ثمة مفارقة تاريخية تستحق أن تُقرأ بهدوء؛ قد تكون الحرب بالنسبة إلى إسرائيل وسيلةً لإعادة إنتاج وحدتها، بينما قد يكون السلام الحقيقي هو الاختبار الأصعب لبقائها متماسكة. فالدولة التي قامت على فكرة «الملجأ اليهودي» وعلى ذاكرة الاضطهاد والخوف، وجدت في الصراع العربي – الإسرائيلي، ثم في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، أكثر من مجرد تحدٍّ أمني؛ وجدت فيه عاملًا مؤسِّسًا للهوية السياسية نفسها. لهذا، فإن السؤال الأكثر عمقًا ليس: هل تستطيع إسرائيل أن تنتصر في الحرب؟ بل: ماذا يحدث لإسرائيل إذا لم تعد الحرب قادرة على تعريفها؟ «نحن» و«هم» إلى «من نحن»؟ تنتج الحرب، في كثير من المجتمعات، حالةً من الالتفاف حول الدولة والمؤسسة العسكرية. في إسرائيل تحديدًا، اكتسب الجيش مكانة استثنائية بوصفه أحد أهم مؤسسات الثقة لدى اليهود الإسرائيليين، بينما بقيت الخلافات السياسية والدينية والاجتماعية عميقة. يؤكد «مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي 2025» أن التوتر بين اليمين واليسار أصبح التوتر الاجتماعي الأشد حضورًا، وأن التضامن الداخلي بقي عند مستويات متوسطة إلى منخفضة، مع استمرار ضعف الثقة في عدد كبير من مؤسسات الدولة. هنا تظهر المفارقة: الخطر الخارجي يؤجل أحيانًا الخلاف الداخلي، أما زوال الخطر الخارجي فيُجبر المجتمع على مواجهة نفسه. فماذا يجمع الإسرائيلي العلماني في تل أبيب، والحريدي الذي يضع الشريعة في مركز حياته، والصهيوني الديني الذي يرى أرض الضفة الغربية في إطار ديني وتاريخي، والمستوطن، واليساري، واليميني؟ تستطيع الحرب أن تقول لهم: «أنتم جميعًا في الخندق نفسه»، أما السلام فيسألهم أسئلة أكثر صعوبة: إلى أي دولة تنتمون؟ وما حدودها؟ وما معنى كونها يهودية وديمقراطية في آن؟ وما مصير الفلسطينيين؟ وما حدود الدين في الدولة؟ ومن يدفع ثمن الأمن؟ ومن يتحمل الخدمة العسكرية؟ المشروع القومي والوعد الديني ليست الصهيونية في أصلها الحديث مجرد عقيدة دينية، فقد نشأت، في جزء مهم منها، كمشروع قومي سياسي حديث، وكان من روادها مفكرون علمانيون. لكن تاريخ إسرائيل أتاح لاحقًا تداخلًا متزايدًا بين القومية اليهودية والتفسير الديني للأرض. هذا التداخل بالغ الأهمية عند قراءة التيارات الصهيونية الدينية المعاصرة. ففي الوعي الديني لبعض التيارات، لا تُقرأ «أرض إسرائيل» باعتبارها مجرد مساحة جغرافية قابلة للتفاوض، بل باعتبارها جزءًا من سردية دينية وتاريخية أعمق. وقد أظهرت دراسات اجتماعية سابقة أن المستوطنين اليهود في الضفة الغربية أكثر ميلًا من غيرهم إلى الاعتقاد بأن الله أعطى الأرض للشعب اليهودي، وأن المجتمع الإسرائيلي نفسه منقسم بعمق حول الدين والدولة والاستيطان وحدود الأرض. من هنا يصبح الصراع على فلسطين صراعًا على تعريف الدولة نفسها. فبالنسبة إلى الصهيوني البراغماتي، يمكن أن تكون الأرض ورقة تفاوض إذا كان ذلك يحقق الأمن، أما بالنسبة إلى الصهيوني الديني الأكثر تشددًا، فقد يصبح التنازل عن الأرض مسألة تتجاوز السياسة إلى العقيدة. هنا تتولد واحدة من أخطر التناقضات الداخلية في المشروع الإسرائيلي: هل إسرائيل دولة قومية حديثة تستطيع إعادة رسم حدودها وفق موازين القوة والمصلحة، أم أنها دولة ذات رسالة دينية لا تستطيع التراجع عن الأرض التي تعتبرها جزءًا من وعد إلهي؟ كلما اقترب السلام من هذا السؤال، أصبح الصراع داخليًا. skip render: ucaddon_material_block_quote العقيدة التلمودية ليست الصهيونية من الخطأ المنهجي أن يقال إن «التلمود» وحده أنتج المشروع الصهيوني. التلمود تراث ديني هائل ومتعدد الآراء، والصهيونية السياسية الحديثة ظاهرة تاريخية مختلفة. لكن لا يمكن، في الوقت نفسه، تجاهل أن بعض التيارات اليهودية الدينية الحديثة أعادت توظيف النصوص والتقاليد الدينية في صياغة موقف سياسي من الأرض والشعب والدولة. هنا ينبغي الانتباه إلى شيء بالغ الأهمية: الخطر ليس في النص الديني بذاته، بل في تحويل التأويل الديني إلى برنامج سياسي مغلق لا يقبل التسوية. عندما تصبح الأرض «تكليفًا إلهيًا» في الوعي السياسي، يصبح التنازل عنها أقرب إلى الخيانة العقائدية منه إلى التسوية السياسية. هذا يجعل السلام أكثر صعوبة، لكنه يجعله أيضًا أكثر قدرة على كشف التصدعات الداخلية. لماذا قد يكون السلام أخطر من الحرب؟ لأن الحرب تمنح إسرائيل لغة مشتركة: الأمن، الجيش، الخطر، الحدود، الإرهاب، البقاء. أما السلام الحقيقي، فيسحب هذه اللغة من مركز المشهد ويضع مكانها لغة أخرى: الحقوق، الحدود، الدستور، الدين، المساواة، المستوطنات، الفلسطينيون، القدس، شكل الدولة ومستقبلها. وهذه كلها أسئلة لا يوجد حولها إجماع إسرائيلي. بل إن الانقسامات ليست بين اليمين واليسار فقط. هناك توترات بين المتدينين والعلمانيين، وبين الحريديم وبقية المجتمع، وبين اليهود والعرب، وبين المركز والأطراف، وبين أنصار الدولة ذات الطابع اليهودي القوي وأنصار تعزيز بعدها الديمقراطي. هذا يعني أن فلسطين ليست فقط قضية خارجية بالنسبة إلى إسرائيل؛ إنها مرآة للخلاف الإسرائيلي حول تعريف إسرائيل. الحرب تحفظ التناقض والسلام يكشفه يمكن للحرب أن تجعل العلماني والمتدين والمستوطن واليميني والوسطي يقفون خلف العلم نفسه. لكن السلام يسأل كل واحد منهم: ماذا تريد من الدولة بعد انتهاء الحرب؟ هنا تبدأ الحسابات المختلفة. الصهيوني الديني يريد الحفاظ على الأرض، والعلماني البراغماتي يريد دولة آمنة قابلة للحياة، واليسار يريد تسوية سياسية تحفظ الطابع الديمقراطي، والحريدي يريد حماية نمط حياته ومؤسساته ومصالح جماعته، والعرب داخل إسرائيل يطالبون بمكانة وحقوق ومساواة أعمق، أما الفلسطينيون فيطالبون، قبل كل شيء، بأن يتحول وجودهم من «مشكلة أمنية» إلى قضية شعب وحقوق وطنية. لهذا، فإن السلام الفلسطيني – الإسرائيلي، إذا كان سلامًا حقيقيًا لا مجرد هدنة أمنية، قد يكون أعظم زلزال سياسي داخلي تواجهه إسرائيل. لكن الأزمة لا تتوقف عند حدود إسرائيل الداخلية. فهناك جبهة أخرى بدأت تتغير تدريجيًا: جبهة الشرعية الغربية لإسرائيل، وخصوصًا لدى الأجيال الشابة. الحرب تمنح إسرائيل عدوًا مشتركًا، أما السلام فيجبرها على البحث عن هوية مشتركة خلال العقود الماضية، استفادت إسرائيل من دعم سياسي وشعبي واسع في الغرب، وفي مقدمة ذلك الولايات المتحدة. غير أن هذا المشهد لم يعد ثابتًا كما كان. ففي الولايات المتحدة، كما في عدد من الدول الغربية، تظهر فجوة متزايدة بين الأجيال في الموقف من إسرائيل والفلسطينيين. ويبدو أن الأجيال الشابة أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية وأكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين، وهو تحول قد تكون له آثار بعيدة المدى. هنا تكمن أهمية المسألة: الحكومات تتغير، لكن الأجيال تستمر. فإذا أصبح جيل كامل من الشباب الغربي أقل استعدادًا لمنح إسرائيل التأييد غير المشروط الذي تمتعت به في مراحل سابقة، فإن إسرائيل لا تواجه أزمة علاقات عامة عابرة، بل احتمال تحول طويل الأمد في البيئة السياسية والأخلاقية التي تتحرك داخلها. هذا يعني أن الحرب لا تستهلك القوة العسكرية فقط، بل يمكن أن تستهلك أيضًا جزءًا من رأس المال السياسي والأخلاقي الذي راكمته إسرائيل في الغرب على مدى عقود. الأكثر أهمية أن هذا التحول في الرأي العام بدأ يجد ترجمة في السياسة الدولية، ولا سيما مع انتقال عدد متزايد من الدول الغربية من التعبير عن التعاطف مع الفلسطينيين إلى الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين. وقد اكتسب هذا المسار زخمًا واضحًا من خلال المؤتمر الدولي رفيع
ليس لبنان بلداً صغيراً في المعنى السياسي، وإن كان كذلك في الجغرافيا. فهو مساحة مكثفة لتاريخ المنطقة وتناقضاتها، ومرآة لتعددها، وتجربة نادرة في قدرة مجتمع متنوع على الاستمرار رغم الأزمات. لكن لبنان ليس محكوماً بأن يبقى ساحةً تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين. فالأوطان لا تُقاس فقط بما أصابها من أزمات، بل بقدرتها على تحويل التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى مستقبل. من هنا تبدأ الحاجة إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الاختلاف، ومن انتظار التسويات إلى امتلاك أدوات صناعتها، ومن كون لبنان موضوعاً في أجندات الآخرين إلى أن يصبح شريكاً في صياغة أجندته الوطنية. مساحةً مشتركة علّمنا التاريخ اللبناني أن التسوية ليست ضعفاً، وأن الاعتدال ليس حياداً، وأن الحوار ليس ترفاً سياسياً. في مجتمع متعدد كلبنان، لا يمكن لمنطق المنتصر والمهزوم أن يصنع استقراراً دائماً، لأن الاختلاف لا يختفي بالإلغاء، بل يعود بأشكال أكثر خطورة. لذلك، فإن الدولة القوية ليست الدولة التي لا يختلف أبناؤها، بل الدولة التي تمتلك المؤسسات القادرة على إدارة اختلافهم ومنع تحوله إلى صراع. وهنا تكمن المهمة الأساسية، أن يصبح التنافس سياسياً لا أمنياً، وأن يصبح الخلاف منظماً بالقانون لا محكوماً بالخوف، وأن يصبح الحوار مؤسسة دائمة لا اجتماعاً استثنائياً بعد كل أزمة. skip render: ucaddon_material_block_quote رفيق الحريري وفكرة الدولة من هذه الزاوية يمكن قراءة مشروع الرئيس الشهيد رفيق الحريري بعيداً عن الاقتصاد والإعمار وحدهما. ففي جوهر مشروعه كانت هناك فكرة أعمق: استعادة الدولة باعتبارها المساحة المشتركة التي يستطيع اللبنانيون أن يلتقوا فيها رغم اختلافاتهم. كان لبنان الذي أراده بلداً منفتحاً على العالم، مستعيداً لدوره، وقادراً على تحويل موقعه الجغرافي والثقافي من مصدر هشاشة إلى مصدر قوة. الوفاء لهذا الإرث اليوم لا يكون باستحضار الماضي فقط، بل بتطوير فكرته. فإذا كان إعمار بيروت عنواناً للنهوض في مرحلة سابقة، فإن إعمار الثقة بين اللبنانيين قد يكون عنوان المرحلة المقبلة. بيروت وصناعة الحلول كانت بيروت تاريخياً مدينة للفكر والصحافة والثقافة والحوار، لكنها تحولت في مراحل كثيرة إلى ساحة تتلقى ارتدادات صراعات المنطقة. والتحدي اليوم هو أن تستعيد بيروت دورها الآخر، مدينة لا تنتظر الحلول من الخارج، بل تمتلك القدرة على إنتاج الأفكار التي تساعد على صناعة الحلول. ولماذا لا يتحول لبنان، بدلاً من أن يكون مختبراً للصراعات، إلى مختبر عالمي لإدارة التنوع والوساطة وبناء التوافقات؟ إن تعدديته، وطاقاته البشرية، وجامعاته، واغترابه، وصلاته التاريخية بالعالم العربي والغرب، تمنحه عناصر قوة ناعمة يمكن تحويلها إلى استراتيجية وطنية. تحتاج الدولة اللبنانية إلى الانتقال من ثقافة التحرك بعد انفجار الأزمة إلى ثقافة الإنذار المبكر والوساطة والدبلوماسية الوقائية. فالسياسة الحديثة لا تنتظر القطيعة لكي تبدأ الحوار، ولا تنتظر الانفجار لكي تبحث عن الوساطة؛ بل تبني قنوات الاتصال والثقة قبل أن يصبح الخلاف صراعاً. ومن هنا يمكن إنشاء مؤسسات متخصصة في الحوار والوساطة وبناء السلام، وتدريب جيل جديد من القيادات والوسطاء، وإنتاج دراسات وأوراق سياسات تساعد الدولة على فهم الأزمات قبل تفاقمها. ويمكن أن يشكل إنشاء مركز رفيق الحريري للحوار والوساطة، كمؤسسة وطنية مستقلة ذات امتداد دولي، خطوة عملية في هذا الاتجاه، بحيث يتحول إرث الرئيس الشهيد من ذاكرة سياسية إلى مدرسة متجددة في بناء الدولة وإدارة الاختلاف. من بلد التسويات المفروضة إلى دولة تصنع التسويات مسؤولية تيار المستقبل إن مسؤولية تيار المستقبل اليوم لا ينبغي أن تختصر في استعادة الحضور السياسي التقليدي، بل في إعادة تقديم الاعتدال باعتباره مشروع دولة. فالاعتدال ليس موقعاً بين طرفين، بل فلسفة تقوم على تقديم الدولة على الجماعة، والمؤسسة على الشخص، والمصلحة الوطنية على الحسابات العابرة. فالسياسة لا ينبغي أن تكتفي بردّ الفعل على الأحداث، بل يجب أن تسعى إلى صناعة اتجاه الاحداث. لبنان الذي نحتاجه ليس لبناناً بلا خلافات، فهذا مستحيل، بل لبنان يعرف كيف يختلف دون أن ينكسر. لبنان لا يبحث عن إجماع مستحيل، بل عن قواعد عادلة لإدارة الاختلاف. لبنان لا يهرب من تعدديته، بل يحولها إلى مصدر قوة. ولبنان لا ينبغي أن يبقى وطناً ينتظر تسوية بعد كل أزمة، بل دولة تمتلك أدوات الحوار والوساطة وصناعة التوافق. وربما هنا تكمن إحدى أهم الأفكار التي يمكن أن يحملها المستقبل اللبناني: أن تتحول بيروت من مدينة نجت من الحروب إلى مدينة تتعلم منها المنطقة كيف يُصنع السلام، وأن ينتقل لبنان من جغرافيا النزاع إلى جغرافيا الحوار، ومن موقع المتلقي للأزمات إلى موقع المساهم في صناعة الحلول. skip render: ucaddon_box_testimonial
