تحوّلت مسألة تجديد ولاية مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، من إجراء إداري روتيني إلى مواجهة سياسية تعكس الانقسامات المتزايدة داخل الأمم المتحدة بشأن ملفات الحروب وحقوق الإنسان. فالمعارضة التي تبديها كلٌّ من روسيا وإسرائيل، إلى جانب تحفّظات أميركية، تكشف حجم التباين حول أداء المفوضية الأممية في مرحلة أصبحت فيها قضايا حقوق الإنسان جزءًا من الصراع الجيوسياسي بين القوى الكبرى. ولاية مثيرة تنتهي الولاية الأولى للمحامي النمساوي فولكر تورك في تشرين الأول المقبل، بعدما أمضى أربع سنوات اتسمت بمواقف أثارت جدلًا واسعًا. فقد انتقد الانتهاكات الروسية في أوكرانيا، ودان العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، كما دعا إلى التحقيق في وفيات مهاجرين داخل مراكز الاحتجاز الأميركية، وأبدى مواقف ناقدة خلال المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران. ورغم أن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، رشّحه لولاية ثانية تمتد حتى عام 2030، فإن موسكو تقدّمت باقتراح مضاد يقضي بتمديد محدود حتى نهاية العام الحالي، معتبرةً أن اختيار مفوض جديد ينبغي أن يُترك للأمين العام المقبل. وفي المقابل، ترى إسرائيل أن مواقف تورك بشأن الحرب في غزة جعلته طرفًا غير محايد، بينما لا تزال واشنطن تتعامل بحذر مع ملف إعادة تعيينه. يحظى تورك بدعم أوروبي واضح، إضافةً إلى تأييد عدد من دول أميركا اللاتينية والاتحاد الأفريقي، الأمر الذي يجعل التصويت المرتقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة اختبارًا جديدًا لميزان القوى داخل المنظمة الدولية، أكثر منه تقييمًا مهنيًّا لأداء المفوض السامي. skip render: ucaddon_material_block_quote الأهمية اللبنانية تبرز أهمية هذا الجدل بالنسبة إلى لبنان بصورة خاصة، إذ يرتبط عمل مفوضية حقوق الإنسان بملفات تمسّ الواقع اللبناني مباشرة، من بينها أوضاع اللاجئين والنازحين، والحريات العامة، واستقلال القضاء، والتحقيق في انفجار مرفأ بيروت، إضافةً إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت الأمم المتحدة مرارًا إلى التحذير من تداعياتها على الحقوق الأساسية للمواطنين. كما أن استمرار الحرب في غزة، وما تفرضه من ضغوط أمنية وسياسية على جنوب لبنان، إلى جانب التوترات المتكررة على الحدود، يجعل أي تغيير في قيادة المفوضية السامية موضع متابعة لبنانية، نظرًا إلى الدور الذي تؤديه في توثيق الانتهاكات ورفع التقارير إلى أجهزة الأمم المتحدة المختلفة. لا يخفي هذا السجال حقيقة أعمق تتمثل في أن منصب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أصبح أكثر عرضةً للاستقطاب السياسي. فكلما اتسعت رقعة النزاعات الدولية، تقلّصت مساحة التوافق حول تعريف الانتهاكات وآليات مساءلة مرتكبيها، ما يجعل استقلالية المفوضية نفسها موضع اختبار دائم. skip render: ucaddon_box_testimonial