ليس الإعلانُ العالميُّ لحقوق الإنسان نصًّا كونيًّا كما يُقدَّم في الكتب المدرسية والخطابات الأممية. هو، في أفضل حالاته، وثيقةٌ أخلاقيةٌ انتقائية، وفي أسوأها أداةٌ خطابية تُستخدم لتجميل نظامٍ دوليٍّ يميّز بين البشر بوقاحةٍ قانونية. الفلسطيني هو الدليلُ الأكثر فجاجةً على هذا التمييز، لأنه الحالة التي لا تنطبق عليها القاعدة، ولا تُمنَح شرفَ الاستثناء النبيل، بل تُترك في المنطقة الرمادية حيث تُعلَّق الحقوق بلا مساءلة. هنا تسقط كلُّ ادّعاءات الحياد. ما يجري ليس تقاسمًا عادلًا للأعباء، بل إعادةُ إنتاجٍ للمنطق نفسه الذي يحكم القضية الفلسطينية منذ عقود: الفلسطيني يدفع، وغيره يُعفى. منذ ولادته، لم يكن الفلسطيني متساويًا في الكرامة أو الحقوق. وُلد لاجئًا أو واقعًا تحت احتلال، وتحوّل بمرور الوقت إلى «حالةٍ إنسانيةٍ مزمنة»، وهي التسمية المهذّبة لحرمانٍ دائم من الحماية القانونية والسياسية. الإعلانُ الذي يُفترض أنه عالميٌّ لم يمنحه حقَّ العودة، ولا الحمايةَ من الاحتلال، ولا حتى المساواة داخل المؤسسات التي أُنشئت خصيصًا من أجله. الجنسيةُ كمعيارٍ في النظام الدوليّ المعاصر، لا تُقاس إنسانيةُ الفرد بكونه إنسانًا، بل بجواز سفره. الفلسطيني، الذي لا يحمل دولةً ذات سيادة، يدفع ثمن هذا الفراغ السياسي يوميًّا، ليس فقط على الحواجز الإسرائيلية، بل داخل مكاتب الأمم المتحدة نفسها. هنا يتحوّل غيابُ الجنسية إلى نقصٍ في القيمة، وإلى مبرّرٍ غير مُعلَن للتمييز. هذا التمييز لا يُمارَس على الهامش، بل في قلب البنية الأممية. المؤسساتُ التي ترفع شعار الحياد والإنسانية تعمل وفق هرميةٍ واضحة: الدولي في القمّة، المحلي في القاع، والفلسطيني في أدنى الدرجات، لأنه يجمع بين المحليّ واللاجئ في آنٍ واحد. الأونروا: العقابُ باسم الإدارة قرارُ المفوّض العام لوكالة الأونروا خصمَ 20 في المئة من رواتب الموظفين المحليين الفلسطينيين، مع استثناء الموظفين الدوليين أصحاب الرواتب الأعلى والامتيازات الأوسع، ليس إجراءً ماليًّا اضطراريًّا، بل فعلٌ سياسيٌّ بامتياز. هو إعلانٌ غير مكتوب بأن الفلسطيني هو الحلقة الأضعف، وبالتالي هو من يجب أن يدفع ثمن فشل النظام الدولي في تأمين تمويلٍ مستدام لوكالة أنشأها المجتمع الدولي نفسه. لا يمكن تبرير هذا القرار بالحديث عن «أزمةٍ مالية» دون الاعتراف بأنه يكرّس تمييزًا على أساس الجنسية. الموظفُ الفلسطيني، الذي يعيش أصلًا تحت ضغطٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ خانق، يُطلب منه أن يتحمّل العجز، بينما يُحمى الموظف الدولي من أي مساس، لا لسببٍ سوى أنه يحمل جنسيةً أقوى، ويمثّل مركزَ النظام لا هامشه. من الحماية إلى الضبط الاجتماعي بهذا القرار، تنتقل الأونروا