ليس من السهل اختزال مشهدٍ معقّد كسوريا في شخصٍ واحد، ولا يجوز أخلاقيًا أو سياسيًا تعليق مصير بلدٍ كامل على صورة قائد، مهما كان حضوره أو دوره. فسوريا، بعد عقودٍ من القمع والحرب والانقسام، لم تكن مجرّد دولة تبحث عن سلطة جديدة، بل مجتمعًا مكسورًا يبحث عن معنى جديد للنجاة. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل دور القيادة، حكومةً وفريقًا، في لحظات الانهيار الكبرى، حين تصبح القرارات الأولى بعد سقوط النظام أخطر من لحظة السقوط نفسها. في مثل هذه اللحظات، لا تُقاس القيادة بقدرتها على إدارة الوزارات أو إصدار البيانات أو ترتيب الشكل الخارجي للدولة، بل بقدرتها على منع الغضب من أن يتحوّل إلى عقيدة حكم، ومنع الجرح من أن يصبح مشروعًا سياسيًا. ذاكرة الدم فالدول الخارجة من الاستبداد لا تواجه سؤال السلطة فقط، بل تواجه السؤال الأعمق: ماذا نفعل بذاكرة الدم؟ هل تتحوّل إلى عدالة، أم إلى انتقام؟ هل تصبح أساسًا لعقد وطني جديد، أم وقودًا لدورة جديدة من القتل؟ في خضمّ سنواتٍ طويلة من الدم والانقسام، برز أحمد الشرع مع فريقه في موقع شديد الحساسية، كجهة حاولت الإمساك بواقعٍ كان يتجه نحو انفلات شامل. لم يكن الشارع السوري، في تلك اللحظة، شارعًا عاديًا؛ كان شارعًا مثقلًا بالمقابر، بالمعتقلات، بالتهجير، بالمفقودين، وبأصوات الناجين الذين خرجوا من زمنٍ لا يشبه إلا الكوابيس. لذلك لم يكن غريبًا أن يتردد في بعض الأوساط خطابٌ غاضب من نوع: “انتقموا منهم… لقد قتلونا لأكثر من 60 عامًا”. skip render: ucaddon_material_block_quote هذا الخطاب، مهما بدا مفهومًا من زاوية الألم، كان يحمل في داخله بذور كارثة جديدة. فحين يتقدّم الثأر على العدالة، لا يعود الضحية ضحية فقط، بل يصبح مشروع جلّاد محتمل. وحين يُفتح باب الانتقام الجماعي، لا تعود المحاسبة موجّهة إلى المجرم بصفته الفردية، بل إلى الطائفة، أو المنطقة، أو العائلة، أو الذاكرة. وهنا بالضبط تتحول الثورات من وعدٍ بالخلاص إلى نسخة أخرى من المأساة. الصور والتقارير والشهادات التي خرجت خلال المرحلة الأخيرة، سواء كانت مسرّبة أو منشورة أو متداولة، أعادت فتح الجرح السوري بكل وحشيته. ما كُشف، أو ما قيل إنه كُشف، عن قتلٍ وتعذيبٍ وتشريدٍ وإخفاءٍ قسري وانتهاكاتٍ جسيمة داخل السجون، لم يكن تفصيلًا إعلاميًا، بل مادة خامًا لانفجار اجتماعي شامل. فحين يرى الناس وجوه الضحايا، ويسمعون شهادات الناجين، ويستعيدون أسماء المعتقلين والمفقودين، تصبح العدالة مطلبًا وجوديًا، لا مطلبًا قانونيًا فقط. الدولة والغضب لكن العدالة، في لحظةٍ كهذه، تحتاج إلى دولة، لا إلى غضب. تحتاج إلى قضاء، لا إلى شوارع منفلتة. تحتاج إلى أرشيف وأدلة ومحاكمات، لا إلى قوائم تصفية وثأر. وهنا تكمن صعوبة المشهد السوري: كيف يمكن بناء عدالة انتقالية في بلدٍ لم يخرج بعد من ركام الحرب؟ وكيف يمكن تهدئة الضحايا من دون خيانة ذاكرتهم؟ وكيف يمكن طمأنة المكوّنات الخائفة من دون تبييض صفحة المتورطين؟ في هذا السياق، كان شلال الدم مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي. فالانهيار السابق للدولة، وتعدد السلاح، وتراكم الأحقاد، وغياب الثقة بين المكونات، كلها عوامل كانت تجعل سوريا قابلة للانزلاق نحو اقتتالٍ أهلي واسع، لا ينتهي بانتهاء النظام، بل يبدأ بعده. وهذا أخطر ما في مراحل ما بعد الاستبداد: أن سقوط السلطة القديمة لا يعني بالضرورة ولادة الدولة الجديدة، بل قد يعني دخول المجتمع في فراغٍ قاتل، إذا لم توجد قيادة قادرة على ضبط اللحظة. من هنا جاءت صدمة كثيرين، داخليًا وخارجيًا، مع خطابٍ بدا أقرب إلى منطق “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، أو إلى محاولة فتح باب التسويات بدل فتح أبواب الانتقام الشامل. كان في هذا الخطاب، بالنسبة إلى بعض الضحايا وذويهم، استفزازٌ مؤلم، لأن الذاكرة لم تكن قد بردت، والدم لم يكن قد جفّ، والعدالة لم تكن قد قالت كلمتها بعد. لكن في المقابل، كان في هذا المنحى محاولة سياسية واضحة لمنع البلاد من الانزلاق إلى ثأر مفتوح، حيث لا يعود أحد قادرًا على إيقاف القتل عندما يبدأ. أخطر ما بعد سقوط الاستبداد أن يظنّ المنتصر أنّ دم الضحية يمنحه حقّ أن يصبح جلّادًا المعضلة هنا ليست بسيطة: التسامح بلا عدالة يتحوّل إلى إهانة للضحايا، والعدالة بلا ضوابط قد تتحوّل إلى انتقام. أما الدولة التي تريد البقاء، فعليها أن تمشي على هذا الخيط الرفيع بين الاثنين: أن تقول للضحايا إن دمهم لن يُنسى، وأن تقول للشارع إن العقاب لن يكون جماعيًا، وأن تقول للمتهمين إن القانون وحده هو الطريق، لا الحماية السياسية ولا التصفية الميدانية. لذلك، لا يمكن قراءة دور الشرع وحكومته بوصفه دورًا إداريًا أو سياسيًا تقليديًا. نحن أمام محاولة لإدارة كتلة هائلة من الغضب، لا مجرّد إدارة مؤسسات. فالسلطة في مثل هذا الظرف لا تبدأ من الوزارات، بل من الشارع. تبدأ من منع المقاتل السابق من أن يصبح قاضيًا وجلادًا في الوقت نفسه. تبدأ من منع الضحية من أن تتحوّل إلى أداة انتقام. وهنا تظهر أهمية المزج بين التسامح والحزم. فالتسامح وحده قد يُقرأ ضعفًا أو صفقة أو هروبًا من المحاسبة. والحزم وحده قد يُقرأ انتقامًا أو إعادة إنتاج للعنف. التجربة السورية في التجربة السورية، لا يكفي أن تسقط سلطة قديمة كي تولد دولة عادلة. فالاستبداد لا يترك خلفه مؤسسات محطمة فقط، بل يترك نفوسًا محطمة، وذاكرة مسمومة، وشكًا عميقًا بين الناس. لذلك يصبح مشروع العدالة الانتقالية، في جوهره، مشروع إعادة بناء للثقة، لا مجرد محاكمات. من هذه الزاوية، يمكن القول إن الرهان الأكبر أمام الشرع وفريقه لا يقتصر على ضبط الأمن أو إدارة السلطة، بل على تحويل لحظة السقوط إلى لحظة تأسيس. وهذا يتطلب شجاعة لا تقل عن شجاعة الحرب، بل ربما تتفوق عليها: شجاعة كبح المنتصرين، لا فقط هزيمة الخصوم. لكن هذا لا يعفي الحكومة الجديدة من الأسئلة الصعبة. وهنا يبقى التساؤل الواقعي، ماذا لو لم يكن الشرع بهذا المزيج من التسامح المقرون بالحزم؟ ماذا لو لم ينجح في الإمساك بالسلطة في تلك اللحظة الحرجة، أو كان في موقعه فريق آخر أكثر اندفاعًا، أو أكثر ثأرية، أو أقل قدرة على ضبط الشارع؟ على الأرجح، لم تكن سوريا ستخرج بسهولة من دوامة الدم. كان يمكن لمشهد الثأر أن يتحول إلى نظام غير معلن، وللانتقام أن يصبح لغة السلطة الجديدة، وللبلاد أن تدخل مرحلة من التصفيات المتبادلة التي لا تنتهي. skip render: ucaddon_box_testimonial
