مع تصاعد التوتر في الملف الإيراني، وعودة الأسئلة الثقيلة حول حصيلة التدخلات والحروب الأميركية في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، تقف واشنطن اليوم أمام فرصة نادرة قد لا تتكرر بسهولة: أن تصنع في سوريا قصة نجاح حقيقية، بدل أن تضيف إلى سجل المنطقة أزمة جديدة تُدار ولا تُحل. المسألة تتجاوز بكثير ترميم صورة الولايات المتحدة أو تحسين حضورها السياسي في الشرق الأوسط. فإذا نجحت سوريا في الانتقال من سنوات الحرب والعزلة والانهيار إلى دولة مستقرة، واقتصاد منتج، ومؤسسات قادرة على حماية مواطنيها وتأمين مستقبلهم، فإن هذا النجاح سيصبح أكثر تأثيرًا من آلاف الخطب والرسائل السياسية الأميركية. فالشعوب لا تغيّر قناعاتها بالوعود وحدها، ولا تؤمن بالنماذج لأنها تُسوَّق لها إعلاميًا. إنها تصدّق عندما ترى أمامها تجربة حيّة تثبت أن التغيير ممكن، وأن الخروج من الخوف والعزلة والفقر ليس شعارًا، بل مسارًا يمكن تحقيقه. سوريا جسر الثقة إذا أرادت الولايات المتحدة أن تخاطب الشعب الإيراني بلغة مقنعة عن الحرية والفرص وتغيير الواقع، فهي تحتاج أولًا إلى بناء جسر من الثقة. وهذا الجسر لا يُبنى بالتصعيد العسكري والعقوبات والرسائل السياسية وحدها، بل بنموذج نجاح ملموس في دولة مجاورة مثل سوريا. فسوريا تمتلك ما يكفي لتكون هذا النموذج: شعبًا متعلمًا، وموقعًا استراتيجيًا استثنائيًا، وموارد بشرية كبيرة، وإرثًا حضاريًا عميقًا، وصلات تاريخية وثقافية واسعة بمحيطها العربي والعالم. واليوم، تجتمع في سوريا عناصر قلّما تتوافر في لحظة واحدة: قيادة منفتحة على التعاون الخارجي، ورغبة شعبية جارفة في الاستقرار وإعادة البناء، ومناخ إقليمي أكثر استعدادًا لمساندة البلاد بدلًا من حصارها وعزلها. ورغم حجم الدمار الذي أصاب سوريا، فإنها ما زالت أرضًا واسعة للفرص: في البنية التحتية والطاقة والزراعة والصناعة، وفي التعليم والصحة والسياحة والتكنولوجيا، فضلًا عن عملية إعادة إعمار يمكن أن تتحول إلى واحدة من أكبر ورش الاستثمار في المنطقة خلال السنوات المقبلة. لذلك، لم يعد السؤال: هل تستطيع أميركا أن تساعد سوريا؟ السؤال الحقيقي هو: ماذا تنتظر؟ skip render: ucaddon_material_block_quote الفراغ لا ينتظر واشنطن ترك سوريا معلّقة بين الوعود والانتظار لن يعني بقاء الأمور على حالها، لأن الفراغ في السياسة لا يبقى فراغًا طويلًا. هناك دائمًا من سيتقدّم لملئه. وتركيا تدرك ذلك جيدًا. فهي تتحرك بوضوح لحماية مصالحها، وترسيخ حضورها الاقتصادي والسياسي، وتوسيع نفوذها داخل سوريا، ولن تنتظر واشنطن حتى تحسم خياراتها. وإذا استمرت الإدارة الأميركية في التردد، فقد تستيقظ بعد سنوات على واقع جديد تكون فيه أنقرة قد أصبحت الشريك الأكثر حضورًا وتأثيرًا في سوريا، بينما تبدو الولايات المتحدة قوة بعيدة اكتفت بالتصريحات ولم تنجح في تحويل خطابها عن الاستقرار والديمقراطية والازدهار إلى نتائج يلمسها الناس. عندها، لن تكون واشنطن قد خسرت مجرد فرصة استثمارية أو سياسية، بل ربما خسرت موقعًا استراتيجيًا كاملًا كان في متناولها. رصيد أميركي لم ينفد بعد لو سألت مواطنًا سوريًا عاقلًا اليوم: من تفضّل أن يكون شريكًا أساسيًا في دعم مستقبل سوريا، الولايات المتحدة أم تركيا؟ فقد يميل كثيرون إلى الولايات المتحدة. ليس لأن السوريين يرفضون تركيا، أو يقلّلون من أهمية العلاقة معها، بل لأن أميركا ما زالت، رغم كل الأخطاء والخيبات، تمتلك في المخيال السوري رصيدًا مرتبطًا بالجامعات والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والاستثمار والانفتاح على العالم. ولا يزال كثيرون ينظرون إليها باعتبارها قوة قادرة، إذا أرادت، على فتح أبواب الاقتصاد العالمي أمام سوريا، وجذب رؤوس الأموال الكبرى، والمساهمة في بناء المؤسسات، وربط البلاد بمستقبل اقتصادي يتجاوز حدود الجغرافيا الإقليمية الضيقة. لكن هذا الرصيد ليس شيكًا مفتوحًا إلى الأبد, فالثقة تتآكل حين تبقى الوعود معلّقة، والفرص تضيع عندما لا تتحول النيات إلى قرارات، والشعوب التي تُترك وحيدة في اللحظات المصيرية تبحث، عاجلًا أم آجلًا، عن شركاء آخرين. نجاح سوريا قد يعيد شيئًا فقدته أميركا في المنطقة: صدقية النموذج الأميركي ترامب وصفقة القرن السوري الرئيس دونالد ترامب معروف بعقلية الصفقات، وبميله إلى اقتناص الفرص التي يراها الآخرون معقّدة أو عالية المخاطر. ومن هذه الزاوية تحديدًا، ينبغي النظر إلى سوريا. فسوريا اليوم ليست بالضرورة عبئًا يجب على أميركا الهروب منه، بل قد تكون واحدة من أكبر الفرص السياسية والاقتصادية والاستراتيجية المتاحة لها في الشرق الأوسط منذ عقود. بل إن نجاح التجربة السورية يمكن أن يمنح واشنطن ما لم تمنحها إياه عشرات العمليات العسكرية: نموذجًا تقول من خلاله لشعوب المنطقة إن الشراكة مع الولايات المتحدة يمكن أن تقود إلى الاستقرار والنمو والانفتاح، لا إلى الحرب والفوضى فقط. إن دعم استقرار سوريا، وتخفيف العوائق أمام اقتصادها، وتشجيع الشركات والاستثمارات على دخولها، ومساندة مؤسسات الدولة كي تقف على قدميها، ليس عملًا خيريًا تقدّمه واشنطن للسوريين. إنه استثمار أميركي مباشر في استقرار الشرق الأوسط، وفي تقليص مساحات الفوضى والتطرف، وفي الحد من نفوذ الخصوم والمنافسين، وفي بناء شريك جديد في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. والأهم أنه يمنح الولايات المتحدة فرصة لاستعادة شيء فقدته تدريجيًا في المنطقة: صدقية النموذج الأميركي نفسه. قصة نجاح بدل حرب جديدة ربما لا تحتاج أميركا اليوم إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط كي تثبت قوتها. لديها من الحروب ما يكفي، ومن التجارب المريرة ما يكفي، ومن الأسئلة حول نتائج تلك الحروب ما يكفي أيضًا. ما تحتاج إليه هو قصة نجاح. وسوريا تستطيع أن تكون هذه القصة. دولة خرجت من حرب مدمرة، ونجحت في إعادة بناء اقتصادها ومؤسساتها، واستعادت موقعها في العالم، وتحولت من ساحة صراع بين القوى إلى نموذج للاستقرار والتنمية. مثل هذا الإنجاز سيخاطب الإيراني والعراقي واللبناني وكل شعوب المنطقة بلغة أقوى من أي خطاب: لغة النتيجة. skip render: ucaddon_box_testimonial
