في واحدةٍ من أكثر اللحظات صفاءً وجرأةً في تاريخ الخطاب العربي، جلس غسان كنفاني أمام أسئلة الصحافي الأسترالي ريتشارد كارلتون في بيروت عام 1970، لا ليخوض حوارًا عاديًّا، بل ليقيم محاكمةً كاملةً للمفاهيم التي يُراد فرضها على الشعوب تحت عناوين برّاقة. كان السؤال بسيطًا في ظاهره، لكنه مثقلٌ بكل ما يحمله من اختزالٍ للتاريخ والدم والحق قال الصحافي: لماذا لا تدخل منظمتكم في محادثات سلام مع إسرائيل؟فأجابه كنفاني بهدوءٍ يشبه الحسم: أنت لا تقصد تحديدًا محادثات سلام، بل تقصد استسلامًا. لم يكن الردّ انفعاليًّا، بل كان تفكيكًا لغويًّا وسياسيًّا لكلمة “سلام” حين تُستخدم خارج سياق العدالة. حاول الصحافي أن يخفّف من حدّة السؤال، وأن ينقله من ميدان السياسة إلى ميدان “الكلام” المجرّد، فقال: لماذا لا تتكلمون فحسب؟لكن كنفاني لم يقبل هذا الهروب الناعم، بل أعاد السؤال إلى جوهره: نتكلم مع مَن؟ قال الصحافي: تتكلمون مع القادة الإسرائيليين.فردّ كنفاني: نتكلم عن ماذا؟ هنا بدأ الحوار يكشف عن فراغ الفكرة التي يُراد تسويقها. فالكلام، كما أراده الصحافي، ليس أداةً للوصول إلى حقّ، بل وسيلةً للتخلّي عنه. لذلك تابع: تتكلمون عن إمكانية ألّا تقاتلوا.فجاء الجواب كالسهم: لا نقاتل من أجل ماذا؟ ليس كلّ كلامٍ سلامًا، وبعضُ المفاوضاتِ لا تكونُ طريقًا إلى العدالة، بل صياغةً أنيقةً للهزيمة ارتبك السؤال أمام منطقه، فحاول أن يقفز فوق السبب كله: لا تقاتلوا أبدًا، لا يهمّ من أجل ماذا.لكن كنفاني أعاد تثبيت المعنى في مكانه الطبيعي: الناس عادةً تقاتل من أجل شيءٍ ما، وتتوقّف عن القتال من أجل شيءٍ ما، لكنك لا تستطيع أن تخبرني لماذا علينا أن نتوقّف عن القتال، لأجل ماذا؟ حينها لجأ الصحافي إلى لغةٍ إنسانيةٍ عامة، تبدو أخلاقيةً في ظاهرها، لكنها تخفي مساواةً مضللةً بين الجلاد والضحية: تكلموا لتوقفوا القتال والموت والبؤس والدمار والألم.فردّ كنفاني بسؤالٍ يعرّي هذا التعميم: موتٌ وبؤسٌ ودمارٌ وألمُ مَن؟ قال الصحافي: الفلسطينيين والإسرائيليين والعرب.لكن كنفاني رفض هذه المساواة السهلة، وأعاد رسم الصورة كما هي: الشعب الفلسطيني الذي اقتُلع من أرضه، ورُمي في المخيمات، ويعيش في مجاعة، ويُقتل منذ سنواتٍ طويلة، وممنوعٌ عليه حتى أن يُسمّي نفسه باسمه. هنا بلغ الحوار ذروته حين قال الصحافي: ذلك أفضل من الموت على الأقل.