skip render: ucaddon_box_testimonial هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للرأسمالية الرقمية. فالخوارزمية ليست آلة بريئة تقف خارج المجتمع، ولا مجرد أداة تساعد الصحفي على الوصول إلى جمهوره. إنها جزء من بنية اقتصادية جديدة أعادت تعريف العلاقة بين المعرفة والسوق والإنسان. لم تعد الأخبار وحدها قابلة للتحويل إلى قيمة، فقد دخل الوقت البشري، والسلوك، والبيانات، والتفاعل في دورة إنتاج اقتصادية واسعة. الاقتصاد الخفي كان ماركس يتحدث عن العامل الذي يبيع قوة عمله في المصنع. أما اليوم، فقد انتقل المصنع إلى جيوبنا وشاشاتنا. نحن ننتج البيانات ونحن نقرأ، ونكشف عاداتنا ونحن نظن أننا نستهلك. كل نقرة، وكل إعجاب، وكل توقف أمام صورة، وكل ثانية إضافية أمام فيديو، تدخل في اقتصاد خفي يحوّل السلوك الإنساني إلى مورد قابل للاستخراج. هنا يظهر فائض القيمة في ثوبه الرقمي. الصحفي ينتج القصة، والمؤسسة تنتج المحتوى، والجمهور ينتج التفاعل والبيانات، والمنصة تملك البنية التي تجمع كل ذلك وتحوله إلى قيمة اقتصادية. لكن القيمة لا تتوقف عند أجر الصحفي أو ثمن الإعلان؛ إنها تمتد إلى منظومة كاملة تستثمر في الوقت البشري وتعيد توزيعه وفق منطق السوق. ولنأخذ مشهدًا بسيطًا من غرفة أخبار افتراضية. يعمل صحفي لأسابيع على تحقيق حول تلوث مياه منطقة فقيرة. يجمع الوثائق، ويقابل السكان، ويراجع التقارير، ويتتبع مسؤولية الشركات والجهات الرسمية. ينشر التحقيق بعنوان هادئ ودقيق، لأن القضية معقدة ولا تحتمل الإثارة. في اليوم نفسه، تنشر المنصة خبرًا قصيرًا عن فضيحة أحد المشاهير، بعنوان صادم وصورة جذابة. بعد ساعات، يحصد الخبر الخفيف مئات الآلاف من المشاهدات، بينما يبقى التحقيق الذي قد يؤثر في حياة آلاف الناس في الهامش. ماذا يحدث بعد ذلك؟ لا تحتاج إدارة التحرير إلى إصدار أمر مباشر. تكفي الأرقام. يبدأ الصحفي، في المرة التالية، بالتفكير في العنوان، ثم الصورة، ثم طول النص، ثم الكلمات التي يبحث عنها الجمهور. وبعد فترة، يتغير السؤال من: «ما القضية التي تستحق التحقيق؟» إلى: «ما القضية التي يمكن أن تحقق انتشارًا؟» الاغتراب الفكري هنا لا تكون الخوارزمية قد منعت التحقيق. لقد فعلت شيئًا أكثر عمقًا: غيّرت شروط إنتاجه قبل أن يُكتب. وهنا يبدأ الاغتراب. فالصحفي ينتج المادة، لكنه لا يملك مصيرها. يكتب القصة، لكن الخوارزمية تحدد مدى رؤيتها. ينتج المعرفة، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى تعديلها كي تتوافق مع شروط المنصة. ومع الوقت، لا يعود يكتب فقط عما يراه مهمًّا، بل عما يعرف مسبقًا أن النظام سيكافئه. وهذه هي القوة الأكثر نعومة في الهيمنة: ألا تحتاج إلى إجبارك على الطاعة، بل أن تجعلك تتعلم قواعدها بنفسك. إنها هيمنة لا ترتدي الزي الرسمي للسلطة. لا تصدر مرسومًا ولا ترفع