شهدت منطقة الطريق الجديدة في بيروت اعتصامًا حاشدًا في ساحة الملعب البلدي، دعمًا للموقوفين الإسلاميين والمطالبة بإقرار عفو عام شامل لا يستثني الشيخ أحمد الأسير وموقوفي ملف عبرا، وسط مشاركة أهالي الموقوفين وفاعليات وشخصيات بيروتية. ورفع المعتصمون الصوت رفضًا لأي صيغة عفو “منقوصة”، معتبرين أن القانون، إذا لم يشمل جميع المعنيين بهذا الملف، سيتحوّل من فرصة لمعالجة جرح وطني طويل إلى باب جديد للتمييز والظلم. وخلال الاعتصام، شدّد إمام مسجد سيدنا علي، الشيخ حسن مرعب، على أن المشاركين يتحركون من قلب بيروت للمطالبة بما وصفه بـ“الحق الكامل”، مؤكدًا أن الأهالي لا يطلبون منّة من أحد، بل يريدون إنصاف أبنائهم بعد سنوات طويلة من التوقيف والمعاناة. كما دعا النواب المعنيين، وخصوصًا نواب بيروت والنواب السنّة، إلى الثبات في متابعة الملف وعدم القبول بأي تسوية تُبقي قسمًا من الموقوفين خارج العفو. وأكدت كلمات المعتصمين أن ملف الموقوفين الإسلاميين لم يعد يحتمل المزيد من التسويف السياسي، خصوصًا أن عائلات كثيرة تعيش منذ سنوات على وقع المحاكمات الطويلة والأحكام القاسية، فيما ترى لجان الأهالي أن إقرار عفو شامل يشكل مدخلًا لطيّ صفحة مؤلمة وفتح نقاش وطني أوسع حول العدالة والمصالحة. ويأتي هذا التحرك في ظل عودة ملف الموقوفين الإسلاميين إلى الواجهة اللبنانية، مع تجدد المطالبات بإصدار قانون عفو عام، وهو ملف تعود جذوره إلى أحداث أمنية متعددة.
تباشر القوى الأمنية منذ الأمس، بالتنسيق مع بلدية بيروت ووزارتي الداخلية والشؤون الاجتماعية وعدد من الجمعيات الأهلية، تنفيذ قرار تفكيك مخيم النازحين القائم على الواجهة البحرية لبيروت، في المنطقة المعروفة بـ”البيال”، ونقل الموجودين فيه إلى موقع بديل تابع لبلدية بيروت، يبعد بضعة كيلومترات عن النقطة الحالية. وبحسب المعلومات المتداولة، جرت عملية تفكيك الخيم بهدوء ومن دون تسجيل اعتراضات ميدانية من النازحين، على أن يُصار إلى تركيب نحو 200 خيمة جديدة أكبر حجمًا وأكثر ملاءمة في الموقع البديل الذي جرى اختياره لاستيعاب العائلات اللبنانية النازحة الموجودة أصلًا في منطقة البيال. وتأتي هذه الخطوة بعد أسابيع من الجدل حول انتشار الخيم على أراضٍ خاصة وحساسة في قلب العاصمة، وسط اعتراضات سياسية وشعبية على تحويل الواجهة البحرية إلى مساحة إيواء مفتوحة، في مقابل تأكيدات رسمية بأن الهدف ليس طرد النازحين أو التضييق عليهم، بل تنظيم وجودهم ضمن أماكن أكثر قابلية للإدارة والمتابعة الإنسانية والخدماتية. وتشمل الخطة أيضًا نقل نازحين موجودين في الرملة البيضاء والروشة ومناطق أخرى من بيروت إلى المدينة الرياضية، في إطار مسعى أوسع لتنظيم مراكز الإيواء داخل العاصمة ومنع تحوّل المخيمات العشوائية إلى واقع دائم. Dismantling the BIEL Camp 9