تقوم المقاربة الإيرانية الحالية على قناعة راسخة بأن الحرب لم تعد مجرّد مواجهة عسكرية، بل أداة سياسية لإعادة صياغة موازين القوى وفرض شروط تفاوضية أكثر ملاءمة. من هذا المنطلق، تبدو طهران مقتنعة بأن أي تراجع في هذه المرحلة لن يؤدي إلا إلى تشجيع واشنطن على زيادة الضغوط، بينما يمنحها التصعيد فرصة لتحسين موقعها الاستراتيجي. استراحة تكتيكية ورغم أن مذكرة التفاهم التي أنهت الجولة الأولى من المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وفّرت هدنة مؤقتة، فإنها لم تعالج جذور الصراع. فقد صيغت في ظل توازن قوى مؤقت، كانت واشنطن تسعى إلى تغييره لاحقًا، فيما اعتبرت طهران الحفاظ عليه شرطًا أساسيًا لحماية مكاسبها. ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن الولايات المتحدة لم تتعامل مع الاتفاق باعتباره تسوية نهائية، بل بوصفه استراحة تكتيكية لإعادة ترتيب قدراتها العسكرية والاقتصادية، تمهيدًا لجولة جديدة من المواجهة. وقد عزّز هذا الانطباعَ استمرارُ العقوبات، وعدم الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة، وتعزيز الوجود العسكري الأميركي في الخليج، إضافة إلى محاولات تقليص النفوذ الإيراني في مضيق هرمز. ورقة هرمز وتعتقد القيادة الإيرانية أن هذه الإجراءات ليست منفصلة بعضها عن بعض، وإنما تشكّل استراتيجية متكاملة تهدف إلى إفراغ نتائج الحرب السابقة من مضمونها، وحرمان طهران من أهم أوراق القوة التي اكتسبتها، وفي مقدمتها القدرة على التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. لهذا السبب، أصبحت السيطرة على المضيق بالنسبة إلى إيران تتجاوز بُعدها العسكري، لتتحول إلى ورقة سياسية واقتصادية تمثّل الضمانة الأساسية لأي مفاوضات مستقبلية مع الولايات المتحدة. فالتخلي عن هذه الورقة، وفق الحسابات الإيرانية، يعني الدخول إلى أي مفاوضات من موقع الضعف، وهو ما تعتبره القيادة الإيرانية خطًا أحمر. وتستند هذه الرؤية أيضًا إلى قراءة داخلية للمشهد الإيراني، حيث يرى صنّاع القرار أن المزاج الشعبي، الذي تعزّز بعد التطورات الأخيرة، بات أكثر تقبّلًا لسياسة المواجهة إذا كانت مرتبطة بالدفاع عن السيادة الوطنية والمصالح الاستراتيجية، وهو ما يمنح النظام هامشًا أوسع للمضي في نهج التصعيد. وفي هذا الإطار، جاء استهداف ناقلات قرب الساحل العُماني رسالةً سياسية قبل أن يكون عملًا عسكريًا، مفادها أن إيران لن تسمح بإعادة رسم قواعد الملاحة في الخليج بما ينتقص من نفوذها. إلا أن الرد الأميركي جاء سريعًا وعنيفًا، عبر توسيع الضربات على مواقع عسكرية ومنشآت مرتبطة بالبنية الدفاعية الإيرانية، في محاولة لرفع كلفة هذا النهج. skip render: ucaddon_material_block_quote توقيت مناسب لكن طهران، بحسب هذه القراءة، كانت تتوقع عودة المواجهة. بل إن بعض دوائر القرار فيها ترى أن اندلاع الحرب في هذه المرحلة قد يكون أقل كلفة من تأجيلها، إذ يمنع الولايات المتحدة من استكمال إعادة بناء