عصًا. إنها تعمل من خلال الحوافز والأرقام والترتيب والظهور والاختفاء. تمنحك مكافأة حين تقترب من منطقها، وتحرمك من الجمهور حين تبتعد عنه. الفوقية الرقمية بذلك تتحول الخوارزمية إلى جزء من الفوقية التي تعيد إنتاج البنية الاقتصادية داخل الوعي والثقافة والإعلام. فالمنصة لا تكتفي بتوزيع الأخبار، إنها تشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تحديد ما يراه المجتمع، وما يختفي عنه، وما يصبح موضوعًا عامًا وما يبقى هامشيًّا. وهنا يبلغ التشيؤ ذروته. القصة تصبح رقمًا، والقارئ يصبح بيانات، والصحفي يصبح «منتج محتوى»، والجمهور يتحول إلى مؤشرات أداء. يتحول الإنسان من غاية للمعرفة إلى مادة في دورة إنتاجها. ثم يأتي الذكاء الاصطناعي ليضع السؤال أمام الصحافة بصورة أكثر قسوة. فالتحقيق الذي يستغرق أسابيع من العمل، والمقابلات التي تحتاج إلى وقت، والوثائق التي يجمعها الصحفي، والمعرفة التي تراكمها غرف الأخبار، يمكن أن تتحول كلها إلى مادة خام لأنظمة قادرة على إعادة تركيبها في إجابات سريعة. لم يعد الأمر متعلقًا باستغلال قوة العمل وحدها، بل باستخراج القيمة من التراكم المعرفي للمجتمع كله. ومع ذلك، ليست المشكلة في الآلة. المشكلة في علاقات القوة التي تحكم الآلة. السؤال الحقيقي ليس: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الصحفي؟ بل: من يملك البنية التحتية التي ستحدد كيف تُنتج المعرفة، وكيف تُوزع، ومن يحصل على القيمة الناتجة عنها؟ فالخوارزمية تستطيع أن تعرف ما يجذب الجمهور، لكنها لا تستطيع أن تجعل الجذب معيارًا للحقيقة. تستطيع أن تتنبأ بما سنشاهده، لكنها لا تملك بالضرورة إجابة عن السؤال الأصعب: ما الذي يحتاج المجتمع إلى معرفته، حتى لو لم يرغب في مشاهدته؟ مصنع للنقرات هنا تستعيد الصحافة معناها. فالصحافة ليست مصنعًا للنقرات، ولا مزرعة للبيانات، ولا آلة لإبقاء العين معلّقة بالشاشة. إنها صراع على الحقيقة والذاكرة والمعنى. لذلك، فإن المعركة المقبلة ليست بين الإنسان والآلة، بل بين منطق السوق ومنطق المعرفة؛ بين صحافة تُقاس بقيمة ما تكشفه، ومنظومة تقيسها بقيمة ما تستطيع تحويله إلى عائد. لقد تغير المصنع، وتغير العامل، وتغيرت السلعة. لكن السؤال الماركسي القديم بقي في مكانه، أكثر توهجًا من أي وقت مضى: من يملك أدوات إنتاج المعرفة، يملك جزءًا من أدوات إنتاج الوعي. وفي عصر الخوارزميات، لم تعد المعركة على الخبر وحده. إنها معركة على من يملك حق تحديد ما يستحق أن يظهر، وما يمكن أن يختفي، وما الذي يدخل إلى الوعي العام وما الذي يبقى خارجه. ومن يملك هذه القدرة، لا يملك شاشة العرض فقط؛ بل يقترب من امتلاك بوابة الوعي نفسه.
