بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام والتدخلات الخارجية، تقف سوريا اليوم أمام مشهد مختلف، لا يخلو من التعقيد، لكنه يحمل في داخله فرصة نادرة. القوى التي تنافست طويلًا على الأرض السورية، واختلفت مصالحها وتحالفاتها وحساباتها، تنتقل تدريجيًا إلى ساحة أخرى أقل صخبًا من المدافع وأكثر تأثيرًا في المستقبل: ساحة النفوذ الناعم، والتنافس على كسب ثقة السوريين وقلوبهم، وهنا يكمن التحدي. فالمطلوب ألا يتحول هذا التنافس الجديد إلى نسخة ناعمة من صراعات الأمس، وألا ينتقل السوريون من ساحات الحرب بين المحاور إلى ساحات الولاء لها. فرصة لا محور أي تقارب إقليمي أو دولي يخفف الضغوط عن سوريا، وأي دعم يأتي من السعودية أو قطر أو بقية دول الخليج أو تركيا أو الولايات المتحدة أو أوروبا أو غيرها، يجب أن يُقرأ أولًا من زاوية واحدة: ماذا تستفيد سوريا؟ ليس المطلوب أن تختار دمشق دولة ضد أخرى، أو محورًا في مواجهة محور، بل أن تحوّل تعدد الراغبين في مساعدتها إلى شبكة مصالح تخدم إعادة البناء والاستقرار والاقتصاد. فكلما تنافست الدول على تقديم الاستثمار، وإعادة الإعمار، وفرص العمل، والتكنولوجيا، والتعليم، والصحة، كان من الممكن أن يتحول التنافس الخارجي إلى رصيد داخلي لسوريا، بدل أن يصبح وقودًا لانقسام جديد بين السوريين. المعادلة التي تحتاجها البلاد بسيطة: ليتنافس الجميع على سوريا، لا أن تتنافس سوريا من أجل الجميع. هوية منفتحة السوريون ليسوا أبناء مجتمع منغلق على ذاته. فالجغرافيا والتاريخ جعلا سوريا، طوال قرون، معبرًا للتجارة والثقافات والأديان والأفكار، ونقطة اتصال بين الشرق والغرب، وبين المتوسط والداخل العربي. لهذا، لا يشكل الانفتاح على العالم انتقاصًا من الهوية السورية، بل يمكن أن يكون امتدادًا طبيعيًا لها. المشكلة لا تبدأ عندما تنفتح سوريا على الخارج، بل عندما يصبح الخارج قادرًا على تحويل انفتاحها إلى ولاءات متفرقة داخل المجتمع. skip render: ucaddon_material_block_quote حصانان نجحت القيادة السورية خلال المرحلة الجديدة في توسيع هامش الحركة الخارجية وإعادة فتح قنوات مع دول واتجاهات متعددة، لكن نجاح السياسة الخارجية وحده لا يكفي. فالمرحلة تحتاج إلى السير على حصانين في الوقت نفسه: حصان للخارج، وحصان للداخل. في الخارج، المطلوب علاقات متوازنة، واستثمارات، وشراكات، ومصالح متبادلة، ورفض وضع سوريا نهائيًا داخل خندق مغلق في مواجهة خندق آخر. أما في الداخل، فالمهمة أكثر حساسية: بناء وعي وطني قادر على تفسير معنى هذا الانفتاح للسوريين. هنا تصبح الحاجة ملحّة إلى سردية وطنية واضحة وسهلة تصل إلى كل سوري: من يساعد سوريا نشكره. من يستثمر فيها نرحب به. من يقف معها نحفظ له موقفه. لكن الولاء السياسي يبقى لسوريا وحدها. فليس ثمة مشكلة في أن يحب السوري دولة وقفت إلى جانبه، أو شعبًا احتضنه، أو حكومة قدمت له العون في زمن صعب. الامتنان طبيعي، والمحبة إنسانية، لكن الخط الفاصل يجب أن يبقى واضحًا بين الامتنان والولاء. فالامتنان علاقة أخلاقية، أما