قدراتها، ويستغل استمرار هشاشة أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. ومن هنا، تبدو الاستراتيجية الإيرانية قائمة على توسيع نطاق الضغوط، ليس فقط عبر استهداف المصالح العسكرية الأميركية، وإنما أيضًا من خلال تهديد أمن الطاقة العالمي، سواء في مضيق هرمز أو في الممرات البحرية المتصلة به، بما يجعل كلفة الحرب تتجاوز حدود الإقليم لتطال الاقتصاد الدولي بأسره. وتراهن القيادة الإيرانية على أن الولايات المتحدة، مهما بلغت قدراتها العسكرية، ستجد نفسها في نهاية المطاف مضطرة إلى العودة إلى طاولة المفاوضات إذا ارتفعت الكلفة الاقتصادية والسياسية للمواجهة. فالحرب، في المنظور الإيراني، ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لفرض معادلة تفاوضية جديدة تضمن أمن النظام، وتفتح الباب أمام تخفيف الضغوط الاقتصادية. ورغم أن هذا الرهان ينطوي على قدر كبير من المخاطرة، وقد يبالغ في تقدير قدرة إيران على الصمود أمام مواجهة طويلة، فإن صنّاع القرار في طهران يعتقدون أن التجربة السابقة أثبتت، من وجهة نظرهم، أن إظهار الاستعداد لتحمّل الخسائر يمنحهم أوراقًا إضافية في أي مفاوضات لاحقة. skip render: ucaddon_box_testimonial
حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial فمنذ سنوات، تتحدث مراكز أبحاث غربية عن تراجع فاعلية الردع الأميركي، نتيجة ارتباك إدارة الأزمات الإقليمية، وتصاعد الشكوك لدى بعض الحلفاء بشأن التزام واشنطن بأمن المنطقة. غير أن إيران ذهبت أبعد من ذلك، ففسّرت هذا النقاش باعتباره دليلًا على انحسار الإرادة الأميركية في استخدام القوة العسكرية، بفعل الضغوط الداخلية والحسابات الانتخابية. وانطلاقًا من هذا التقدير، تعاملت طهران مع مذكرة التفاهم بوصفها تكريسًا لمعادلة جديدة في الخليج تمنحها هامشًا أوسع للحركة، وسوّقت الاتفاق باعتباره إنجازًا سياسيًا يعكس تراجع واشنطن عن سياسة الضغوط القصوى. لكن القراءة الأميركية بدت مختلفة؛ إذ لم يُنظر إلى الاتفاق باعتباره اعترافًا بوقائع استراتيجية جديدة، بل أداة مؤقتة لإدارة التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة. إدارة التصعيد تكشف التجربة أن اهتزاز صورة الردع لا يعني بالضرورة تراجع أدوات القوة. فحين رأت واشنطن أن مصالحها باتت مهددة، انتقلت سريعًا من سياسة احتواء الأزمة إلى فرض كلفة أعلى على خصومها، وهو ما أظهر أن امتلاك القدرة العسكرية يظل مختلفًا عن قرار استخدامها، وأن ضبط النفس لا يعني فقدان أدوات الردع. وتشير أدبيات الردع الحديثة إلى أن نجاح الردع لا يتحدد فقط بميزان القوة، بل أيضًا بالطريقة التي يدرك بها الخصم نيات الطرف المقابل. وفي كثير من الأحيان، يقود سوء تقدير هذه النيات إلى حسابات خاطئة تدفع نحو التصعيد، وهو ما بدا واضحًا في التباين بين التصور الإيراني لمعنى التهدئة الأميركية، وبين الأهداف الحقيقية التي سعت إليها واشنطن من خلال إدارة الأزمة. صحيح أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا في كلفة استهداف المصالح الأميركية أو