لم يَعُد الذكاء الاصطناعي يقتصر على كتابة الأخبار أو تلخيصها أو مساعدة غرف الأخبار في إنتاج المحتوى، بل بدأ يقترب من مساحة أكثر حساسية، تتمثّل في إصدار الأحكام على الصحفيين وتقييم مصداقيتهم. وبينما يُسوَّق لهذه الأدوات باعتبارها وسيلة لتعزيز الشفافية والمساءلة، يخشى كثيرون أن تتحوّل إلى آلية جديدة للضغط على الإعلام، ولا سيّما عندما تصبح العدالة الرقمية خدمة تُشترى بالمال. في أبريل/نيسان الماضي، تلقّى الصحفي الأميركي غاري بوم، العامل في مجلة «هوليوود ريبورتر»، رسالة إلكترونية غير مألوفة، تُخطره بأنه أصبح طرفًا في قضية تنظر فيها محكمة تعمل بالذكاء الاصطناعي. لم تكن الرسالة صادرة عن جهة قضائية رسمية، وإنما عن منصة خاصة تحمل اسم «Objection AI»، وهي شركة أعلنت عن خدمة تحكيم مدفوعة تعتمد على نماذج الذكاء الاصطناعي للفصل في النزاعات المتعلقة بالتغطية الصحفية، مقابل رسوم تبدأ من ألفَي دولار، وقد تصل إلى 15 ألف دولار. وتتيح المنصة لأي شخص يعتبر نفسه متضررًا من تقرير صحفي أن يرفع شكوى مقابل رسوم مالية، بينما يتولّى مراجعة الملف محققون سابقون عملوا في مؤسسات أميركية، مثل وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، قبل أن تُحال القضية إلى لجنة تضم نماذج ذكاء اصطناعي من شركات كبرى، مثل «OpenAI» و«Anthropic» و«Google» و«Mistral» و«xAI»، لتصدر قرارها خلال 72 ساعة فقط. ورغم أن هذه الأحكام لا تتمتع بأي صفة قانونية، فإن المنصة كانت تعلن نيتها نشرها في سجل إلكتروني، باعتبارها مؤشرًا على النزاهة المهنية أو العكس، وهو ما أثار تساؤلات حول قدرة مثل هذه التصنيفات على التأثير في سمعة الصحفيين ووسائل الإعلام، حتى من دون أي قوة قانونية مُلزمة. ويثير المشروع مزيدًا من الجدل بسبب خلفية مؤسسه، المحامي الأسترالي آرين دي سوزا، الذي سبق أن شارك في الحملة القانونية السرية التي موّلها الملياردير بيتر ثيل ضد موقع «Gawker» قبل نحو عقد، وانتهت بإفلاس الموقع بعد صدور حكم قضائي بتعويضات بلغت 140 مليون دولار بسبب انتهاك الخصوصية، وليس بسبب نشر معلومات كاذبة. ويرى منتقدون أن استحضار تلك التجربة لتبرير إنشاء منصة لتقييم الصحفيين يخلط بين حماية الخصوصية ومحاسبة العمل الصحفي، وهما مساران قانونيان مختلفان. skip render: ucaddon_material_block_quote ولم تقتصر الانتقادات على فكرة المحكمة الافتراضية، بل امتدت إلى آليات عملها. فقد نصحت الشركة الأشخاص بعدم إجراء مقابلات صحفية إلا بعد توقيع الصحفي على اتفاق يقضي بإحالة أي نزاع مستقبلي إلى منصة التحكيم الخاصة بها. كما طوّرت أداة كانت تضع علامة «قيد التحقيق» على التقارير المنشورة عبر منصة «إكس» بمجرد تقديم شكوى، حتى قبل التحقق من الأدلة أو سماع رد الصحفي، وهو ما اعتبره خبراء تقويضًا لمبدأ افتراض البراءة. ولم يكن أول المستفيدين من هذه الخدمة أفرادًا عاديين، بل شخصيات نافذة، من بينهم أحد ورثة عائلة ساكلر، التي ارتبط اسمها بأزمة المسكنات الأفيونية في الولايات