آلةٌ تُجيب… ولا تسأل في البداية، لم يكن الذكاءُ الاصطناعيُّ ثورةً، بل وعدًا عمليًّا.آلةٌ تُجيب حين تُسأل، تُصنِّف حين نطلب منها التصنيف، وتُحسِن الأداء كلّما أغرقناها بالمزيد من البيانات. كان ذلك كافيًا لإبهار الأسواق، وإرباك المهن، وإقناع العالم بأنّ المستقبل قد وصل مبكرًا.هذا هو الذكاءُ الاصطناعيُّ (AI) كما نعرفه اليوم: عقلٌ صناعيٌّ مُدرَّب بإتقان، لكنّه لا يعرف سوى ما عُلِّم له. لا يخرج عن المسار، ولا يُعيد التفكير في الغاية، ولا يشكّ في السؤال نفسه. هو بارع، نعم، لكنّه يظلّ وفيًّا لدوره كمنفّذٍ ممتاز داخل نصٍّ كتبه غيره. تعليمُ المعلِّم AI لا يتعلّم لأنّه يريد أن يتعلّم، بل لأنّه طُلب منه ذلك.ثمّ بدأ السؤال يتبدّل، بهدوءٍ مُقلِق.ماذا لو لم نُدرِّب الآلة على الإجابة فقط، بل على كيف تُدرِّب نفسها؟ماذا لو لم نُعطِها مهمّة، بل منحناها القدرة على اختيار المهمّة، وتقييم أدائها، وإعادة بناء فهمها للعالم؟هنا، يظهر الذكاءُ الاصطناعيُّ العام (AGI)، لا كترقية تقنيّة، بل كتحوّلٍ سرديٍّ كامل في قصّة العلاقة بين الإنسان والآلة.AGI ليس آلةً أذكى، بل آلة تعرف كيف تصبح أذكى دون أن نُمسك بيدها في كلّ خطوة.الفرق الجوهريّ بين AI وAGI هو أنّ الأوّل نتاج تدريبٍ بشريٍّ مستمرّ، أمّا الثاني فهو مشروع تدريب الآلة للآلة.نضع البذرة الأولى، ثمّ نراقب النظام وهو يختبر نفسه، يكتشف أخطاءه، يُعيد تشكيل نماذجه، ويتعلّم خارج حدود البيانات التي منحناه إيّاها.في هذه اللحظة، يتغيّر دور الإنسان: من مُدرِّسٍ دائم… إلى مُطلِقٍ للفكرة. من مَن يضع الأسئلة… إلى مَن يواجه أسئلة لم يتوقّعها. من التنفيذ إلى الفهم الذكاءُ الاصطناعيُّ الحاليّ يتقن الفعل، لكنّه لا يفهم معناه. يعرف كيف، لكنّه لا يسأل لماذا.أمّا AGI، فمشروعه أعمق: فهم السياق، نقل المعرفة بين العوالم، وإنتاج حلولٍ لم تمرّ عليه في التدريب.الفرق بينهما يشبه الفرق بين آلةٍ تحفظ النوتة الموسيقيّة بدقّة، وعقلٍ يسمع اللحن للمرّة الأولى ثمّ يُعيد تأليفه. ليس القلقُ تقنيًّا ما يجعل AGI مادّةً للقلق العالميّ ليس قوّته الحاسوبيّة، بل استقلاليّته المعرفيّة.فنحن، للمرّة الأولى، نقترب من نظامٍ لا ينتظر تحديثًا بشريًّا كي يتطوّر، ولا يتوقّف عند حدود التخصّص الواحد، ولا يسير بالسرعة التي اعتدنا عليها نحن.AI حسَّن أدواتنا. AGI قد يُعيد تعريف موقعنا.الاعتقاد السائد أنّ AGI مجرّد نسخةٍ متقدّمة من AI هو تبسيطٌ مُضلِّل.الحقيقة أنّه انتقال من ذكاءٍ يُدار… إلى ذكاءٍ يُدير ذاته. من أداةٍ محسوبة… إلى كيانٍ معرفيٍّ يتكوّن باستمرار.وهنا، يُعتَبَر الفارق ليس تقنيًّا بقدر ما هو حضاريًّا. السؤال الذي لا تستطيع الآلة تجاهُلَه حين نُعلِّم الآلة كيف تُعلِّم نفسها، فإنّنا لا نبتكر تقنيّةً جديدة فحسب، بل نكتب فصلًا جديدًا من علاقتنا مع المعرفة والسلطة والمسؤوليّة. AGI ليس تهديدًا بحدّ ذاته، ولا خلاصًا آليًّا كما يُروَّج له. إنّه اختبارٌ لنا نحن: هل نملك الحكمة لنضع حدودًا لما نُطلقه؟ وهل نحن مستعدّون لعالمٍ لا تكون فيه الآلة أذكى فحسب، بل أكثر قدرةً على التعلّم منّا؟ لأنّ أخطر ما في الذكاء الاصطناعيّ العام… أنّه قد يُجبر الإنسان أخيرًا على إعادة تعريف معنى الذكاء نفسه.