في الوقت الذي تشتعل فيه جبهات الشرق الأوسط، وتتصاعد أعمدة الدخان من عواصم قريبة وبعيدة، يبرز تساؤل يفرض نفسه على طاولة التحليلات السياسية: أين سوريا؟ ولماذا يبدو اسم رئيسها، أحمد الشرع، “خجولًا” أو غائبًا عن صدارة المشهد الحربي والدبلوماسي المحتدم؟ فسوريا، التي كانت لعقود “قلب العروبة النابض” وساحة الصراعات الكبرى، تبدو اليوم وكأنها اختارت الجلوس في مقاعد المتفرجين، تراقب العاصفة من نافذة “الحياد الحذر”. فجر جديد وأولويات مغايرة لفهم هذا “الغياب” أو الانكفاء، يجب العودة إلى جذور التحول الجذري الذي شهدته البلاد. فمنذ سقوط النظام السابق في نهاية عام 2024، وتولي أحمد الشرع قيادة المرحلة الانتقالية وصولًا إلى رئاسة الجمهورية في مطلع 2025، دخلت سوريا طور “إعادة التكوين”. الدولة التي خرجت مثخنة بالجراح من حرب أهلية دامت أكثر من عقد، وجدت نفسها أمام تركة مثقلة بالدمار الاقتصادي، والتمزق المجتمعي، والسيادة المنقوصة. وبالنسبة إلى الشرع، القادم من خلفية ثورية وعسكرية أدركت ثمن الانغماس في المحاور الخارجية، تبدو الأولوية اليوم هي “سوريا أولًا”. إن صمت دمشق ليس ضعفًا بقدر ما هو “استراحة محارب” يدرك أن أي مغامرة عسكرية إقليمية غير محسوبة قد تطيح بما بُني من استقرار هش في دمشق وحلب وشرق الفرات. أشدّ ما تغيّر في دمشق، ليس ما يُقال من قصرها، بل ما امتنعت عن قوله وهي ترى الإقليم يحترق ميزان “الحياد” في زمن الانفجار منذ اندلاع التصعيد الأخير في المنطقة، الذي تطور إلى مواجهات مباشرة شملت أطرافًا دولية وإقليمية، رسمت إدارة الشرع خطًا بيانيًا واضحًا: “النأي بالنفس”. وفي تصريحاته الأخيرة من لندن، أكد الشرع أن دمشق لن تكون منصة لاستهداف أحد، ولن تنخرط في صراعات لا تخدم المصلحة الوطنية السورية المباشرة. وقد انعكس هذا الموقف في عدة نقاط جوهرية تفسر خفوت الصوت السوري: فك الارتباط مع المحور الإيراني: نجح النظام الجديد في دمشق في تقليص النفوذ الإيراني العسكري والسياسي بشكل دراماتيكي. واليوم، تؤكد دمشق أنها لا تملك علاقات دبلوماسية فاعلة مع طهران، وتفضل اتباع مسارات تفاوضية بدلًا من الصدام المسلح، ما أخرجها من “وحدة الساحات” التي كانت تربطها سابقًا بمحور المقاومة. ترتيب البيت الداخلي: انشغلت دمشق طوال الأشهر الماضية بملفات كبرى، مثل اتفاق الدمج مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وإعادة السيطرة على حقول النفط والمعابر، وهي ملفات وجودية ترى القيادة السورية أنها أهم من الانشغال بالحروب الإقليمية. البحث عن