ليس فايروس “هانتا” وباءً جديدًا يطرق أبواب العالم، ولا هو “كورونا آخر” كما تميل بعض العناوين إلى الإيحاء. لكنه، في المقابل، ليس تفصيلًا صحيًا يمكن الاستهانة به. بين هذين الحدّين، تقف الحقيقة العلمية والإعلامية: نحن أمام فايروس معروف منذ عقود، نادر نسبيًا، لكنه قادر، في ظروف معينة، على التحوّل إلى مرض شديد الخطورة، خصوصًا عندما يصيب الجهاز التنفسي أو الكلى. عاد اسم “هانتا” إلى التداول مجددًا بعد تسجيل إصابات ووفيات مرتبطة به في أكثر من سياق، ما أعاد فتح النقاش حول طبيعة هذا الفايروس، وطرق انتقاله، وحقيقة المخاوف من انتشاره. غير أن ما يميّز هانتا عن كثير من الفيروسات التي اعتاد العالم سماع أسمائها، أنه لا ينتقل في العادة من إنسان إلى آخر، ولا ينتشر عبر المصافحة أو الاختلاط اليومي أو الهواء المفتوح، بل يرتبط أساسًا بعالم القوارض، وبالتحديد بمخلّفاتها التي قد تتحول إلى مصدر عدوى صامت داخل البيوت والمستودعات والأماكن المهملة. هنا تكمن خطورته الحقيقية: فايروس لا يُرى، لا يترك أثرًا مباشرًا في المكان، ولا يعلن وجوده إلا بعد أن يكون الإنسان قد استنشق غبارًا ملوثًا ببول أو براز أو لعاب قوارض حاملة للعدوى. لذلك تبدو المسألة، في جوهرها، أقل ارتباطًا بالهلع الوبائي، وأكثر اتصالًا بالنظافة العامة، وإدارة النفايات، ومكافحة القوارض، وطريقة التعامل مع الأماكن المغلقة أو المهجورة. يبدأ كإنفلونزا في بدايته، لا يقدّم “هانتا” نفسه كمرض واضح المعالم. الأعراض الأولى قد تكون عادية إلى حدّ التضليل: حرارة، تعب شديد، آلام في العضلات، صداع، غثيان، ألم في البطن، أو شعور عام بالإرهاق. وهي أعراض قد تدفع كثيرين إلى الاعتقاد بأنهم أمام إنفلونزا موسمية أو التهاب عابر. لكن في بعض الحالات، خصوصًا مع الأنواع المرتبطة بما يُعرف بـ”متلازمة هانتا الرئوية”، يتبدل المشهد سريعًا. يبدأ السعال، يشتد ضيق التنفس، وتتأثر الرئتان نتيجة اضطراب في الأوعية الدقيقة، ما قد يؤدي إلى تراكم السوائل داخل الرئتين وانخفاض القدرة على التنفس بصورة طبيعية. عندها لا يعود الأمر التهابًا بسيطًا، بل حالة طبية طارئة قد تتطلب دخول المستشفى أو العناية المركزة. وفي مناطق أخرى من العالم، ولا سيما في أوروبا وآسيا، ترتبط بعض أنواع هانتا بصورة مرضية مختلفة تُعرف بالحمّى النزفية مع المتلازمة الكلوية، حيث تصبح الكلى في قلب الخطر. وهذا التنوع في الأعراض والمضاعفات يجعل الفايروس أكثر تعقيدًا مما يوحي به اسمه الواحد. skip render: ucaddon_material_block_quote القوارض هي الخزان القاعدة الأساسية في فهم هانتا أن القوارض هي الخزان الطبيعي للفايروس. الفئران والجرذان وبعض أنواع القوارض البرية قد تحمل العدوى من دون أن تظهر عليها علامات مرض واضحة، لكنها تطرح الفايروس في بولها وبرازها ولعابها. الخطر لا يحدث غالبًا