skip render: ucaddon_box_testimonial يُظهر أحدث إصدار لمؤشر السلام العالمي تراجعاً مقلقاً في مستوى السلام العام للعام الثاني عشر على التوالي، حيث شهدت 99 دولة تدهوراً في مستوياتها. ومع ذلك، يشير معهد الاقتصاد والسلام إلى أن هذا التراجع “لم يؤثر فعلياً على الدول المتصدرة للتصنيف”. هذه الدول، تمثل واحات من الأمان والاستقرار في عالم يزداد اضطراباً. يعتمد المؤشر في تصنيفه لـ163 دولة على 23 مؤشراً دقيقاً، تتراوح بين حجم الإنفاق العسكري ومستوى النزاعات القائمة، وصولاً إلى معدلات الجريمة والشعور بالأمن الشخصي. تتميز الدول الأعلى تصنيفاً بخصائص مشتركة تجمع بين انخفاض معدلات العنف، وكفاءة المؤسسات، وارتفاع مستويات الثقة المجتمعية، وحسن العلاقات مع دول الجوار، وارتفاع جودة المعيشة. آيسلندا… حصن السلام تتربع آيسلندا على صدارة مؤشر السلام العالمي منذ عام 2008، محافظةً على لقب الدولة الأكثر أماناً للعام التاسع عشر على التوالي. وقد سجلت البلاد تحسناً بنسبة 2% في عام 2026، مدعومةً بتراجع ملحوظ في المظاهرات العنيفة، ومواصلة تحقيق نتائج عالية في مؤشرات الأمن، وانخفاض النزاعات، ومحدودية الاعتماد على الأساليب العسكرية. تؤكد هيئة “زوروا آيسلندا” أن السلام في البلاد “حاضر في كل ما يحيط بنا من طبيعة، لكنه أيضاً خيار واعٍ ومتجذر في مجتمعاتنا المتماسكة”. وتضيف أن هذا الواقع يستند إلى التزام راسخ بقيم المساواة، لا سيما المساواة بين الجنسين، التي تتصدر فيها آيسلندا التصنيفات العالمية، فضلاً عن جودة الخدمات العامة والاعتماد الواسع على مصادر الطاقة المتجددة. كما يسهم التماسك المجتمعي والشعور بالمسؤولية المشتركة في تعزيز هذا السلام، بالإضافة إلى العزلة الجغرافية التي تجعلها “أقل مشاركة في التوترات العالمية”. نيوزيلندا… هدوء الجغرافيا وثقافة التوازن قفزت نيوزيلندا إلى المرتبة الثانية عالمياً في مؤشر السلام العالمي لعام 2026، متقدمةً من المركز الثالث في العام السابق، لتصبح الدولة الأكثر أماناً في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. ويُعزى هذا التقدم بشكل رئيسي إلى تراجع واردات الأسلحة، مع استمرار البلاد في الحفاظ على مكانتها كواحدة من أكثر دول العالم أمناً وأقلها اعتماداً على الأساليب العسكرية. الموقع الجغرافي البعيد لنيوزيلندا هو أحد أهم أسباب استقرارها، حيث جعلها بمنأى إلى حد كبير عن التعقيدات الجيوسياسية. كما يبرز دور الثقافة المجتمعية التي تميل إلى الهدوء والوضوح والبساطة، حيث يهتم النيوزيلنديون بإدارة شؤون حياتهم اليومية