الشرعية الدولية: يسعى أحمد الشرع إلى تقديم سوريا بوصفها “دولة مدنية” منفتحة، تبني جسورًا مع الخليج والغرب، وهذا يتطلب بالضرورة ابتعادًا كاملًا عن أي نشاط “ميليشياوي” أو تدخل في شؤون الجيران. سوريا والمواجهة.. الوجود الصامت ورغم هذا الحياد، فإن سوريا ليست “خارج المعادلة” تمامًا، بل هي في قلبها جغرافيًا. فالسماء السورية ما زالت تشهد عمليات اعتراض للصواريخ العابرة، والأراضي السورية لا تسلم أحيانًا من الانتهاكات. لكن الفارق الجوهري يكمن في “الرد”. فدمشق اليوم تكتفي بالاحتجاج الدبلوماسي والتواصل مع القوى الكبرى لضمان عدم تحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات. ويقول مراقبون إن الرئيس الشرع يمارس “سياسة الواقعية المفرطة”؛ فهو يدرك أن الجيش السوري لا يزال في طور إعادة الهيكلة، وأن الاقتصاد لا يحتمل تبعات عقوبات جديدة أو قصفًا يطال مرافق الدولة الحيوية. لذا، يظهر اسمه “خجولًا” لأنه يرفض لغة الشعارات الرنانة التي ميزت الحقبة الماضية، ويفضل لغة “الأرقام والاتفاقات وبناء المؤسسات”. رسالة إلى الداخل والخارج الرسالة التي يبعث بها أحمد الشرع من خلف جدران قصر المهاجرين واضحة: “سوريا تريد أن تعيش”. فالموقف الراهن هو موقف “الحياد الإيجابي”، الذي يهدف إلى حماية وحدة البلاد المنجزة حديثًا. فدمشق اليوم تراهن على الوقت لإتمام عملية الانتقال السياسي، وترى أن انخراطها في الحرب الحالية سيعني، ببساطة، عودة البلاد إلى المربع الأول من الفوضى والتدخلات الخارجية. الصمت السوري اليوم ليس غيابًا عن العاصفة، بل قرارٌ بألّا تتحوّل البلاد مرّةً أخرى إلى وقودٍ فيها في نهاية المطاف، قد يبدو الدور السوري اليوم متواريًا عن الأنظار، لكنه في الحقيقة دور "مركزي في صمته". إن نجاح أحمد الشرع في إبقاء سوريا بمنأى عن ألسنة اللهب المشتعلة حولها هو، بحد ذاته، "إنجاز سياسي" في نظر مؤيديه، وتحدٍّ كبير في نظر خصومه. فسوريا لم تعد "لاعبًا" في حروب الآخرين، بل تحاول جاهدة أن تصبح "ملعبًا" للتنمية والاستقرار، وهو مسار طويل وشاق، يجعل من الصمت السوري الحالي ضجيجًا من نوع آخر.. ضجيج البناء المتعثر وسط ركام الحروب.
في الشرق الأوسط، كثيرًا ما تُحسَم التحوّلات الكبرى ليس عبر الحروب المباشرة بين الدول، بل عبر مسارات أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الجغرافيا مع الحسابات الإقليمية ومع إدارة فائض القوّة لدى الفاعلين غير الدولتيين في هذا السياق، تبرز فرضية سياسية وأمنية مثيرة للجدل تتعلّق بمستقبل حزب الله في لبنان، وتقوم على تصوّرٍ مفاده أن نهاية الدور العسكري للحزب قد لا تأتي عبر مواجهة تقليدية مع إسرائيل، بل عبر مسار استنزاف طويل ينطلق من الحدود السورية – اللبنانية، ويُعيد تشكيل التوازنات تدريجيًا. لفهم هذه الفرضية، لا بدّ أولًا من العودة إلى الطبيعة الخاصة التي اكتسبها حزب الله داخل النظام اللبناني. فالحزب يُعَدّ قانونيًا جزءًا من الحياة السياسية اللبنانية، إذ يشارك في الانتخابات