من كونها وكالةَ حمايةٍ مؤقتة إلى أداةِ ضبطٍ اجتماعيٍّ واقتصاديٍّ لمجتمعٍ لاجئ. تخفيضُ الرواتب ليس تفصيلًا إداريًّا، بل رسالةٌ سياسيةٌ واضحة: الاستقرار يُشترى بالحدّ الأدنى، والكرامة قابلةٌ للتأجيل، والحقوق مرتبطةٌ بالقدرة على التحمّل. الفلسطيني هنا لا يُعامَل كموظفٍ متساوٍ، بل كلاجئ يجب أن «يتفهّم الظروف»، وهي العبارة التي تُستخدم عالميًّا لتبرير الظلم عندما يكون الضحية بلا نفوذ. الإعلانُ العالمي بلا أنياب تكمن مشكلةُ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في أنه نصٌّ بلا أدوات إلزام، وبلا استعدادٍ سياسيٍّ لتطبيقه عندما يصطدم بمصالح الدول الكبرى. لذلك يفشل الإعلان كلَّ مرة يُختبَر فيها في فلسطين، لأن تطبيقه هناك يتطلّب مواجهةَ الاحتلال، ومساءلةَ التمييز، وكسرَ هرمية النظام الدولي نفسه. الفلسطيني لا يحتاج إلى مزيدٍ من البيانات الأممية، بل إلى تفسيرٍ بسيط: لماذا لا تُطبَّق القواعد ذاتها على الجميع؟ ولماذا يصبح التمييز مقبولًا عندما يكون الضحية فلسطينيًّا؟ أزمةُ نظام… لا أزمةُ رواتب ما يحدث اليوم داخل الأونروا ليس أزمةً ماليةً عابرة، بل عرضٌ لمرضٍ أعمق: نظامٌ دوليٌّ يرى الفلسطيني عبئًا دائمًا، لا إنسانًا متساويًا. الإعلانُ العالمي لحقوق الإنسان، في صيغته الحالية، ليس مظلّةَ حمايةٍ للفلسطيني، بل واجهةٌ أخلاقيةٌ لنظامٍ يعرف جيدًا من يستحق الحقوق، ومن يمكن التضحية به. طالما بقيت الإنسانيةُ مشروطةً بالجنسية، وطالما استُخدم الفلسطيني صمامَ أمانٍ لأزمات الآخرين، سيبقى الإعلان العالمي نصًّا جميلًا… لا يصل إلى المخيّم، ولا يحمي من التمييز، ولا يمنع الظلم عندما يكون مُنظَّمًا. https://al-post.com/wp-content/uploads/2026/01/الفلسطيني-خارج-الانسانية.mp4
أثارَ قرارُ سحبِ الجنسيةِ الكويتيةِ من الداعيةِ الإسلاميِّ المعروفِ طارقِ السويدان جدلًا واسعًا، وتساءلَ كثيرون عن الأسبابِ الكامنةِ وراءَ هذا القرار، وعن هويّةِ الرجلِ الذي شغلَ الرأيَ العامَّ بمواقفه وإنتاجاته الفكرية والدعوية على مدى سنين. طارق السويدان؟ وُلِدَ طارق محمد صالح السويدان في 15 نوفمبر 1953، وهو شخصيةٌ متعددةُ المواهب؛ فهو باحثٌ وكاتبٌ وداعيةٌ إسلاميّ، ومؤرّخٌ وإعلاميّ، وخبيرٌ في مجال التدريب على الإدارة والقيادة.حازَ السويدان على شهرةٍ واسعةٍ في العالم العربي والإسلامي من خلال برامجه التلفزيونية التي تتناول التاريخ الإسلامي والفكر وتنمية القدرات، ويُعرَف بأسلوبه القصصيِّ الجذّاب في عرض المعلومات.