عندما يرى الإنسان فأرًا أمامه، بل عندما ينظّف مكانًا ملوثًا بمخلّفات قوارض بطريقة خاطئة. فكنس الفضلات وهي جافة، أو تحريك الغبار في مستودع مغلق، أو دخول مكان مهجور من دون تهوية أو احتياطات، قد يحوّل الفايروس إلى جزيئات معلّقة في الهواء يستنشقها الإنسان من دون أن يدري. من هنا، تبدو الوقاية من “هانتا” بسيطة من حيث المبدأ، لكنها تحتاج إلى جدية في التطبيق: مكافحة القوارض، إغلاق الفتحات التي تدخل منها إلى المنازل والمخازن، حفظ الطعام في أوعية محكمة، التخلص من النفايات بطريقة آمنة، وتهوية الأماكن المغلقة قبل تنظيفها. والأهم عدم كنس فضلات القوارض مباشرة، بل ترطيبها بمطهر مناسب قبل إزالتها، كي لا تتحول إلى غبار قاتل. من فضلات القوارض إلى العناية المركزة هل نحن أمام فايروس ينتقل بين البشر؟ هذا هو السؤال الذي يفتح باب القلق الأكبر. لكن الجواب العلمي، حتى الآن، أكثر هدوءًا مما توحي به بعض العناوين. في معظم الحالات، لا ينتقل هانتا من إنسان إلى آخر. مصدر العدوى الرئيسي هو القوارض ومخلّفاتها، لا المصابون أنفسهم. مع ذلك، توجد استثناءات محدودة مرتبطة ببعض السلالات، حيث رُصد انتقال بين البشر في ظروف ضيقة، غالبًا بين مخالطين مقرّبين. لكن هذا الاستثناء لا يغيّر القاعدة العامة: هانتا ليس فايروسًا سريع الانتشار بين الناس على غرار الفيروسات التنفسية الشائعة. هانتا يعود إلى الواجهة عودة اسم “هانتا” إلى النقاش العام لا تعني بالضرورة أن العالم أمام وباء جديد. في كثير من الأحيان، يكفي تسجيل حادثة غير مألوفة أو عدد محدود من الوفيات حتى يندفع الاسم إلى واجهة الأخبار. وهذا مفهوم في زمن باتت فيه المجتمعات أكثر حساسية تجاه الأخبار الصحية بعد تجربة كورونا وما رافقها من خوف عالمي. لكن الفارق جوهري. كورونا كان فايروسًا ينتقل بسهولة بين البشر، ويملك قدرة عالية على الانتشار المجتمعي. أما هانتا، فمعركته الأساسية ليست في المطارات والحشود والمدارس، بل في المستودعات، الحظائر، البيوت المهجورة، المخيمات، غرف التخزين، والمناطق التي تتكاثر فيها القوارض. بمعنى آخر، الخطر هنا لا يأتي من شخص يسعل قربك، بل من مكان مهمل لم يُنظّف كما يجب، أو من غبار ملوث لم يُتعامل معه بحذر. لا علاج نوعيًا لا يوجد حتى الآن علاج محدد يقضي على فايروس هانتا بشكل مباشر. العلاج المتاح هو علاج داعم، يقوم على مراقبة المريض، دعم التنفس عند الحاجة، معالجة اضطرابات السوائل والضغط ووظائف الكلى، وإدخال الحالات الشديدة إلى العناية المركزة. المشكلة أن هانتا لا يعلن عن نفسه بسهولة. أعراضه الأولى عامة، وتشبه أمراضًا كثيرة. لكن خلف هذه البداية الهادئة قد تختبئ مضاعفات خطيرة، تجعل التأخير في التشخيص ثمنًا باهظًا. skip render: ucaddon_box_testimonial