الولاء فهو علاقة سياسية ووطنية. يبدأ الخطر عندما يشعر السوري بأن ارتباطه بدولة خارجية يسبق ارتباطه بدولته، أو حين تنقسم البلاد نفسيًا إلى جماعات ترى كل واحدة منها في عاصمة مختلفة مرجعها أو حاميها أو مستقبلها. ولاءات صغيرة دفعت سوريا أثمانًا هائلة عندما تحولت إلى ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، ومن الخطأ أن تعود الظاهرة نفسها بثياب جديدة. فقد يبدأ الأمر بتفضيل سياسي بسيط: هذا يميل إلى تركيا، وذاك إلى السعودية، وثالث إلى قطر، ورابع إلى الولايات المتحدة أو أوروبا. لكن عندما يتحول الميل إلى هوية، والامتنان إلى اصطفاف، تصبح الدولة أمام ولاءات صغيرة تتنافس داخل الولاء الوطني الأكبر. هنا يصبح الدعم الخارجي، مهما كانت نياته إيجابية، مادة خلاف بين السوريين بدل أن يكون عنصر قوة لهم، وهذا ما يجب تجنبه. الوطن الذي يحتاج إلى راعٍ خارجي لكل جماعة، لم يصبح وطناً بعد ماكينة وطنية لا تقع المسؤولية هنا على الحكومة وحدها. الإعلاميون والمثقفون والجامعات والمدارس والمؤثرون وقادة المجتمع جميعهم معنيون بإعادة صياغة العلاقة بين السوري والخارج. ولا يحتاج الأمر إلى خطب طويلة أو شعارات ثقيلة، المطلوب ماكينة إعلامية وطنية ذكية تكرر مجموعة بسيطة من الأفكار: الانفتاح ليس اصطفافًا، الشراكة ليست تبعية، المساعدة لا تمنح حق الوصاية، والعلاقة مع الخارج لا تجعل الخارج بديلًا عن الوطن. هذه الأفكار قد تبدو بديهية، لكنها في الدول الخارجة من الحروب ليست بديهية على الإطلاق. جسور عبور سوريا تحتاج اليوم إلى بناء جسور عبور نفسية وسياسية للسوريين. عبور من البحث عن الحامي الخارجي إلى الثقة بالدولة، ومن الولاءات المتفرقة إلى الانتماء الوطني. ومن سؤال: «من يقف معنا؟» إلى سؤال أكثر نضجًا: «ماذا يخدم مصلحة سوريا؟» فالسياسة الخارجية الناجحة ليست التي تجعل السوريين يتوزعون بين أصدقاء الخارج، بل التي تجعل جميع أصدقاء الخارج يتنافسون على بناء علاقة جيدة مع سوريا. ذاكرة أوسع وثمة مسألة أخرى لا تقل أهمية: الذاكرة. من الخطأ اختزال التاريخ السوري كله في مرحلة الثورة، مهما بلغت مركزيتها في التاريخ السوري الحديث، ومهما حملته من تضحيات وآلام وتحولات كبرى. الثورة جزء شديد الأهمية من الذاكرة السورية، لكنها ليست الذاكرة كلها. فسوريا أقدم بكثير من أزماتها الأخيرة، وأوسع من أي مرحلة سياسية، وأعمق من أن يبدأ تاريخها من سنة وينتهي عند أخرى. اختزال تاريخ شعب يمتد آلاف السنين في عقد أو عقدين لا يخدم بناء دولة جديدة، بل قد يقطع الأجيال عن جذورها ويحوّل الذاكرة الوطنية إلى ساحة صراع جديدة. الدول لا تُبنى بمحو ما سبقها، ومن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي سلطة جديدة أن تتعامل مع التاريخ باعتباره عبئًا يجب التخلص منه، أو أن تعتقد أن تأسيس شرعية جديدة يحتاج بالضرورة إلى إلغاء كل ما سبقها. الشعوب الأكثر استقرارًا ليست تلك التي بلا ماضٍ، بل تلك التي تعرف كيف تقرأ ماضيها دون أن تصبح أسيرته. تحتاج سوريا إلى أن تنظر إلى تاريخها