حصلَ السويدان على شهادةِ الدكتوراه في هندسةِ البترول من جامعة تلسا في الولايات المتحدة الأمريكية، وشغلَ مناصبَ أكاديميةً وإداريةً مرموقة، أبرزها إدارته لقناةِ “الرسالة” الفضائية التي أُقيل منها لاحقًا بسبب مواقفه السياسية. تفاصيلُ القرار وأسبابُه أمس صدرَ مرسومٌ أميريٌّ في الكويت يقضي بسحبِ الجنسية الكويتية من طارقِ السويدان ومن اكتسبها معه بالتبعية. وعلى الرغم من أنَّ المرسومَ الرسميَّ لم يُوضِّح الأسباب المباشرة للقرار، إلّا أنَّ الخطوةَ تأتي في سياقِ حملةٍ واسعةٍ لسحبِ الجنسيات في الكويت، بالإضافة إلى ارتباطها بمواقفِ السويدان السياسية. يمكنُ تلخيصُ الأسبابِ المحتملة التي أدّت إلى سحبِ جنسيةِ السويدان في النقاط الآتية: الانتماء الفكري لجماعة الإخوان المسلمين: يُعرَف السويدان بتأييده لجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما قد يتعارض مع التوجهات السياسية لبعض دول المنطقة، لاسيما دول الخليج العربي. المواقف السياسية: إذ كانت مواقفه المعارضة لبعض الأحداث السياسية في المنطقة، مثل الانقلاب العسكري في مصر عام 2013، سببًا في إقالته من قناة “الرسالة” وتسليطِ الضوء على نشاطه السياسي. حملة سحب الجنسيات: يأتي القرار ضمن حملةٍ أوسع في الكويت تهدف إلى “إصلاح” ملف الجنسية، وقد شملت الحملة آلاف الأشخاص، من بينهم شخصياتٌ عامة. قلق دولي أثارت حملةُ سحبِ الجنسيات في الكويت قلقًا دوليًّا، حيث أعربت مفوضيةُ الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عن “قلقها البالغ” إزاء هذه الإجراءات، ووصفتها بـ”التعسفية”. كما أثار القرار جدلًا واسعًا حول حرية التعبير وحقوق الإنسان في الكويت. يبقى قرارُ سحبِ الجنسية من شخصيةٍ عامةٍ بحجمِ طارق السويدان حدثًا فارقًا، يطرح أسئلةً عميقةً حول العلاقة بين المواطنة والانتماء السياسي، ويفتح الباب أمام نقاشاتٍ أوسع حول مستقبلِ الحريات في المنطقة. حالاتٌ مشابهة تُثير موجةُ سحبِ الجنسيات الأخيرة في الكويت تساؤلاتٍ عميقةً حول طبيعةِ هذه القرارات ودوافعِها. وبمقارنةِ حالةِ الداعيةِ طارقِ السويدان مع حالاتٍ أخرى بارزة، تتكشفُ أنماطٌ مختلفة من الأسباب المعلنة وغير المعلنة، تتراوح بين الإجراءات القانونية والتصفيات السياسية. من أبرز تلك الحالات: حاكم المطيري (زعيم حزب “الأمة” المعارض)، نوال الكويتية (فنانة)، داود حسين (ممثل)، محمد المهان (نائب سابق). حملةُ “تصحيحِ الهوية” تأتي جميعُ هذه الحالات في إطار حملةٍ واسعةٍ وغير مسبوقةٍ لسحبِ الجنسيات، بدأت في مارس 2024 وأدّت إلى تجريدِ عشراتِ الآلاف من الأشخاص من جنسيتهم. وتستهدف الحملة فئاتٍ متنوعة، تشمل: مزدوجو الجنسية: إذ لا يسمح القانون الكويتي بازدواجية الجنسية. الحاصلون على الجنسية بالتزوير: من خلال تقديم وثائق أو معلومات غير صحيحة. المُجنَّسون بالزواج: حيث أُلغيت قراراتُ تجنيسٍ سابقة لنساءٍ تزوجن من كويتيين. المعارضون السياسيون: كأداةٍ للضغط أو العقاب.