في 26 تشرين الثاني الجاري، أعلنت المديريةُ العامةُ لأمنِ الدولة عن توقيفِ طبيبٍ نسائيٍّ في الجنوب، مكتفيةً بالإشارةِ إليه بالحرفينِ الأوّلين من اسمِه (ج. ف.)، بعد الاشتباهِ في تورّطِه مع عصابةٍ منظّمةٍ تبيعُ وتنقلُ أطفالًا حديثي الولادة بطرقٍ غير قانونية.البيانُ الرسميّ أوضح أنّ دوريّةً من مديريةِ الجنوب الإقليمية أوقفته، وأنّ التحقيق أظهر أنّه سهّل نشاطَ العصابة عبر تزويرِ وثائقِ الولادة وبياناتِ القيد لإخفاءِ هويّةِ الأطفال وتسجيلِهم على أسماء أخرى بشكلٍ مخالفٍ للقانون، وأنّه مطلوبٌ أصلًا بمذكرةِ توقيفٍ غيابية صادرةٍ عن قاضي التحقيق في جبل لبنان.بهذه السطور القليلة، انفجرت واحدةٌ من أبشعِ القضايا المرتبطةِ بالاتجارِ بالبشر في لبنان، وتحولت من خبرٍ أمنيٍّ إلى امتحانٍ شاملٍ للمنظومةِ القضائية والأمنية والأخلاقية في البلد. خطٌّ زمنيٌّ لفضيحتين التحقيقاتُ أعادت فتحَ ملفٍّ قديمٍ نسبيًّا، قضيةِ جمعيةِ قريةِ المحبّة والسلام التي تفجّرت قبل عامٍ تقريبًا على خلفيةِ شبهاتِ بيعِ أطفالٍ وتزويرِ أوراقِهم الرسمية،وقرارٌ ظنّي صدر عام 2024 عن قاضي التحقيق في جبل لبنان، زياد الدغيدي، اعتبر أنّ عددًا من المتهمين ـــ بينهم الطبيبُ نفسه ـــ متورطون في: تزويرِ وثائق الولادة وبيانات القيد، نسبِ أطفالٍ إلى نساءٍ لم يلدنهم أصلًا، تشكيلِ شبكةٍ هدفُها الاتجارُ بالأطفال وإجبارِ بعض الأمهات على التخلّي عن مواليدهنّ مقابل مبالغ مالية.وبحسب التقارير، كان اسمُ الطبيب (ج. أ. ف.) جزءًا من هذه الشبكة، وظهر توقيعُه على مستنداتٍ مزوّرة تخصّ أطفالًا سُجِّلوا على غيرِ أمهاتِهم البيولوجيات. هل ستذهب التحقيقاتُ إلى النهاية، فتُفتح كلّ ملفات «قريةِ المحبّةِ والسلام» وغيرها على مصاريعها؟ وكيف يمكن بناءُ آليةِ إنذارٍ مبكر من شاهدٍ إلى مطلوبٍ للعدالة المعطياتُ الأمنية والقضائية تفيد بأنّ الطبيبَ استُدعي عام 2023 إلى القضاء بصفةِ شاهدٍ في ملفٍّ مشابه، بعدما عُثر على مستنداتٍ تحمل توقيعَه. تُرك يومها بسندِ إقامة، لكنّ الملف تحوّل لاحقًا إلى تحقيقٍ جزائيٍّ أفضى إلى: ادّعاءٍ رسميٍّ عليه عام 2024 بتهم الاتجار بالأطفال، إصدارِ مذكرةِ توقيفٍ غيابية بحقّه.ورغم ذلك، لم تُنفَّذ المذكرة، بحسب ما تؤكّده المصادرُ نفسها، ليبقى الطبيبُ حرًّا يمارسُ عملَه الطبيّ.التوقيفُ الحالي للطبيب جرى داخل مستوصفٍ في صيدا، حيث كان يواصلُ عملَه كطبيبٍ نسائيّ، رغم القرارِ الظنيّ ومذكرةِ التوقيف بحقه منذ عام.فضيحةُ التوقيفِ المتأخر، إذ إنّ تركَ المتهمِ بجنايةِ الاتجار بالبشر يعملُ بحرّيةٍ في مستشفياتٍ ومستوصفات الجنوب لأكثرَ من سنة من دون تنفيذِ مذكرةِ التوقيف، هذا لا يقبله عقلٌ ولا منطق. كيف تعملُ الشبكة؟ نساءٌ ضعيفات، وأطفال يتحوّلون إلى ملفٍّ قانونيٍّ مزوَّر؛ صورةٌ قاسية لطريقةِ عملِ الشبكة التي تركز على نساءٍ يعانين من هشاشةٍ اجتماعية ونفسية لا حول لهنّ ولا قوة (لبنانيات، سوريات، فلسطينيات)، بالإضافة إلى حالاتِ حملٍ معقّدة، أو حملٍ ناتجٍ عن اغتصابٍ أو استغلالٍ جنسيّ.