهذا الشكل المُخالف للقانون؟ الجوابُ واضحٌ: نحن أمام شبكةٍ معقّدةٍ من المصالح والمُحاصصة السياسيّة، حيث تتحوّلُ المواقعُ العامّةُ إلى "مزارعَ" خاصّةٍ يتقاسمُها النافذون، بعيداً عن أيّ اعتباراتٍ قانونيّةٍ أو مصلحةٍ عامّة. في النهاية، يبقى المواطنُ هو الضحيّةُ الأكبرُ لهذه الفوضى الإداريّة، سواءً كان سائحاً يبحثُ عن الاستجمام في "مالديف لبنان"، أو مواطناً يُواجهُ خطرَ الغرق بسبب غياب معدّات الإنقاذ المُناسبة.