كله: إلى نجاحاته وإخفاقاته، إلى لحظات مجده ومآسيه، إلى ثوراته وانكساراته، وإلى أخطاء سلطاته ومعارضاتها ومجتمعه على السواء، فالذاكرة ليست محكمة دائمة، بل يمكن أن تكون مدرسة. التصالح مع التاريخ وفي أحاديث حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، برزت إشارات إلى التاريخ والجذور وتجربة السوريين مع الاقتلاع والهجرة والتحولات الكبرى، وهي أفكار تعيد طرح سؤال جوهري: كيف يتعامل السوريون مع ماضيهم؟ ربما تكون الإجابة في فكرة واحدة: التصالح مع التاريخ، لا الهرب منه ولا السجن داخله. التصالح لا يعني تبرير الأخطاء، ولا إسقاط المحاسبة، ولا مساواة الضحية بالجلاد. بل يعني امتلاك الشجاعة لقراءة التاريخ كما كان، بكل تناقضاته، ثم استخلاص ما يسمح ببناء مستقبل مختلف. وطن واحد سوريا لا تحتاج إلى أن تنسى كي تبدأ من جديد، بل تحتاج إلى أن تتذكر بحكمة. لا تحتاج إلى عداوات دائمة، بل إلى مصالح دائمة، ولا تحتاج إلى استبدال محور بمحور، أو تبعية بتبعية، أو ولاء خارجي بولاء خارجي
حين يَختارُ الإنسانُ أن يَرى دون أن يُرى في زمنٍ تتكدّسُ فيه الصُّوَرُ على الشاشاتِ كما تتكدّسُ الوجوهُ في المدن، يُصبِحُ الغيابُ فعلًا صاخبًا بحدِّ ذاتِه. ليس كلُّ مَن لا يظهرُ على المنصّات يعيشُ في الظلّ؛ بعضُهم ببساطةٍ اختارَ أن يحتفِظَ بنورِه لنفسِه. هؤلاء الذين لا ينشُرون صُوَرَهم، لا يشاركون ملامحَهم، لا يطلبون “الإعجابات”، ولا يخوضون سباقَ الظهور، هُم اليوم ظاهرةٌ تستحقُّ قراءةً أعمق من مجرّد “تحفّظ” أو “خجل”.هذا الصمتُ الرقميّ هو، في جوهرِه، لغةٌ جديدة. إنّه حوارٌ بين الذاتِ والعالَم من دون وسطاء. فالإنسانُ الذي يتجنّبُ عرضَ وجهِه لا يهربُ من الوجود، بل يُعيدُ تعريفَ معنى الوجودِ في فضاءٍ بات يختزلُ الكينونةَ في صورةٍ مُربّعةٍ وإضاءةٍ مثالية. التحكُّم في الانكشاف: معركةٌ مع المرآةِ المفتوحة كلُّ صورةٍ تُنشَر هي شكلٌ من أشكالِ “الكشف”؛ انفتاحٌ طوعيّ أمام عيونٍ لا تُحصى، قد لا نعرِفُها ولا نثقُ بها. الصامتون رقميًا يشعرون بثِقل هذا الكشف. إنّهم يُدرِكون أن نشرَ صورةٍ يعني تسليمَ جزءٍ من الذاتِ إلى فضاءٍ عامٍّ لا يمكنُ استرجاعُه، وأنَّ كلَّ لقطةٍ تُصبحُ سجلًّا أبديًا في ذاكرةِ الإنترنت التي لا تنسى. لذلك، يتراجعون خطوةً إلى الوراء، ليس خوفًا من الضوء، بل احترامًا لحرمةِ الظلّ.في التحليل النفسيّ الحديث، يُنظَر إلى هذا الانسحاب على أنّه تعبيرٌ عن رغبةٍ في السيطرةِ على السردِ الشخصي. فمَن ينشُر صورتَه يُسلِّم زمامَ صورتِه لعدساتِ الآخرين، أمّا مَن يصمتُ فهو يكتبُ فصلًا خفيًّا في كتابِ الذات، بلا شهودٍ ولا جمهور. الصمتُ الرقميّ في جوهرِه، لغةٌ جديدة. فالإنسانُ الذي يتجنّبُ عرضَ وجهِه لا يهربُ من الوجود، بل يُعيدُ تعريفَ معنى الوجودِ في فضاءٍ بات يختزلُ الكينونةَ في صورةٍ مُربّعةٍ وإضاءةٍ مثالية بين التقييمِ والنجاةِ من المقارنة ثمة جانبٌ آخر في الصمت الرقميّ أعمقُ من فكرةِ الخصوصية. إنّه رفضٌ للانخراطِ في سوقِ المقارنات التي تحكُم المنصّات. فالعَينُ البشريّة حين تتجوّلُ بين الصور لا ترى وجوهًا بقدر ما تُجري حساباتٍ غير واعية: مَن يبدو أسعد، أجمل، أنجح. هذا الضغطُ الخفيّ هو ما يجعل بعضَ العقولِ الحسّاسة تختارُ الانسحابَ حفاظًا على توازنِها الداخليّ.