يتمّ تزويرُ إفاداتٍ ووثائقِ الولادة، واستبدالُ اسمِ الأمِّ الحقيقية بأخرى (شارية) للطفل، أحيانًا عبر جمعياتٍ أو عائلاتٍ ميسورة.بهذه الحالة، يتحوّل الطفلُ من كائنٍ حيٍّ له أمّ وبيئة وحقوق، إلى ملفٍّ ورقيٍّ جديد داخل دائرةِ النفوس: اسمٌ مختلف، أمٌّ مختلفة، عنوانٌ مختلف، وحياةٌ كاملةٌ مختلَقة.التحقيقُ نفسه يشير إلى شكاوى نساءٍ راجعن الطبيبَ لعلاج العقم أو صعوبة الحمل، ليتبيّن ـــ وفق روايتهنّ ـــ أنّه كان يحقنُ بعضَهنّ بإبرِ تلقيحٍ منتهيةِ الصلاحية، في استغلالٍ مضاعفٍ لضعفِهنّ الجسديّ والنفسيّ.هذه التفاصيلُ، إن تأكدت قضائيًا، لا تتعلق فقط بالاتجارِ بالبشر، بل أيضًا بحقوقِ المرضى وسلامتهم، وبأخلاقياتِ مهنةِ الطبّ في الحدّ الأدنى.يكشف نقيبُ الأطباء في لبنان أنّ ملفّ الطبيب في النقابة كان خاليًا من الدعاوى والشكاوى، ما يعني أنّ اسمَه لم يُشطَب من الجدول، ولم يُتَّخذ بحقّه إجراءٌ مهنيٌّ وقائيّ.هذا الفراغُ بين ما يعرفه القضاءُ وما تعرفه النقابة، سمح لطبيبٍ ملاحق ـــ بحسب هذه المعطيات ـــ أن يواصل العملَ مع مرضى لا يعلمون شيئًا عن ملفّه القضائي.النتيجة: طفلٌ جديد، أمٌّ جديدة، وثيقةٌ جديدة، وثغرةٌ رسميةٌ واحدةٌ تتكرر. صيدا كمرآةٍ للهشاشة اختيارُ الجنوب، وصيدا تحديدًا، كبيئةِ عملٍ للشبكة ليس صدفةً في القراءةِ الاجتماعية؛ فالمنطقة تستقبلُ لاجئين ونازحين بأعدادٍ كبيرة (سوريون، فلسطينيون)، يعيش كثيرٌ منهم في أوضاعٍ اقتصادية ونفسية هشّة، بالإضافة إلى النساء الأكثر ضعفًا بسبب الفقر، أو غياب الدعم العائلي، أو التعرّض للعنف الجنسي.هؤلاء يكنّ أكثرَ قابليةً للضغط أو الإقناع بالتخلّي عن أطفالهنّ مقابل مبالغ مالية أو وعودٍ بحياة «أفضل» للطفل.وبهذا المعنى، تبدو القضيةُ أيضًا مرآةً لانهيارٍ اجتماعيٍّ – اقتصاديٍّ حين تُصبح الأمُّ عرضةً للبيع قبل أن يُباع الطفلُ نفسه. تصبح الجريمةُ مركّبة: جريمةَ اتجارٍ بالبشر، وجريمةَ فشلِ دولةٍ في حمايةِ أضعفِ الفئات. ماذا بعد التوقيف؟ هل ستذهب التحقيقاتُ إلى النهاية، فتُفتح كلّ ملفات «قريةِ المحبّةِ والسلام» وغيرها على مصاريعها؟وكيف يمكن بناءُ آليةِ إنذارٍ مبكر تربطُ بين القضاء ونقابة الأطباء ووزارة الصحة، بحيث لا يستطيع أيّ طبيبٍ ملاحق بجنايةٍ خطيرة أن يواصل العملَ مع المرضى؟ توقيفُ الطبيب في صيدا خطوةٌ مهمّة، لكنها لا تكفي وحدها. هي نقطةٌ على خطٍّ طويلٍ يبدأ من غرف الولادة ولا ينتهي عند أبواب قصور العدل. إذا انتهت القضيةُ إلى كبشِ فداءٍ فرديٍّ يُودَع السجنَ فيما تبقى الثغراتُ كما هي، سنعود قريبًا لنسمع عن «طبيبٍ آخر» و«شبكةٍ أخرى» و«أطفالٍ آخرين». أمّا إذا استُخدمت هذه الفضيحة كنقطةِ تحوّلٍ لمراجعةٍ جديّة في القضاء والأمن والنقابات والقوانين الاجتماعية، فقد تتحول من جريمةٍ صادمةٍ إلى محفّزٍ لإصلاحٍ حقيقيّ.