فجاء جواب كنفاني لا بوصفه رأيًا، بل تعريفًا كاملًا للكرامة: ربما بالنسبة إليك، لكن بالنسبة إلينا ليس الأمر كذلك. بالنسبة إلينا، أن نحرّر بلدنا ونحصل على الكرامة والاحترام والحقوق الإنسانية، هذه الأشياء أساسيةٌ كما هي الحياة ذاتها. ثم ارتفع صوته بالفكرة التي لا تزال حتى اليوم تختصر كل الصراعات غير المتكافئة: التاريخ كان دومًا تاريخ الضعفاء الذين يقاتلون الأقوياء، تاريخ من يملكون قضيةً في مواجهة من يملكون القوة. وما أنجزناه في قتالنا، ولو كان قليلًا، أنه أثبت أن لنا قضيةً نقاتل من أجلها، وهذا بحدّ ذاته إنجازٌ كبير. وختم بما يشبه الوصية: هذا الشعب يفضّل أن يموت واقفًا على أن يخسر قضيته، وقد أثبت أنه سيستمرّ في القتال حتى النهاية، وأنه لن يُهزم، لأنه قال للعالم كله إنه شعبٌ صغير… لكنه شجاع، وسيقاتل حتى آخر قطرة دم ليجلب العدالة حين يعجز العالم عنها. هذا الحوار، بكل ما فيه من وضوحٍ قاسٍ، لا يبدو اليوم نصًّا من الماضي، بل كأنه يُعاد كتابته على طاولة المفاوضات التي يُدفع إليها لبنان. فالسؤال ذاته يعود بثيابٍ جديدة: لماذا لا تتفاوضون؟ ولماذا لا “تتحدثون”؟ ولماذا لا تختارون “الهدوء”؟ لكن خلف هذه الأسئلة، يختبئ دائمًا سؤال كنفاني الأصلي: نتكلم عن ماذا؟ هل هي مفاوضاتٌ لحماية السيادة؟ أم لإعادة تعريفها؟ هل هي لتثبيت الحقوق؟ أم لتقليصها تحت ضغط الواقع؟ وهل المطلوب وقف التوتر… أم إغلاق ملف الصراع بشروطٍ غير متكافئة؟ في لحظةٍ كهذه، يصبح استحضار ذلك الحوار أكثر من مجرد اقتباسٍ أدبي؛ إنه اختبارٌ للمعنى. لأن الخطر ليس في أن يجلس بلدٌ إلى طاولة التفاوض، بل في أن يجلس من دون أن يعرف ما الذي لا يمكن التنازل عنه. كنفاني لم يرفض الكلام، بل رفض الكلام الفارغ من الغاية. لم يرفض السلام، بل رفض سلامًا بلا عدالة. وبين لبنان اليوم وذلك الحوار القديم، خيطٌ رفيعٌ من الأسئلة التي لا يمكن تجاوزها: متى يكون التفاوض سياسة، ومتى يتحوّل إلى صياغةٍ هادئةٍ للهزيمة؟ قد تتغيّر الأسماء والظروف، لكن المعادلة تبقى كما هي: ليس كل صمتٍ حكمة، وليس كل كلامٍ سلامًا… وبعض الحوارات، إن لم تُبنَ على حقٍّ واضح، تتحوّل إلى مجرد ترجمةٍ أنيقةٍ للخسارة.
زيارةٌ في توقيتٍ لا يحتملُ الغياب يصلُ إلى بيروت رئيسُ جهازِ المخابراتِ العامّةِ المصرية اللواء حسن رشاد، في زيارةٍ تحملُ دلالاتٍ سياسيةً وأمنيةً عميقةً، في لحظةٍ يتأرجحُ فيها لبنان بين احتمالِ الحربِ الشاملةِ ورهانِ الوساطات. الزيارةُ التي تأتي في إطارِ التنسيقِ الأمنيِّ والسياسيِّ بين القاهرةِ وبيروت، كما أكّد السفيرُ المصريُّ في لبنان، ليست حدثًا بروتوكوليًّا فحسب، بل رسالةٌ من مصرَ إلى المنطقة: أنَّ الغيابَ الطويلَ انتهى، وأنَّ القاهرةَ تعودُ إلى خطوطِ التماسِّ الإقليميِّ كـوسيطٍ نزيهٍ وفاعلٍ، يُوازِنُ بين العقلانيةِ والمصلحةِ العربية. وتأتي زيارةُ اللواء رشاد إلى بيروت في هذا السياق، لتُعيدَ تفعيلَ قنواتِ التواصلِ المصري–اللبناني، وتضعَ مصرَ في موقعِ الوسيطِ الضامنِ لاستقرارِ لبنان ومنعِ انزلاقِه إلى الحرب. تُدركُ القاهرةُ أنَّ أيَّ تفجّرٍ عسكريٍّ على الحدودِ الجنوبية سيُهدّدُ الأمنَ الإقليميَّ بأكمله، ولذلك تُصرّ على دعمِ مبدأِ حصريةِ السلاحِ بيدِ الدولةِ اللبنانية، وهو ما يتوافقُ مع القراراتِ الدوليّةِ والاتجاهِ العربيِّ العامّ. “وتشيرُ مصادرُ دبلوماسيةٌ مطّلعةٌ لصحيفة “البوست إلى أنَّ اللواء رشاد يحملُ رسائلَ عربيّةً ودوليّةً حسّاسةً إلى القيادةِ اللبنانية، تتمحورُ حولَ آلياتِ خفضِ التصعيدِ وضمانِ الالتزامِ بالقرار 1701، وربّما بحثَ إمكانيّةِ دورٍ مصريٍّ مباشرٍ في الوساطةِ بين بيروت وتل أبيب. البلدُ بين معادلتين يأتي التحرّكُ المصريُّ في وقتٍ يشهدُ فيه لبنان انقسامًا حادًّا بين من يدعون إلى احتكارِ السلاحِ بيدِ الدولة، ومن يرون أنَّ المقاومةَ تبقى “ضرورةً دفاعيّة”. في ظلِّ هذا التناقضِ البنيويّ، تلعبُ القاهرةُ دورًا مزدوجًا: فهي تدعمُ الشرعيةَ اللبنانيةَ ومؤسّساتِها، وفي الوقتِ ذاته تُدركُ حساسيةَ التوازنِ الطائفيِّ والسياسيِّ في البلاد، فلا تتدخّلُ إلّا بما يضمنُ الاستقرارَ من دون المساسِ بالسيادة. تُذكّرُ هذه المقاربةُ الواقعيةُ بالدبلوماسيةِ المصريةِ في عهد حسني مبارك، التي اتّسمت بـ”الهدوء المتحكَّم”، القادرةِ على جمعِ الفرقاءِ من دون افتعالِ ضوضاءٍ إعلاميّة. فمصرُ لا تسعى إلى فرضِ أجندة، بل إلى إعادةِ هندسةِ التوازناتِ بما يجنّبُ المنطقةَ انفجارًا جديدًا، خصوصًا أنَّ حربًا في لبنان اليوم ستُشعلُ النيرانَ على أكثرَ من جبهة، وتُربكُ معادلاتِ البحرِ الأحمرِ وغزّة وسوريا والعراق. ليست عودةُ مصرَ إلى بيروت حدثًا معزولًا، بل جزءًا من تحوّلٍ استراتيجيٍّ في الرؤيةِ المصريةِ الجديدةِ للشرقِ الأوسط. تعي القاهرةُ أنَّ النظامَ الإقليميَّ يعيشُ مرحلةَ تفكّك، وأنَّ غيابَ الدورِ العربيِّ تركَ فراغًا ملأته قوى غيرُ عربيّةٍ — من إيران إلى تركيا وإسرائيل. لذلك تعملُ مصرُ على استعادةِ زمامِ المبادرةِ العربية، عبر وساطاتٍ متوازنةٍ في لبنان وغزّة والسودان، تُعيدُ للعربِ حضورَهم كطرفٍ صانعٍ للتسوياتِ لا متفرّجٍ عليها. ويُدركُ المراقبون أنَّ جهازَ المخابراتِ العامّةِ المصريةِ أصبحَ الذراعَ التنفيذيةَ لهذه الدبلوماسيةِ الهادئة؛ فهو يتحرّكُ بين العواصمِ بخبرةٍ أمنيّةٍ وسياسيةٍ تسمحُ له بفهمِ المشهدِ من الداخل، بعيدًا عن الشعارات، وقريبًا من الواقعِ الميدانيِّ والإنسانيِّ معًا. يُعبّرُ التحرّكُ المصريُّ في لبنان عن رؤيةٍ عربيةٍ متكاملةٍ: أنَّ تثبيتَ السِّلمِ الأهليِّ مقدَّمٌ على أيِّ حساباتٍ سياسيةٍ أو فصائليةٍ، وأنَّ استقرارَ لبنان هو شرطٌ لاستقرارِ المشرقِ كلِّه.