والبرلمان والحكومات المتعاقبة، ولم يُحظَر نشاطه في الداخل. إلا أن هذا الوضع اكتسب طابعًا استثنائيًا منذ نهاية الحرب الأهلية، حين نصّ اتفاق الطائف على حلّ جميع الميليشيات وتسليم أسلحتها إلى الدولة، لكنه ترك مساحة تفسيرية تتعلّق بسلاح المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، الذي كان قائمًا آنذاك في جنوب لبنان. وفي ظل هذا التفسير، بقي سلاح الحزب خارج إطار الحلّ الذي طال بقية الميليشيات، وتحول تدريجيًا إلى عنصر مركزي في معادلة القوّة داخل البلاد. من تحرير الجنوب إلى إشكالية السلاح عندما وقع الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، بدا أن هذه المعادلة ستدخل مرحلة جديدة. فالسؤال الذي طرحه كثير من اللبنانيين آنذاك كان بسيطًا في ظاهره، لكنه بالغ التعقيد في نتائجه: هل انتهت وظيفة المقاومة، أم أن الصراع ما زال مفتوحًا؟ منذ تلك اللحظة، انقسم المشهد السياسي اللبناني بين من يرى أن السلاح يجب أن ينتقل إلى الدولة، ومن يعتبره عنصر ردع في مواجهة إسرائيل. ومع مرور السنوات، تعمّق هذا الانقسام، خصوصًا بعد صدور قرارات دولية عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مثل القرار 1559 ثم القرار 1701، دعت إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. غير أن هذه القرارات بقيت أسيرة التوازنات الداخلية والإقليمية، إذ أصبح حزب الله جزءًا من شبكة إقليمية واسعة ترتبط بمحور تقوده إيران، كما راكم خبرة عسكرية كبيرة خلال سنوات الحرب في سوريا. هذه الخبرة لم تعزّز فقط قدراته القتالية، بل عمّقت حضوره العسكري في المناطق الحدودية الجبلية الممتدة بين البلدين، وهي مناطق وعرة تشكّل، منذ عقود، ممرًا استراتيجيًا لحركة المقاتلين والسلاح. قد لا تأتي نهاية الدور العسكري لحزب الله عبر حربٍ تقليدية مع إسرائيل، بل عبر استنزاف طويل يبدأ من الحدود السورية – اللبنانية ويُعيد رسم التوازنات ببطء معضلة دمشق الجديدة في هذه البيئة الجغرافية والسياسية المعقدة، تظهر فرضية مختلفة تتعلّق بمستقبل الحزب. فبعد سنوات الحرب السورية، برزت معضلة جديدة أمام القيادة السورية الجديدة. فالدولة السورية الخارجة من حرب طويلة تجد نفسها أمام شبكة من الجماعات المسلحة ذات الخلفيات الأيديولوجية المتشددة. هذه الجماعات تمثل عبئًا أمنيًا داخليًا وإحراجًا سياسيًا في علاقات دمشق الدولية، لأنها تُصنّف، في كثير من العواصم، ضمن التنظيمات المتطرفة. وفي الوقت نفسه، فإن العلاقة المعقّدة بين هذه الجماعات والسلطة السورية الجديدة تجعل تفكيكها المباشر عملية محفوفة بالمخاطر، إذ إن بعضها شارك في مراحل مختلفة من الصراع الذي أدّى إلى التحولات السياسية في البلاد. في مثل هذه الحالات، تلجأ بعض الدول إلى إعادة توجيه فائض القوة المسلحة بدل تفكيكه فورًا. ومن هنا تنشأ الفرضية القائلة إن الحدود اللبنانية – السورية قد تتحول إلى مسرح لمواجهة غير تقليدية بين هذه الجماعات وبين حزب الله. فالقيادة السورية قد تجد في