هل زار الرجل الوطواط Batman لبنان فعلًا؟ قد يبدو السؤال أقرب إلى طرفة ثقافية أو عنوان ساخر عابر، لكنه في الحقيقة يفتح بابًا على واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل في تاريخ القصص المصوّرة الغربية، حين تحوّلت بيروت، في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، إلى مسرح درامي داخل عالم DC Comics. في عام 1988، نشرت DC Comics قصة بعنوان A Death in the Family، وهي سلسلة من أربعة أجزاء أصبحت لاحقًا من أشهر المحطات في تاريخ الرجل الوطواط. لم تكن شهرتها مرتبطة فقط بمصير روبن الصادم، بل أيضًا بالمسار السياسي والجغرافي الغريب الذي أخذ باتمان بعيدًا عن شوارع Gotham City، إلى الشرق الأوسط، وتحديدًا إلى لبنان. تبدأ الحكاية بهروب الجوكر من Arkham Asylum، قبل أن يدخل في شبكة صفقات عابرة للحدود، مرتبطة بسلاح شديد الخطورة. ومع تصاعد التهديد، يجد باتمان نفسه مضطرًا إلى ملاحقة عدوه اللدود خارج نطاقه المعتاد، في رحلة تمتد عبر القارات، وتنتهي به وبرفقته روبن إلى بيروت، في لحظة سردية مشبعة بالتوتر والخوف والصورة النمطية. هناك، لا تظهر بيروت كمدينة حقيقية بتعقيداتها وتاريخها وناسها، بل كنسخة غربية متخيّلة من مدينة الحرب: شوارع مضطربة، جماعات مسلحة، صفقات سلاح، وخلفية سياسية مشحونة. في القصة، تحاول مجموعة توصف بأنها من “المسلحين الشيعة” شراء سلاح استراتيجي لاستخدامه ضد إسرائيل. ولمنع الكارثة، يتعاون باتمان، على نحو لافت، مع عميل من جهاز Mossad، في مشهد يكشف بوضوح زاوية النظر السياسية التي حكمت السرد. هنا تحديدًا، لا يعود السؤال: هل زار باتمان لبنان؟ بل: أي لبنان زاره باتمان؟ فالقصة، حين نقرأها اليوم، لا تبدو مجرد مغامرة خارقة من زمن الكوميكس الذهبي، بل وثيقة ثقافية تكشف كيف كان الشرق الأوسط يُرى من الخارج في تلك المرحلة. لبنان لم يكن في المخيال الغربي آنذاك بلدًا متعددًا ومعقدًا يعيش حربًا أهلية بوجوه محلية وإقليمية ودولية متشابكة، بل كان غالبًا يُختصر في صورة واحدة: أرض خطر، سلاح، فوضى، وتهديد. وهذا ما يجعل القصة مثيرة للنقاش بعد كل هذه السنوات. فهي لا تقول الكثير عن لبنان الحقيقي، بقدر ما تقول الكثير عن الطريقة التي صنعت بها الثقافة الشعبية الغربية لبنانها الخاص: لبنان المتخيَّل، الجاهز ليكون خلفية لصراع دولي، ومسرحًا لبطل خارق يأتي من الخارج كي يضبط الفوضى ويمنع الكارثة. بهذا المعنى، لم يكن حضور بيروت في القصة بريئًا أو عابرًا. كان جزءًا من زمن سياسي وثقافي أوسع، زمن كانت فيه الحرب الأهلية اللبنانية، والصراع العربي ـ الإسرائيلي، وصعود الجماعات المسلحة، تُستهلك في الإعلام والسينما والكوميكس باعتبارها مادة درامية جاهزة، أكثر من كونها واقعًا إنسانيًا معقدًا. ومع مرور الزمن، تحوّلت A Death in the Family من قصة صادمة في عالم باتمان إلى مادة نقدية غنية. فهي تكشف كيف يمكن للخيال أن يعيد إنتاج السياسة، وكيف تستطيع القصص المصوّرة، حتى وهي ترتدي قناع الترفيه، أن تحمل داخلها تصوّرات أيديولوجية كاملة عن العالم. ربما لم يزر باتمان لبنان فعلًا، لكنه زار النسخة التي تخيّلها الغرب عن لبنان. نسخة مصنوعة من الخوف، الأخبار العاجلة، صور الحرب، والاختزال السياسي. نسخة لا تشبه البلد بقدر ما تشبه مرآة القلق الغربي منه. وهنا تكمن المفارقة: أن واحدة من أشهر قصص باتمان لا تزال تُقرأ حتى اليوم، لا لأنها دقيقة في تصويرها، بل لأنها كاشفة. تكشف كيف يتحوّل بلد حقيقي إلى ديكور سردي، وكيف يصبح الشرق الأوسط في الثقافة العالمية مساحة جاهزة للإسقاطات، لا للفهم. وفي النهاية، يبقى السؤال الأعمق من زيارة باتمان المزعومة إلى بيروت: كم من “الواقع” الذي تقدّمه لنا الثقافة العالمية ليس واقعًا أصلًا، بل سردية صُنعت بعناية؟