لا تُقدّمُ القاهرةُ اليوم نصائحَ فحسب، بل تعرضُ شراكةً استراتيجيةً لبيروت في إعادةِ بناءِ مؤسّساتِ الدولة وتعزيزِ التعاونِ الأمنيّ، بما يضمنُ تطبيقَ القوانينِ الدولية وتحييدَ البلادِ عن صراعاتِ المحاور. حينَ تصمتُ البنادقُ ويعلو صوتُ الدولة في زمنٍ تتسابقُ فيه القوى الإقليميّةُ على النفوذ، تُذكّرُ مصرُ الجميعَ بأنَّ النفوذَ الحقيقيَّ هو في القدرةِ على تهدئةِ النار لا إشعالِها، وفي أنْ تُسمَعَ كلمتُها في كلِّ أزمةٍ دون أن تُطلِقَ رصاصةً واحدة. من عبد الناصر إلى السادات، ومن مفاوضاتِ غزّة إلى زياراتِ بيروت، يبقى الدورُ المصريُّ وترًا ثابتًا في لحنِ الشرقِ الأوسطِ المتقلّب. لا تعودُ القاهرةُ إلى الساحةِ باندفاعٍ إعلاميٍّ، بل بخبرةِ التاريخِ ومراكمةِ الثقة، وبقناعةٍ أنَّ الشرقَ الأوسطَ لا يُدارُ بالصراخ، بل بالعقل.ولعلَّ زيارةَ اللواء حسن رشاد اليوم إلى لبنان تمثّلُ استكمالًا طبيعيًّا لمسيرةٍ طويلةٍ من القيادةِ الإقليميّةِ المصرية، التي تُدرِكُ أنَّ بناءَ السلامِ أصعبُ من إشعالِ الحرب، وأنَّه وحده القادرُ على أنْ يكتبَ فصلًا جديدًا من الاستقرارِ في المنطقة. من عبد الناصر إلى اليوم منذ خمسينياتِ القرنِ الماضي، كانت مصرُ بوصلةَ المنطقة، ومختبرَ التحوّلاتِ الكبرى في العالمِ العربيّ. في عهدِ الرئيس جمال عبد الناصر، تكرّست القاهرةُ مركزًا للقرارِ العربيّ، وقاعدةً لحركاتِ التحرّرِ من الاستعمار. دعمَ عبد الناصر القضيةَ الفلسطينية ولبنان كجبهةِ مواجهةٍ مع إسرائيل، وسعى لتوحيدِ الصفِّ العربيِّ تحت شعار الوحدة والمصير المشترك. ورغم أنَّ الحلمَ الوحدويَّ واجهَ تعقيداتٍ سياسيةً لاحقة، إلّا أنّه أسّسَ لمكانةِ مصرَ كـدولةِ ضميرٍ عربيٍّ تمتلكُ شرعيّةً معنويةً تتجاوزُ حدودَ الجغرافيا. ثم جاء عهدُ أنور السادات الذي نقلَ مصرَ من منطقِ الثورةِ إلى منطقِ الدولة، فخاضَ حربَ أكتوبر 1973 التي أعادتْ للعربِ توازنَ الكرامة، ثم أطلقَ “الدبلوماسية الواقعية” باتفاقيةِ كامب ديفيد، ليكرّسَ مبدأَ أنَّ السلامَ ليس تنازلًا بل إدارةً ذكيّةً للقوّة. هذا التحوّلُ جعلَ من مصرَ مركزًا لوساطاتٍ إقليميّةٍ معقّدة، من النزاعِ العربي–الإسرائيلي إلى ملفاتِ لبنان وغزّة واليمن والسودان. في السنواتِ الأخيرة، ومع تصاعدِ الأزماتِ من غزّة إلى الجنوبِ اللبناني، برزت مصرُ مجدّدًا كـقوّةٍ إقليميةٍ متوازنةٍ تمتلكُ القدرةَ على التحدّثِ إلى جميعِ الأطرافِ دون عداءٍ أو انحيازٍ أيديولوجيٍّ.