إنّهم لا يريدون أن تُقاسَ قيمتُهم بعددِ الإعجابات أو جودةِ الإضاءة. هم مَن يُدرِكون أنّ الأنا الرّقميّة تنمو على مائدةِ الجمهور، فتفقدُ شيئًا من صدقِها كلما ازداد نهمُها للظهور. لذلك، يُصبحُ الامتناعُ عن النشرِ فعلًا علاجيًا — رفضًا جماعيًا لمعادلة: “أنا أُشارِك، إذن أنا موجود”. هُويَّةٌ بلا صورة: تمرُّدٌ ناعمٌ على ثقافةِ العرض الذين لا ينشرون صورَهم لا يختفون، بل يختارون شكلًا آخر للوجود: وجودًا ذهنيًا، فكريًا، أو كتابيًا. في عالمٍ يربطُ الحضورَ بالصورة، يُصبحُ الامتناعُ عن الصورةِ تمرّدًا ناعمًا، إعلانًا غير صاخبٍ بأنّ الإنسانَ ليس مجرّد ملامحٍ يمكنُ تجميعُها في إطار.علمُ النفسِ الرمزيّ يقرأُ هذا السلوكَ كبحثٍ عن حرّيةٍ من التشييءِ البصري — عن استعادةِ العلاقةِ الأصليّة بين الذاتِ والعَين. فالذي لا يظهرُ لا يُحاكَم، ولا يُعلَّق عليه، ولا يُختصر. هو يعودُ إلى نقطةِ البدء، حيث يمكنُ للإنسان أن يكون، ببساطة، كما هو، بلا جمهورٍ ولا فلاتر ولا توقيتٍ للنشر. الذاكرةُ الرقميّة والقلقُ من الديمومة يعيشُ جيلُ اليوم داخلَ أرشيفٍ رقميٍّ لا يزول. كلُّ صورةٍ، كلُّ منشورٍ، هو طبقةٌ من الماضي تبقى عالقةً في الحاضر. هذا الوعيُ بالتاريخيّةِ الجديدة للحظة يجعل البعضَ يتردّد قبلَ الضغطةِ على زرِّ “النشر”. إنّهم يخافون أن تُجمَّدَ اللحظةُ إلى الأبد، أن تفقدَ عفويتَها حين تُحفَظ في سحابةٍ إلكترونية، أن تتحوّلَ حياتُهم إلى معرضٍ مُؤرشَف بدلَ أن تكونَ تجربةً حيّة.من منظورٍ نفسيّ، هذا القلقُ من “التثبيت الرقمي” هو شكلٌ من أشكالِ مقاومةِ المستقبل الزائف الذي تصنعُه المنصّات. هو دفاعٌ غريزيّ عن الزمنِ الحقيقيّ، عن اللحظةِ التي لا تُعاد. السكينةُ كاختيارٍ معاصر في نهايةِ التحليل، لا يمكنُنا أن نقرأَ الصمتَ الرقميَّ كعلامةٍ على الانعزالِ فقط. إنّه أيضًا مظهرٌ من مظاهرِ النضج. فأن تختارَ الصمتَ وسطَ ضجيجِ المنصّات، يعني أنك وجدتَ مساحةً أعمقَ للتواصل مع نفسِك. أن تقولَ “لا” للعرض لا يعني رفضَ الحياة، بل رغبةً في عيشِها بعيدًا عن أعينِ العالم.تلك ليست عزلةً، بل هدوءٌ محسوب. ليست انطواءً، بل وعيًا بأنّ الإنسانَ لا يحتاجُ أن يُرى كي يكونَ حقيقيًّا. الحضورُ الذي لا تُلتقَطُه عدسة. قد يبدو الغيابُ في عالمِ الصورِ نوعًا من التلاشي، لكنّه في جوهرِه حضورٌ آخر — حضورٌ لا يعتمدُ على الضوء، بل على العُمق. الصمتُ الرقميُّ ليس فراغًا، بل لغةً جديدة تُعبّرُ بها النفوسُ التي سئمت أن تُقاسَ بمرآةِ الآخرين. في عصرٍ يعجُّ بالصور، مَن يختارُ ألّا يظهر، يُعلِنُ بطريقتِه أنَّ جوهرَ الإنسانِ لا يمكنُ اختزالُه في شاشة. وربما، في النهاية، هؤلاء الصامتون رقميًا هم مَن فهموا المعادلةَ الأعمق: أن أصدقَ صورةٍ للذات، هي تلك التي لم تُنشَر بعد.