دفع هذه الفصائل نحو الجبهة الحدودية مخرجًا مزدوجًا: من جهة، تتخلص من عبء الجماعات التي تضعها في مواجهة المجتمع الدولي، ومن جهة أخرى، تعيد تثبيت سيطرة الدولة على المناطق الحدودية عبر استنزاف هذه الفصائل في معارك طويلة. الجغرافيا التي تصنع الحرب الجغرافيا هنا ليست تفصيلًا ثانويًا. فجبال القلمون والجرود الممتدة بين لبنان وسوريا تشكّل بيئة قتال مختلفة تمامًا عن الحروب التقليدية. إنها مناطق شديدة الوعورة، مليئة بالممرات القديمة التي يعرفها أهلها والمقاتلون الذين تحركوا فيها خلال سنوات الحرب السورية. هذه التضاريس تجعل العمليات العسكرية النظامية صعبة، لكنها، في المقابل، توفر ظروفًا مناسبة لحروب الاستنزاف الطويلة التي تعتمد على الكمائن والتسلل والضربات المفاجئة. ومن هذا المنظور، يصبح السيناريو المفترض أكثر وضوحًا، إذ يمكن أن تبدأ المواجهة باشتباكات متفرقة، تتحول تدريجيًا إلى صراع منخفض الوتيرة، لكنه طويل الأمد. الجانب الأكثر حساسية في هذه الفرضية يرتبط بالدور الإسرائيلي. فإسرائيل، رغم عدائها الواضح لحزب الله، تواجه قيودًا كبيرة على أي تدخل بري واسع في المناطق الجبلية الحدودية. وتوفر العمليات الجوية قدرة على إلحاق الضرر، لكنها لا تكفي لتفكيك شبكة عسكرية منتشرة في القرى والجبال. لهذا، يرى بعض المحللين أن استنزاف الحزب عبر قوى أخرى قد يحقق هدف إضعافه من دون التورط في حرب برية مباشرة، خصوصًا إذا جرى ذلك في مناطق حدودية معقدة يصعب على الجيوش التقليدية العمل فيها بفاعلية. الاستنزاف كأداة لإعادة تشكيل الدور إذا استمر هذا النوع من المواجهات لسنوات، فإن النتيجة المحتملة قد تكون إعادة تشكيل تدريجية لدور حزب الله داخل لبنان. فاستنزاف قدراته العسكرية وكوادره القتالية قد يدفعه، في النهاية، إلى التحول أكثر نحو دوره السياسي داخل النظام اللبناني، ليصبح حزبًا ذا وزن سياسي كبير، لكن بقدرات عسكرية أقل بكثير مما يمتلكه اليوم. غير أن هذا السيناريو يبقى محفوفًا بالمخاطر، لأن الحزب يمتلك خبرة قتالية واسعة اكتسبها في الحرب السورية، كما يتمتع ببنية تنظيمية وأمنية متماسكة في المناطق الحدودية. إضافة إلى ذلك، فإن أي تصعيد طويل قد يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية أوسع، ما قد يحوّل الصراع من حرب استنزاف محدودة إلى مواجهة إقليمية أكثر اتساعًا. الشرق الأوسط وإعادة رسم الأدوار في النهاية، تبدو هذه الفرضية جزءًا من نقاش أوسع حول مستقبل الفاعلين المسلحين غير الدولتيين في الشرق الأوسط بعد عقد من الحروب. فالسؤال لم يعد يتعلق فقط بمن ينتصر في المعركة، بل بكيفية إعادة تشكيل أدوار القوى العسكرية والسياسية داخل الدول التي أنهكتها الصراعات. في منطقة اعتادت أن تتغير موازينها عبر مسارات غير متوقعة، يبقى احتمال تحوّل الحدود السورية - اللبنانية إلى مسرح لإعادة صياغة دور حزب الله احتمالًا يستحق التأمل، حتى لو بقي، حتى الآن، في إطار السيناريوهات التحليلية أكثر منه في إطار الوقائع القائمة.