المتحدة. كما تضمّنت طلبات المراجعة تقارير نشرتها صحف مرموقة، مثل «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال». وتستند الشركة، في تبرير مشروعها، إلى تراجع ثقة الجمهور الأميركي بوسائل الإعلام، وهي ظاهرة وثّقتها استطلاعات مؤسسة «غالوب»، التي أظهرت انخفاض الثقة إلى نحو 28 في المئة، بعدما كانت تقارب 70 في المئة خلال سبعينيات القرن الماضي. غير أن معالجة أزمة الثقة عبر منصات خاصة مدفوعة تثير، بدورها، أسئلة حول استقلالية هذه التقييمات، وإمكان تحوّلها إلى أداة ضغط جديدة على المؤسسات الإعلامية. وبعد أشهر من إطلاق المشروع، اختفت المنصة من الإنترنت، قبل أن تعود في منتصف يوليو/تموز الماضي بهوية مختلفة تحت اسم «The Primary». لكن النسخة الجديدة تخلّت عن فكرة المحكمة الافتراضية، واستبدلت بها منصة لتقييم نحو 20 ألف صحفي، اعتمادًا على ملايين المقالات التي شاركوا في إنتاجها، مع التنويه إلى أن النتائج مجرد تقييمات آلية تعبّر عن رأي الخوارزمية، وليست أحكامًا نهائية. ورغم هذا التغيير، لم تتراجع المخاوف. فالعديد من المدافعين عن حرية الصحافة يحذّرون من انتقال مثل هذه النماذج إلى دول تفتقر أصلًا إلى الضمانات القانونية الكافية لحماية الصحفيين. وفي بيئات تعاني من هشاشة المؤسسات القضائية وضعف استقلال الإعلام، قد تتحوّل التقييمات الآلية إلى وسيلة لتشويه السمعة أو ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على الصحفيين، من دون المرور بالإجراءات القضائية التقليدية. ولا يقتصر الخطر على فكرة «المحكمة» نفسها، بل يمتد إلى منح الخوارزميات سلطة معنوية في تحديد مَن هو الصحفي الموثوق، ومَن هو الصحفي المضلّل، في وقت لا تزال فيه هذه الأنظمة تعاني من أخطاء منهجية، وتفتقر إلى الشفافية الكاملة بشأن معاييرها وآليات تدريبها. skip render: ucaddon_box_testimonial
منذ تولّي دوروثي كلاوس إدارةَ الأونروا في لبنان، تغيَّر وجهُ الوكالة: اللاجئُ صارَ رقمًا، والميدانُ شاشةً، والإغاثةُ إدارةً رقميّةً باردة. خطابٌ ناعمٌ يُخفي مشروعًا يُفرِّغُ العملَ الإنسانيَّ من روحِه الوطنيّة، ليُحوِّله إلى إدارةٍ أمنيّةٍ “ذكيّة” تُراقبُ أكثرَ ممّا تُغيث. ويبقى السؤالُ الأكبر: لِمصلحةِ مَن؟ ثمّة ما يُعادُ هندستُه في الخفاء. توسّعٌ عمرانيٌّ غامض في منطقةِ سبلين في إقليمِ الخروب، وأجهزةُ “حمايةٍ” مريبة، وتوظيفٌ متسارع… وكلُّ ذلك تحتَ لافتةِ “التحديثِ الإداري” و”التحوّلِ الرقميّ”. مَن فوّضَ الأونروا بإعادةِ تشكيلِ المخيّمات؟ وفي إطارِ أيِّ مشروعٍ يصبُّ ذلك؟ ومَن منحها صلاحيّةَ تحويلِ مجتمعٍ بأكملهِ إلى قاعدةِ بياناتٍ تُدارُ من خلفِ الشاشات؟ مَن يريدُ استبدالَ الهُويّةِ بالرَّمز، والحقِّ الإنسانيِّ بخُطّةٍ أمنيّةٍ ناعمةٍ، تمهيدًا لمرحلةِ وصايةٍ جديدةٍ وتلاشي قضية عالمية، وتوطين مكتوم؟