سيستفيق الصيداويون، بعد انقضاء الحرب الدائرة حاليًا، على واقع ثقيل ومزعج، وعلى مدينة تغيّرت ملامحها تحت وطأة الفوضى، حتى بات كثيرون يندمون على ما آلت إليه الأمور بسبب الجبن، والخنوع، واللامسؤولية، وغياب الحكمة، وانهيار هيبة القانون. قد يأتي وقت الحساب لاحقًا، وقد يكثر الكلام يومها عن التداعيات الكبرى، لكن ما لم يعد يحتمل الانتظار منذ الآن هو هذا المشهد المقرف من المخالفات العشوائية التي تغزو شوارع المدينة بلا حسيب ولا رقيب، وكأن صيدا باتت جزيرة خارجة عن سلطة البلدية وشرطتها، بل وعن أي قوة يفترض بها أن تفرض النظام وتمنع التعديات. سنوات من الجهد المتراكم في قمع المخالفات، وتحسين المشهد العام، وفرض حد أدنى من احترام الأملاك العامة، بدّدتها البلدية الحالية في أيام. صحيح أن ظروف الحرب زادت المشهد تعقيدًا، لكن الصحيح أيضًا، بحسب مصادر متابعة، أن هذا الانفلات لم يبدأ مع الحرب، بل سبقها، وتفاقم معها حتى صار أقرب إلى سياسة أمر واقع. ما يجري يثير الذهول. من سمح بهذا الطغيان على الأملاك العامة والخاصة؟ ومن فتح الباب أمام هذه الشهية المفتوحة على الفوضى؟ قبل أشهر فقط، امتلأت صفحات التواصل بصور عضو بلدي مفتوح الصدر، وخلفه شرطيان أو ثلاثة يحملون “مترًا ومسطرة”، في استعراض قيل لنا إنه لتطبيق القانون وازالة المخالفات. فأين اختفى هذا المشهد اليوم؟ هل انكسرت “الشوكة” عند أول امتحان جدي من كثرة الاستجواب في السراي؟ أم أن ما جرى لم يكن أكثر من “همروجة” عابرة سرعان ما انطفأت؟ حين تغيب البلدية عن الشارع، لا تملأ الفراغ القوانين… بل يملؤه المعتدون على المدينة من يجيب؟ من يحمي المدينة وأهلها من “الشبيحة” الذين لا يقيمون وزنًا لا لبلدية، ولا لرئيسها، ولا لأعضائها، ولا لشرطتها؟ وأين أولئك الذين ملأوا الدنيا سابقًا صراخًا واعتراضًا من قوى سياسية ومالية على مخالفات كانت البلديات المتعاقبة تعمل على إزالتها تدريجيًا؟ لماذا خرست الألسن اليوم؟ وهل كان كل ذلك الاعتراض مجرد تصفية حسابات وتشخيص لا أكثر؟ المشهد محزن ومهين في آن. مدينة يضغطها الخارج بصمت، ويعبث بها الداخل بجهل. كيف عادت المقاهي التي أزيلت من الواجهة البحرية للبلدة القديمة إلى الظهور مجددًا؟ من سمح بإعادة نصب الخيم في الشوارع العامة وعلى أملاك الدولة؟ كيف جرى احتلال الأرصفة وتحويلها إلى بؤر قبيحة للبيع والشراء بمختلف أنواع البضائع؟ كيف عاد سوق الخضار قرب فلافل أبو رامي فجأة، بعدما احتاجت إزالته سابقًا إلى جهد طويل؟ من منح صاحب مقهى حق تحويل طريق داخلي إلى مساحة خاصة تفترشها الطاولات والكراسي، وتتمدّد ليلًا لتبتلع الرصيف الاستراتيجي الذي سبق أن أزيلت التعديات عنه؟ وأين ذهبت كل المعارك التي خيضت لمنع باعة السمك المثلّج من افتراش الأرصفة؟ ها هم اليوم يعودون من جديد، بسمكهم المأنتن، ومعهم بسطات الخضار، في مشهد لا ينقصه إلا إعلان رسمي بسقوط كل المعايير. ولا تقف المظاهر المقززة عند ساحة الشهداء، التي حوّلها الباعة إلى سوق خضار وفواكه، ولا عند البسطات التي تزاحم السيارات من دوار فرن العربي حتى مدرسة “الأميركان”، بل تمتد أيضًا إلى الفوضى البصرية الخانقة: لافتات وأعلام على كل عامود، بلا رخصة، بلا ضوابط، بلا أي اعتبار لمدينة تُنهش يوميًا باسم المزاج والاستباحة. أما مبدأ “موقف لحظة” الذي اعتمدته البلدية سابقًا أمام عدد كبير من السوبرماركت والصيدليات والمحلات الكبرى مقابل رسم مقطوع، فقد أطاحت به حروب المواقف، وجذوع الأشجار، وقضبان الحديد، ومعه ضاعت فكرة التنظيم كما ضاع كثير غيرها. المشكلة لم تعد في مخالفة هنا أو تعدّ هناك، بل في سقوط الردع نفسه. في مدينة يُفترض أنها تُدار، فإذا بها تُترك نهبًا لمن يفرض أمره، ويمد يده، ويحتل، ويبيع، ويشوّه، من دون أن يخشى أحدًا.
حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) في اللحظات المصيرية الدقيقة، لا يُقاس حضور المؤسسات بحجم بياناتها، بل بقدرتها على الوقوف بين الناس، في الشارع، على ركام البيوت، وفي عيون من فقدوا كل شيء. هناك فقط تُختبر الشرعيات… وهناك أيضًا تُفضح الغيابات. بينما كانت قرى الجنوب اللبناني تنزف تحت وطأة العدوان الإسرائيلي، ولم تسلم مدن كصيدا وأحياء واسعة من بيروت من ارتداداته التدميرية، لم يكن المشهد متساويًا في رمزيته الدينية. فقد خرج البطريرك الماروني بشارة الراعي، بلباسه الكنسي، ليجول بين القرى المسيحية المتضررة، يواسي، ويبارك، ويقول للناس: أنتم لستم وحدكم. لم يكن ذلك مجرد تحرك رعوي، بل رسالة سياسية – اجتماعية مركبة: الكنيسة هنا، في قلب الألم. في المقلب الآخر، بدا الصمت ثقيلاً… صمت دار الفتوى، المرجعية الدينية الأعلى للسنة في لبنان. صمت لا يمكن تبريره بالحياد، ولا تفسيره بالحذر. ففي لحظة يُفترض أن تكون فيها المرجعيات الدينية صمّام أمان، تحوّل الغياب إلى سؤال وجودي: من يمثل الناس حين يُتركون وحدهم؟ لا في قرى الحدود المنكوبة، ولا في صيدا المثقلة بأعباء النزوح والضغط الاقتصادي، ولا حتى في بيروت التي لامست تداعيات الحرب أمنًا ومعيشةً ونفسيًا. ليس المطلوب استعراضًا إعلاميًا، ولا خطابات شعبوية، بل الحد الأدنى من الحضور الرمزي: زيارة قرية حدودية منكوبة، جولة في مدينة متضررة، كلمة دعم علنية تُقال من قلب الحدث لا من خلف المكاتب. مبادرة تضامن تُشعر الناس بأن هناك من يرى وجعهم، سواء في الأطراف أو في مراكز الثقل السكاني. لكن ما حصل هو العكس تمامًا: حضور خجول، صوت موسمي، وخطاب لا يظهر إلا في المناسبات أو عند زيارة شخصيات سياسية مثل سعد الحريري. وكأن الألم اليومي لا يكفي لاستدعاء الكلمة. هنا، لا يعود السؤال عن الأداء فقط، بل عن الدور. ماذا تعني المرجعية الدينية إن لم تكن أول الواصلين وآخر المنسحبين؟ كيف يمكن لمؤسسة تدير موارد الزكاة والتبرعات أن تغيب في أكثر اللحظات احتياجًا؟ أين تذهب هذه الأموال؟ ومن يقرر أولوياتها؟ وهل تحوّلت من أداة تكافل إلى بند إداري بارد، منزوع الحس والرسالة، لا يصل إلى قرى الحدود ولا إلى أحياء بيروت ولا إلى شوارع صيدا التي تعيش ضغط الحرب بصمت ثقيل؟ المشكلة ليست في غياب زيارة، بل في غياب رؤية. في انفصال متزايد بين المؤسسة وقاعدتها الاجتماعية. في شعور يتنامى لدى شريحة واسعة من أبناء الطائفة بأنهم متروكون لمصيرهم، بلا غطاء، بلا صوت، وبلا منبر يعكس معاناتهم، سواء في القرى الحدودية أو في المدن التي تحمّلت عبء النزوح والتداعيات. في زمن الأزمات، لا تُغفر الأخطاء بسهولة. لأن الثمن يُدفع من لحم الناس، لا من رصيد المؤسسات. وحين يرى المواطن أن مؤسسته الدينية غائبة، بينما غيرها حاضر وفاعل، فإن المقارنة تصبح جارحة… بل وخطيرة. فهي لا تطرح فقط سؤال الكفاءة، بل سؤال الانتماء. قد يقول قائل إن الظروف الأمنية أو الحسابات السياسية تفرض نوعًا من التحفظ. لكن التاريخ لا يكتب أعذارًا، بل مواقف. والناس لا تتذكر من صمت… بل من حضر. اليوم، تقف دار الفتوى أمام اختبار حقيقي، ليس فقط في إدارة الأزمة، بل في إعادة تعريف دورها. فإما أن تعود إلى الناس، إلى وجعهم الحقيقي، إلى قراهم المهمشة ومدنهم المثقلة… أو تترك فراغًا لن يبقى فارغًا طويلًا. لأن الفراغ، في لبنان تحديدًا، لا يُحتمل. وغالبًا… يُملأ بمن لا يشبه الناس.