الخليجية مقارنة بمراحل سابقة، إلا أن ذلك لم يكن مؤشرًا على تآكل القدرة الأميركية على فرض أثمان باهظة عندما ترى أن مصالحها الحيوية أصبحت على المحك. فالتمييز يبقى قائمًا بين تأجيل استخدام القوة والعجز عن استخدامها. أزمة الحلفاء لم يأتِ هذا التحول في السلوك الأميركي من فراغ، بل سبقته سنوات من التوتر مع الحلفاء الأوروبيين داخل حلف شمال الأطلسي، حيث دفعت السياسات الأميركية ذات الطابع الأحادي إلى تصاعد الدعوات الأوروبية لتعزيز الاستقلال الدفاعي وتقليص الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية. وفي خضم الحرب الأخيرة، اصطدمت هذه المقاربة بواقع إقليمي أكثر تعقيدًا. فقد أدى اتساع نطاق العمليات العسكرية، وارتفاع سقف التوقعات الإسرائيلية، إلى وضع الإدارة الأميركية أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على دعم حليفها الرئيسي، مع تجنب الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تفرض أثمانًا سياسية واقتصادية باهظة. وفي هذا السياق، بدت مذكرة التفاهم مع إيران جزءًا من محاولة لاحتواء التصعيد أكثر منها تعبيرًا عن تغيير في موازين القوى. فالتهدئة جاءت استجابة لحسابات تتعلق بإدارة المخاطر، لا تخليًا عن أدوات الردع أو اعترافًا بنفوذ إيراني متصاعد. اعتبارات داخلية لا يمكن فصل هذا السلوك الأميركي عن تأثير السياسة الداخلية، إذ أصبحت الاعتبارات الانتخابية عاملًا رئيسيًا في رسم حدود الانخراط العسكري الخارجي. فالإدارة الأميركية تدرك أن أي مواجهة واسعة قد تنعكس مباشرة على أسعار الطاقة والتضخم، بما يحمله ذلك من كلفة سياسية داخلية، وهو ما يدفعها إلى الموازنة باستمرار بين متطلبات الردع وحسابات الناخب الأميركي. لكن هذه المقاربة لا تعني انسحابًا من المنطقة بقدر ما تعكس إعادة تعريف لأدوات النفوذ. فبدلًا من الاعتماد المفرط على القوة العسكرية، تتجه واشنطن بصورة متزايدة إلى توظيف العقوبات الاقتصادية، والقيود المالية، وأدوات الضغط المصرفي، باعتبارها وسائل أكثر استدامة وأقل كلفة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. يفرض هذا التحول على دول الخليج إعادة تقييم مقاربتها للأمن الإقليمي. فمن جهة، يفتح المجال أمام تعزيز الحوار الإقليمي وبناء شراكات اقتصادية قد تسهم في خفض مستويات التوتر مع إيران، لكنه، من جهة أخرى، يثير تساؤلات حول مدى قدرة المصالح الاقتصادية وحدها على ضمان الاستقرار في بيئة لا تزال تعاني هشاشة أمنية وصراعات بالوكالة. وفي ظل هذا الواقع، تبدو المنطقة أمام معادلة جديدة تقوم على الجمع بين الانفتاح الدبلوماسي وتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية. فالاقتصاد قد يخفف دوافع التصعيد، لكنه لا يشكل بديلًا كاملًا عن توازن الردع، ولا يوفر بمفرده الضمانات الكفيلة بمنع اندلاع أزمات جديدة. ومن هنا، يبدو أن مستقبل أمن الخليج سيتحدد بقدرته على بناء منظومة تجمع بين المصالح المشتركة والردع المتوازن، بعيدًا عن الرهان الحصري على القوى الخارجية أو على التفاهمات المؤقتة.