ليس كلّ من امتلك ناصية اللغة صار أهلًا لقيادة المعنى، ولا كلّ من تمرّس في نقل الخبر صار قادرًا على صناعته. فكما يلتبس الفرق بين المعرفة والتفكير، يلتبس أيضًا — بل ويُساء فهمه — الحدّ الفاصل بين الصحافة والسياسة. ذلك الحدّ الذي إذا ما اختُرق بغير وعيٍ أو تواضعٍ معرفي، تحوّل القلم من أداة كشف إلى أداة تشويش، ومن وسيلة مساءلة إلى وسيلة مزايدة. الصحافي، في جوهر مهنته، شاهدٌ مُدرَّب على التقاط الوقائع، تفكيكها، وتقديمها ضمن سياقٍ يُنير الرأي العام. قوّته تكمن في المسافة: تلك المسافة الدقيقة بينه وبين الحدث، التي تتيح له أن يرى ما لا يراه المنخرطون فيه. لكنه حين يتجاوز هذه المسافة، لا ليتعمّق في الفهم بل ليتقمّص دور الفاعل السياسي، يفقد ميزته الأساسية، ويقع في فخّ الدور الذي لا يُحسنه. الصحافي المتطفّل على السياسة لا يدخلها بوصفها حقلًا معقّدًا لإدارة المصالح والتوازنات، بل يتعامل معها كمنصّة خطابية مفتوحة. يخلط بين الجرأة والتهوّر، وبين النقد والبناء، وبين مساءلة السلطة ومنافستها على شعبويةٍ لفظية. وفي هذا الخلط، لا يكتفي بإضعاف موقعه كصحافي، بل يساهم في إفقار المجال السياسي ذاته، إذ يحوّله إلى ساحة ضجيج بدل أن يكون ميدان رؤية. أخطر ما في هذا النمط أنه لا يكتفي بإنتاج خطابٍ سطحي، بل يُغذّي بيئته الاجتماعية والسياسية بوهم الفهم. يقدّم تحليلاتٍ تبدو حادّة، لكنها في العمق مجرّد إعادة صياغة لانفعالاتٍ عامة. يرفع سقف الخطاب إلى حدّ المزايدة، لا ليقترح بدائل حقيقية، بل ليحجز لنفسه موقعًا في دائرة الضوء. وهنا، يتحوّل من ناقلٍ للوعي إلى منتجٍ للوهم. skip render: ucaddon_material_block_quote تتجلّى المعضلة بوضوح حين يوجّه هذا الصحافي خطابه نحو زعامةٍ لم تدّخر جهدًا في خدمة مجتمعها، فيختار أن ينافسها لا في الإنجاز بل في الخطاب. بدل أن يُخضع التجربة للتقييم الموضوعي، ينزلق إلى منطق المفاضلة الشعبوية: من يتكلّم أكثر؟ من يرفع السقف أعلى؟ من يُرضي الانفعالات الآنية للجمهور؟ وهكذا، يُختزل العمل العام — بكلّ تعقيداته — في مباراة لغوية، يخسر فيها الفعل لصالح القول. المزايدة هنا ليست مجرّد خطأ أخلاقي، بل خلل بنيوي في فهم السياسة. فهي تفترض أن القيادة تُقاس بحدّة الخطاب، لا بقدرة الإنجاز؛ وبكمّ الوعود، لا بواقعية البرامج. وحين يتبنّى الصحافي هذا المنطق، فإنه لا ينافس السياسي فحسب، بل يضغط عليه أيضًا نحو الانزلاق إلى الشعبوية ذاتها، فيرتدّ الضرر على المجال العام بأسره. أما على مستوى البيئة التي ينتمي إليها هذا الصحافي، فإن الأثر أشدّ عمقًا وخطورة. إذ يزرع فيها حالة من الالتباس: من يُمثّلها حقًا؟ من يعمل من أجلها، ومن يتحدّث باسمها فقط؟ ومع تكرار هذا النمط، تتآكل الثقة، ليس فقط بالسياسيين، بل أيضًا بالصحافة نفسها. تتحوّل المنابر إلى ساحات صراع شخصي، وتضيع القضايا الحقيقية في زحام الأصوات المرتفعة. ثمّة مفارقة لافتة: هذا الصحافي يظنّ أنه يوسّع هامش الحرية، بينما هو في الواقع يفرّغها من مضمونها. فالحرية لا تُقاس بقدرة الفرد على قول كلّ شيء، بل بقدرته على قول ما يضيف معنى. وحين يغيب هذا المعنى، تتحوّل الحرية إلى ضجيج، ويغدو الخطاب العام مساحة استهلاك لا إنتاج. إن السياسة، بخلاف ما يتوهّم هذا النمط، ليست مجرّد موقفٍ يُعلَن، بل مسؤولية تُحمَل. هي فنّ الموازنة بين الممكن والمطلوب، بين الحلم والواقع، بين المبدأ والتطبيق. ومن لا يمتلك أدوات هذا الفنّ، لا يكفيه أن يمتلك منبرًا ليكون شريكًا فيه. بل إن دخوله غير المؤهّل قد يُربك أكثر مما يُصلح، ويهدم أكثر مما يبني. في المقابل، لا يعني هذا الدعوة إلى صمت الصحافة أو انكفائها، بل إلى استعادة دورها الحقيقي: دور الرقيب لا البديل، المفسّر لا المنافس، الكاشف لا المدّعي. فالصحافة القوية هي التي ترفع مستوى السياسة، لا التي تنحدر إليها في أسوأ تجلّياتها. في النهاية، ليست المشكلة في أن يتقاطع الصحافي مع الشأن السياسي، فهذا أمر طبيعي بل ضروري. المشكلة تبدأ حين ينسى حدوده، ويتوهّم أن امتلاك الصوت يعني امتلاك الرؤية، وأن القدرة على النقد تعني القدرة على القيادة. عندها، لا يعود خطره محصورًا في ذاته، بل يمتدّ إلى بيئته، فيشوّش وعيها، ويستنزف طاقتها، ويؤخّر نضجها. skip render: ucaddon_box_testimonial
انسجامًا مع روح القانون اللبناني، ونزولًا عند طلب نقابة المحررين واتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، لم يمثُل رئيس تحرير جريدة «البوست»، الزميل نادر صباغ، أمام المباحث الجنائية في قصر العدل في بيروت اليوم، على اعتبار أنّ «أحكام المادتين 28 و29 من قانون المطبوعات تنصّ على أنّ جميع القضايا المتعلّقة بالمطبوعات تنظر بها محكمة المطبوعات فقط». وبما أنّ المطلوب الاستماع إليه صحافي، فهو يخضع لقرار مجلس نقابة محرّري الصحافة اللبنانية، التي أعلنت أكثر من مرة قرارًا مبدئيًا بالتقيّد بأحكام المادتين المشار إليهما أعلاه. وقد تبيّن أنّ الجهة المدّعية هي صاحب أحد المولّدات الخاصة في مدينة صيدا، المدعو محمد أبو سيدو، عبر النيابة العامة، بجرم القدح والذمّ، بعدما هاله ما نُشر عنه من مخالفات في موضوع التسعيرة التي يتقاضاها، موثّقةً بالمستندات والأدلّة، فسعى إلى محاولة إسكات الصوت الذي ينادي بحقوق الناس والمواطنين، ويطالب بتنفيذ القانون وفق الأصول المرعيّة الإجراء. وهو ما لم يكن له ما أراد… https://al-post.com/wp-content/uploads/2026/04/al-post-trial.mp4
صدر عن نقابة محرّري الصحافة اللبنانية اليوم البيان التالي: تعليقًا على استدعاء عضو النقابة الزميل نادر صبّاغ إلى مكتب المباحث الجنائية لنشره خبرًا بناءً على دعوى من أصحاب العلاقة، كرّر نقيب محرّري الصحافة اللبنانية أنّه “في ضوء أحكام المادتين 28 و29 من قانون المطبوعات، فإنّ جميع القضايا المتعلقة بالمطبوعات تنظر بها محكمة المطبوعات فقط. وتابع: “وإذا اقتضت الدعوى تحقيقًا قضائيًا، فيقوم به قاضي التحقيق. وبما أنّ المطلوب الاستماع إليه هو صحافي، فهو يخضع لقرار مجلس نقابة محرّري الصحافة اللبنانية، التي أعلنت أكثر من مرة قرارًا مبدئيًا بالتقيّد بأحكام المادتين المشار إليهما أعلاه. وبالتالي فإنّ الزملاء الصحافيين لا يمثلون إلا أمام محكمة المطبوعات، وليس أمام الأجهزة الأمنية، مع كل الاحترام لهذه الأجهزة”.