في زمن الحروب المفتوحة والرسائل النارية المتبادلة، قد يبدو المشهد الإقليمي وكأنه يسير نحو انفجار شامل بين إيران وإسرائيل. لكن خلف دخان التصعيد، تتحرك شبكة صامتة أشدّ تأثيرًا: شبكة النفط. هناك، لا مكان للشعارات، بل لمعادلات دقيقة تُكتب بأنابيب تمتد من بحر قزوين إلى المتوسط، وتُدار بعقل بارد حتى في أكثر اللحظات سخونة من باكو إلى تل أبيب تُعدّ أذربيجان أحد أبرز مورّدي النفط إلى إسرائيل، إذ تغطي نسبة كبيرة من احتياجاتها عبر صادرات تمرّ بمسارات إقليمية معقّدة. وهذه الحقيقة، في حدّ ذاتها، ليست صادمة بقدر ما هي كاشفة: فالدولة القريبة جغرافيًا من إيران، والمتوترة معها سياسيًا، تموّن أحد أبرز خصومها الاستراتيجيين بالطاقة. المفارقة هنا ليست في الأرقام، بل في الصمت. صمت الصواريخ الإيرانية عن منشآت الطاقة الأذربيجانية، رغم كل ما يجري في المنطقة من تصعيد، يطرح سؤالًا يتجاوز الحدث إلى بنية النظام الإقليمي نفسه. تركيا: الجسر الذي لا يُقصف في قلب هذه المعادلة تقف تركيا، لا كطرف صاخب في الصراع، بل كوسيط جغرافي حاسم. فعبر خط أنابيب باكو–تبليسي–جيهان، يتحول النفط الأذربيجاني إلى سلعة عابرة للقارات، تصل إلى الأسواق العالمية، ومنها إسرائيل. أنقرة، التي تتبنى خطابًا سياسيًا داعمًا للفلسطينيين، تمارس في الوقت نفسه براغماتية اقتصادية صارمة. فهي لا ترى في الطاقة مجرد أداة اقتصادية، بل رافعة نفوذ إقليمي. هكذا، تصبح تركيا شريكًا غير مباشر في معادلة الطاقة التي تغذي إسرائيل، من دون أن تنخرط رسميًا في الصراع. هذا التناقض ليس استثناءً، بل هو القاعدة في عالم تُدار فيه السياسات الكبرى بمصالح الطاقة قبل المبادئ. في الشرق الأوسط، لا تقول الحقيقةَ الخطبُ العالية، بل الأنابيب الممتدة بصمت، هناك فقط يظهر مَن يعادي مَن، ومَن يحتاج إلى مَن لماذا لا تضرب إيران؟ رغم التوتر العميق بين إيران وأذربيجان، ورغم الصراع المفتوح مع إسرائيل، تتجنب طهران استهداف البنية النفطية التي تغذي خصمها بشكل غير مباشر. هذا “الامتناع” ليس ضعفًا، بل نتاج حسابات معقدة: أولًا، إن أي استهداف لأذربيجان يعني عمليًا الاحتكاك مع تركيا، بما تحمله من ثقل عسكري وتحالفات دولية، وهو ما قد يفتح باب مواجهة أوسع لا يمكن احتواؤها. ثانيًا، هناك تشابكات داخلية حساسة، إذ تضم إيران أقلية أذرية كبيرة، ما يجعل التصعيد مع باكو محفوفًا بتداعيات داخلية غير محسوبة. ثالثًا، وهو الأهم، أن ضرب منشآت الطاقة لا يعني فقط استهداف دولة، بل استهداف شبكة مصالح دولية معقدة تضم شركات كبرى واستثمارات عابرة للحدود. وأي خطأ في هذا الملف قد يحوّل الصراع من إقليمي إلى دولي. خطوط حمراء غير معلنة الصراع الحالي بين إيران وإسرائيل لم يعد مجرد مواجهة تقليدية، بل تحوّل إلى حرب متعددة المستويات: أمنية، وسيبرانية، واستخباراتية، واقتصادية. ومع ذلك، تبقى هناك خطوط حمراء غير مكتوبة، أهمها استهداف شرايين الطاقة العالمية. فالنفط، بخلاف الصواريخ، لا يُستخدم للردع فقط، بل للحفاظ على توازن هش. إنه لغة المصالح التي تُجبر الخصوم على ضبط إيقاع المواجهة، حتى وهم يرفعون سقف التهديد. في الشرق الأوسط، لا يُقاس الموقف بما يُقال في الخطب، بل بما يمرّ في الأنابيب. وبينما تتصاعد النبرة السياسية، تستمر تدفقات النفط في رسم خريطة أكثر واقعية للعلاقات. ما تكشفه معادلة أذربيجان–تركيا–إسرائيل، في ظل الصراع مع إيران، هو أن المنطقة لا تُحكم بمنطق العداء المطلق، بل بتوازنات دقيقة بين الاقتصاد والسياسة. فحتى في ذروة المواجهة، تبقى هناك مصالح لا تُمس، لأنها ببساطة… أكبر من الحرب نفسها. وفي هذا التناقض تحديدًا، يكمن سر الشرق الأوسط: حيث يمكن للخصوم أن يتقاتلوا على السطح، ويتقاطعوا في العمق، من دون أن ينهار النظام بأكمله.