في بلدٍ اعتاد أن يقدّم نفسه كمنارةٍ للعلم والثقافة، تتحوّل الجامعةُ اللبنانية، الجامعةُ الوطنية الوحيدة، إلى صورةٍ مُصغَّرة عن انهيار الدولة. القاعاتُ تضيق بطلابها، والأساتذةُ يُهانون بتأخير مستحقاتهم، والمناهجُ لا تزال أسيرةَ عقودٍ مضت. كلُّ ذلك يجري تحت أنظار سلطةٍ سياسية تتعامل مع المؤسسة الأكاديمية الأهم في لبنان وكأنها عبءٌ زائد، لا رافعة وطنية صفوف كالمخيماتيكفي أن يزور المرءُ كليةَ العلوم أو الحقوق أو الإعلام ليكتشف المأساة: قاعاتٌ تستوعب مئةَ طالبٍ تضم أحياناً أكثر من مئتين. المقاعدُ غيرُ كافية، والطلابُ يقفون أو يجلسون على الأرض ليستمعوا إلى محاضرةٍ تُلقى على عجل.بحسب الأرقام الرسمية، بلغ عددُ طلابِ الجامعة اللبنانية نحو 80 ألفَ طالبٍ قبل الأزمة المالية، ليتراجع العددُ المُسجَّل عام 2024–2025 إلى 50 ألفاً فقط من أصل 65 ألفاً مُؤهَّلين للتسجيل.هذا الانخفاضُ لا يعود إلى تحسّن الظروف، بل إلى تسرّب عشرات الآلاف نحو الجامعات الخاصة أو الهجرة القسرية، بعد أن عجزت الجامعةُ عن فتح صفوفٍ إضافية أو توفير مقاعدَ تليق بأبنائها. أساتذة على قارعة الطريقالأستاذُ الجامعي، الذي يُفترض أن يكون قدوةً علمية، تحوّل إلى موظفٍ مُهان. رواتبه فقدت أكثر من 90% من قيمتها بفعل انهيار العملة. بدلُ الإنتاجية، الذي يُفترض أن يُعوّض جزءاً من الخسارة، أصبح مجرد فتات. عقودُ التفرّغ تُؤجَّل، والمتعاقدون بالساعة يعيشون على قلقٍ دائم: هل تُدفع مستحقاتهم هذا الشهر أم بعد سنة؟لا عجب إذن أن نشهد إضراباتٍ متكرّرة تهدّد العام الجامعي بالشلل. فكيف يُنتظر من أستاذٍ لم يقبض حقَّه أن يُقدّم تعليماً نوعياً أو أن يُواكب التطور البحثي العالمي؟ بلغ عددُ طلابِ الجامعة اللبنانية نحو 80 ألفَ طالبٍ قبل الأزمة المالية، ليتراجع العددُ المُسجَّل عام 2024–2025 إلى 50 ألفاً فقط من أصل 65 ألفاً مُؤهَّلين للتسجيل مناهج جامدة في زمن متسارعبينما تتسابق الجامعاتُ الإقليمية على تحديث برامجها وربطها بسوق العمل، لا تزال الجامعةُ اللبنانية تتخبّط في تطبيق نظام LMD. في بعض الكليات، تُفرض مبارياتُ دخولٍ غيرُ مبرّرة لشهادة الماستر، ما يحوّل التعليمَ إلى امتحانٍ إضافي بدل أن يكون امتداداً للتعلّم.المختبراتُ تعاني نقصاً في المعدات، والمكتباتُ ما زالت تعتمد على كتبٍ متقادمة، في حين يغيب الاستثمارُ في التكنولوجيا التعليمية. في زمن الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، ما زال طلابُ الجامعة اللبنانية يدرسون بوسائل ثمانينيات القرن الماضي. 21,958 طالباً خسرتهم الجامعةُ بين عامي 2021 و2023، أي ما يُعادل رُبع طلابها نسبةُ طلاب الجامعة من مجمل التعليم العالي في لبنان انخفضت من 60% في التسعينيات إلى نحو 35% فقط اليوم عشراتُ الصفوف في الكليات تبدأ متأخرة أو تُقسَّم على دفعات، ما يجعل الطالبَ ينتظر أشهراً قبل أن يبدأ مادته الأساسية هذه الأرقامُ ليست إحصاءاتٍ باردة، بل مؤشراتُ انهيارٍ مُمنهج. حين تخسر الجامعةُ اللبنانية موقعَها كخيارٍ أول للطلاب، يخسر لبنان ما تبقّى من عدالةٍ في التعليم. صرخة لا بد منهاالسلطةُ تصمت، والطلابُ يهاجرون، والأساتذةُ يُستنزَفون. النتيجة: تفريغُ الجامعة من دورها التاريخي، وفتحُ الطريق أمام الجامعات الخاصة، التي تتحول يوماً بعد يوم إلى الخيار الإجباري لمن يستطيع الدفع، فيما يُترك أبناءُ الطبقات الوسطى والفقيرة لمصيرهم.الجامعةُ اللبنانية ليست مجرد مبنى أو مؤسسة. هي ذاكرةٌ وطنية، مصنعُ كفاءات، وحصنٌ أخير للفقراء في وجه احتكار التعليم. إنقاذُها لا يكون بترقيعٍ هنا أو دعمٍ مؤقتٍ هناك، بل بإرادةٍ سياسية تعترف بأنها العمودُ الفقري للبلد.هل يُعقَل أن تُترك الجامعةُ، التي خرّجت آلافَ القضاة والمهندسين والأطباء والصحافيين، لتواجه مصيرَها وحيدة؟ هل يريدون أن تتحوّل من جامعة الوطن إلى “جامعة الأطلال”؟ إن لم تُفتح الصفوف، وتُدفع المستحقات، ويُحدَّث المنهج، ويُعاد الاعتبار للأستاذ والطالب، فإن الحديث عن “جامعة لبنانية” سيبقى مجردَ ذكرى رومانسية، تُروى للأجيال المقبلة عن زمنٍ كان فيه التعليمُ العام المرموق أمراً ممكناً في هذا البلد.