أكثر من المشاركة في نزاعات. الشعور بالأمان جزء مألوف من الحياة اليومية، لدرجة أن الكثيرين لا يفكرون فيه، وهو ما يدل على رسوخ الأمن في المجتمع. بالإضافة إلى ذلك، تحافظ الأحياء السكنية على روابطها الاجتماعية التقليدية، مما يعزز الإحساس بالمسؤولية المجتمعية المتبادلة في بلد لا يتجاوز عدد سكانه خمسة ملايين نسمة. توفر الكثافة السكانية المنخفضة سهولة الوصول إلى الطبيعة الخلابة، مما يمنح الحياة في نيوزيلندا إيقاعاً أكثر هدوءاً واتزاناً مقارنة بالدول المزدحمة. سويسرا… حياد وثقة مجتمعية تقدمت سويسرا من المركز الخامس إلى المركز الثالث في عام 2026، مستفيدةً من مزيج فريد يجمع بين انخفاض معدلات الجريمة وسياسة الحياد العسكري الراسخة. هذا المزيج ساعدها على ترسيخ مكانتها كواحدة من أكثر دول العالم أماناً. يبدو أن الناس في المجتمع السويسري لديهم استعداد لإتاحة المجال للآخرين واحترام وجودهم. هذا النهج يعزز الثقة المتبادلة ويمنح الأفراد شعوراً بالاطمئنان بأن الأمور تسير بشكل صحيح ومنظم. تجربة السلام السويسري تدعو إلى تقدير ثقافة التوازن بين العمل والحياة، حيث تغلق العديد من المؤسسات أبوابها لساعتين ظهراً للراحة. كما تشجع على استكشاف التنوع الثقافي الفريد للبلاد، الذي يضم أربع لغات وطنية. سلوفينيا… المجتمع والطبيعة في تناغم دخلت سلوفينيا قائمة الدول الخمس الأولى في مؤشر السلام العالمي للمرة الأولى، مدفوعةً بتراجع مستويات الإنفاق العسكري وتحقيق معدلات عالية في مؤشرات الأمن والسلامة. هذا الأداء المتميز عزز مكانتها كواحدة من أكثر دول العالم استقراراً. يعطي السلوفينيون أهمية كبيرة للمجتمع المحلي، كما يقضون وقتاً طويلاً وسط الطبيعة، ما يسهم في ترسيخ مشاعر الهدوء والاتزان. فالثقافة السائدة تولي اهتماماً واضحاً للتوازن بين الحياة المهنية والشخصية، مما يتيح مساحة أكبر لبناء علاقات إنسانية قوية. أيرلندا… ترحيب تاريخي ووعي بالمخاطر تحل أيرلندا في المرتبة الخامسة ضمن مؤشر السلام العالمي، مستفيدةً من انخفاض معدلات العنف ومحدودية مشاركتها في النزاعات الدولية. وبالنظر إلى تاريخها الذي اتسم بالاضطراب، فإن هذا الإحساس بالأمن لا يُعامل بوصفه أمراً مفروغاً منه. إن التجربة التاريخية لأيرلندا تجعل مجتمعها أكثر وعياً بمخاطر التحيز، وأكثر إدراكاً لأهمية الكرم والترحيب بالآخرين. وتعود جذور ثقافة الضيافة إلى قوانين “بريهون” القديمة، التي حكمت أيرلندا في العصور الوسطى، وكانت تركز على حماية الضيوف والمسافرين. في عالم يواجه تحديات متزايدة، تقدم هذه الدول الخمس نموذجاً ملهماً لكيفية بناء مجتمعات آمنة ومستقرة. سواء كان ذلك من خلال العزلة الجغرافية، أو التماسك الاجتماعي، أو الحياد العسكري، أو التركيز على الطبيعة، أو الوعي التاريخي، فإن هذه الدول تبرهن على أن السلام ليس مجرد غياب للصراع، بل هو نتاج لخيارات واعية وقيم مجتمعية راسخة. إن فهم هذه العوامل يمكن أن يضيء لنا الطريق نحو مستقبل أكثر سلاماً واستقراراً للجميع.