السرُّ ليس كلماتٍ تُقال، بل مساحةٌ مُقدَّسة بين عقلَين يتبادلان الصمتَ أكثر مما يتبادلان الكلام. كلما اتّسعت هذه المساحة، ضاق احتمالُ الخيانة، وكلما امتلأت بالضجيج، صار السرُّ مادّةً في نشرةِ المساء. لكنّ الإنسان المعاصر، في لحظةٍ من الغرور الرقمي، صار يُلقي أسرارَه كما يُلقي أحدُهم خبزاً لطيورٍ غريبة، طمعاً في تفاعلٍ أو إعجابٍ عابر. وهكذا تحوّل الاعترافُ إلى محتوى، والبوحُ إلى عرضٍ حيّ أمام جمهورٍ لا يعرف الرحمة. ليس الشخص بل الظاهرة حين نقول: لا تُسرّ لترامب، فإننا لا نُحذّر من رجلٍ بعينه، بل من ظاهرةٍ تجسّد عصراً بأكمله؛ عصراً جعل من كلِّ شيءٍ قابلاً للتسويق… حتى الأسرار.ترامب لم يعُد مجردَ سياسي؛ بل صار تجسيداً للرأسمالية المتلفزة، التي تخلط بين السلطة والمسرح، بين الحقيقة والمشهد، بين الدولة والعرض التجاري. منذ اتفاق شرم الشيخ الأخير، بدا ترامب في صورتِه الأوضح: ملكُ العالم الجديد.يقف في المنتصف كما لو أنّه يوقّع باسم الحضارات لا باسم دولة، بعينَين تتحدّثان بلغة المخرج لا الدبلوماسي، وبحضورٍ يفرض نفسه كأنّ التاريخ مجرّد ديكورٍ في برنامجه العالمي الطويل.لقد أدرك ترامب ما لم يُدركه غيره: أنّ الكاميرا أقوى من الجيوش، وأنّ المشهد أهمّ من المعنى، وأنّ العالم لا يحكمه اليوم مَن يملك الحقيقة، بل مَن يملك المنصّة. الأسرارُ عملةً في السوق في عالم ترامب، لا وجود لكلمة سرّ.كلّ ما يُقال يُختزَن في ذاكرةٍ إعلامية بانتظار اللحظة المناسبة للبيع.لا يوجد صديق، بل مشاهد محتمل.ولا يوجد وفاء، بل ترند قادم. مَن يبوح لترامب، كأنّه يوقّع عقداً غير مكتوب، يسمح بتفكيك ذاته في أوّل خلاف.هو لا يخونك لأنّه شرير، بل لأنّه نتاجُ نظامٍ لا يعرف إلا لغة الصفقة.حتى الصدق عنده يُقاس بمدى قابليته للبثّ، والموقف الأخلاقي يُحدَّد بعدد المشاهدات. في عالم ترامب، لا وجود لكلمة سرّ. كلّ ما يُقال يُختزَن في ذاكرةٍ إعلامية بانتظار اللحظة المناسبة للبيع شرم الشيخ… السلامُ مشهداً ما بدا للعالم اتفاقاً لوقف النار في غزّة، كان في عمق الصورة عرضاً جديداً لإعادة إنتاج النفوذ الأميركي بلغة المسرح لا السياسة.ترامب في الوسط، يبتسم بثقة المخرج لا الوسيط، والزعماء إلى جانبه مجرّد كومبارسٍ في مشهدٍ مُعَدٍّ مسبقاً. السلام بدا كإعلانٍ تسويقيّ بلونٍ إنجيليٍّ وابتسامةٍ جمهورية، لا كتحوّلٍ حقيقيّ في ميزان القوى.لقد أصبحنا نعيش في زمنٍ تُستبدَل فيه الثقة بالمشاهدات، والمروءة بالفرجة، والخصوصية بالتفاعل. لم تعُد الأسرار تُحفَظ، بل تُؤرشَف في ذاكرة السوق الكبرى، بانتظار أن تُستخرَج عند الحاجة.مَن يثق بترامب المعاصر — سواء كان صديقاً أو إعلاماً أو منصّة رقمية — يضع رأسه في فم السوق، ويظن أنّ الوحش سيتحوّل إلى ناصحٍ أمين.لكن الوحش لا يُروَّض… بل يُتابَع ويُصفَّق له. في عالمٍ يحكمه الضوءُ لا الضمير، أصبحت الثقة رفاهيةً أخلاقية لا يملكها إلا مَن قرّر الصمت. احكِ لنفسك، لا للعالم. فالعالمُ اليوم لا يُنصِت ليحمي ما يسمع، بل ليسوّقَه. وما لم تفهم هذه القاعدة، ستجد نفسك جزءاً من العرض… لا من الحقيقة. Click here