قرَّر عددٌ من أثرياء وميسوري المدينة، أو حتى من ناسِها العاديّين، مع عددٍ من الأطباء والمعنيّين بالشأنِ الصحّي، أن يقولوا فعلًا لا بالقولِ فحسب: لا نريد أن تضيعَ مستشفى أُخرى من صيدا وتنفلتَ خارجًا. لنعملْ معًا كي تعودَ مستشفى الجُبَيلي إلى العمل. في كثيرٍ من المحطّات، حين يتطرّق الحديث إلى “سيرة” مستشفى حَمّود، تجدُ انزعاجًا كبيرًا عند كثيرٍ من الصيداويّين وندمًا واضحًا للحالِ التي آلت إليها هذه المستشفى العريقة، بعدما تمّ بيعُها لِغرباءَ يتحكّمون بالأمن الصحي للمدينة، وخَسِرَها الصيداويّون صَرْحًا طبيًا رائدًا. في حياة المدن، لا تُقاس بعضُ العقارات باعتبارها مجرّدَ كومةِ أحجارٍ أو مساحاتٍ من أتربة؛ لبعض العقارات أهميّاتٌ استراتيجيّة، وخصوصيّاتٌ معيّنة، تجعلها أمورًا أساسيّةً في حياة المدينة وأهلِها وتطوّرها ونموّها. مستشفى الجُبَيلي، صرحٌ طبيٌّ عريقٌ، لعب — على حجمه — دورًا وحضورًا في حياة صيدا وأهلها وسكّانها. منذ سنوات، أقفل هذا الصرح أبوابَه على أملِ القيامة، منتظرًا مَن يُعيد ضخَّ الحياةِ في شرايينه ليعودَ مجدّدًا إلى الخدمة. فلماذا استمرارُ الإقفال؟ بحسب معلوماتٍ حصلت عليها صحيفة “البوست”، فليس السببُ وراء الإقفال مادّيًا بحتًا كما يظنّ كثيرون، بدليل أن “جهةً” عرضت على مالكيه الحاليّين شراؤه منذ أقلّ من عامٍ بمبلغٍ ماليٍّ “مُعتَبَر”، إلا أنّ قرار البيع لم يتّخذه المالِك لأسبابٍ كثيرة، أبرزُها نيّته أن يُعيد افتتاحَ المستشفى من جديدٍ ويعودَ إلى العمل في منطقةٍ تفتقد في محيطها الواسع وجودَ مستشفى “فعلي”، ويَسكُنُها اليوم أكثر من 50000 صيداوي. مهما تكُن المشكلاتُ والأسباب، فهي تبقى “أصغر” من تظافرِ جهودِ غُيُورين وتوافرِ كفاءاتٍ لا تفتقدُها المدينة، للاجتماعِ بنيّةٍ طيبةٍ تحت سقفٍ واحد، للتفكيرِ بالطرُقِ الأَمثَل لإحياءِ مستشفى المدينة التي هي بحاجةٍ إليها. لماذا لا يُصار مثلًا إلى تشكيلِ شركةٍ مُساهمة، للاستحصال على رأس مالٍ تشغيليٍّ وافرٍ لهذا الصرح الطبيّ، يُشارك فيها كلّ مَن يرغبُ على شكلِ أسهُم ومساهماتٍ ولو حتى عينيّة، بإشراف لجنةٍ موثوقةٍ من خبراءَ ومهنيّين محترفين في هذا المجال، على غرارِ ما يجري في كلّ أنحاء العالم؟ لجنةٌ بتدقيقٍ ماليٍّ ومهنيٍّ شفاف، تحفظُ حقوقَ المساهمين وتدير مرفقًا بطريقٍ خدماتيّة مربحة. والأفكارُ كثيرةٌ في هذا المجال. هي صرخةٌ تطلقُها "البوست" لأجلِ صيدا وأهلها، آملين أن تُلاقِيَ آذانًا صاغيةً وعقولًا راجحةً ونيّاتٍ طيبة، لا تُضطرّنا لاحقًا إلى كشفِ الجهاتِ التي تُعرقل انطلاقَ هذا المشروع وافتتاحَه لأسبابٍ حقيرةٍ تافهةٍ سخيفة، تضرّ بصيدا وأهلِها لأهواءٍ شخصيةٍ وكسلٍ لا يُغتَفَر.