يُقال في المثل الشعبي إنّه «لا دخان بلا نار». لكن في صيدا، يبدو أنّ القاعدة انقلبت، بات لدينا دخان بلا نار، أو بالأحرى، نار بلا فاعل! وكأنّ الحرائق تشتعل من تلقاء نفسها، ثم تنطفئ وتُطوى صفحاتها من دون أن يعرف أحد كيف بدأت، أو من أشعلها، أو من المستفيد منها. يصعب على المنطق أن يتقبّل، ببساطة، أن يكون اندلاع حريق في جبل النفايات الجاثم على تخوم المدينة، بعد أقلّ من يومين على صدور قرار قضائي بحفظ الأوراق في الملف المتعلّق بمعمل معالجة النفايات، مجرّد مصادفة عابرة. ليس في التساؤل عن توقيت الحريق اتهامٌ لأحد، بل دعوة إلى البحث عن حقيقة لا يجوز أن تبقى أسيرة الدخان والتكهّنات. كاميرات المراقبة، التي يُفترض أنّها تنتشر في محيط المنطقة، تطرح السؤال البديهي: كيف اندلع الحريق؟ وماذا وثّقت تلك الكاميرات؟ وهل جرى تفريغ تسجيلاتها وتحليلها؟ ومن أين بدأت النار أصلًا؟ لا إجابات واضحة حتى الآن، فيما الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى تحقيق هي أنّ أبناء صيدا يدفعون الثمن من صحتهم وبيئتهم وسلامة هوائهم، ويتعرّضون لدخان ملوّث يحمل مخاطر صحية جسيمة، بينما يبقى الفاعل مجهولًا، وكأنّ أشباحًا خفية باتت تتحكّم بمصير المدينة وأهلها. سنوات تمرّ، وحرائق تتكرّر، وشبهات تتراكم، من دون أن ينجح أحد، أيّ أحد، في وضع حدّ لهذا المسلسل، أو كشف المسؤول عن إشعال الحرائق، إن ثبت تعمّد افتعالها. وهذا عجز لم يعد مقبولًا، ولا يجوز السكوت عنه أو التعامل معه باعتباره تفصيلًا عابرًا في يوميات مدينة أنهكتها الأزمات. skip render: ucaddon_material_block_quote فتّش عن المستفيد في علم الجريمة والتحقيقات، ثمة قاعدة معروفة تقوم على البحث عن المستفيد المحتمل من وقوع الجريمة. وهي، وإن لم تكن دليلًا كافيًا للإدانة، تبقى مدخلًا أساسيًا لفهم الدوافع وتضييق دائرة الاشتباه، إلى جانب الأدلة المادية والفنية والشهادات. فالسؤال عن المستفيد ليس ترفًا تحليليًا، بل أحد الأسئلة التي ينبغي ألّا يغفل عنها أيّ تحقيق جدّي، لأنّ تجاهله قد يحجب دوافع محتملة، أو يدفع التحقيق في اتجاه واحد، بعيدًا عن مسارات أخرى قد تقود إلى الحقيقة. لكنّ الأخطر من إغفال هذا المبدأ هو القفز فوقه، والانطلاق من نتيجة جاهزة قبل بدء التحقيق، ثم البحث عمّا يدعمها، بدلًا من البحث عمّا يكشف حقيقة ما جرى.وهذا، ما يثير الاستغراب في بعض المقاربات التي أعقبت الحريق الأخير قرب معمل النفايات في صيدا، حيث بدا أنّ البعض قد حسم هوية المسؤول قبل أن تتضح أسباب الحريق، أو تصدر نتائج تحقيق فنّي وقضائي يحدّد طبيعته وملابساته.الإدانة الجاهزة يبدو أنّ خيبة الأمل التي أصابت البعض بعد صدور القرار القضائي المتعلّق بمعمل النفايات وجدت في دخان الحريق متنفسًا جديدًا، فتحوّلت، سريعًا، إلى اتهامات طاولت شركة IBC المشغّلة للمعمل، وكأنّ المطلوب تعويض خسارة معركة الاتهامات السابقة بفتح معركة جديدة، ولو على حساب المنطق والموضوعية. فبدلًا من طرح السؤال الجوهري، مَن أشعل النار، وكيف، ولماذا؟ انصبّ جانب من الخطاب الاتهامي على تحميل الشركة المسؤولية المباشرة، انطلاقًا من أنّ تراكم النفايات هو الذي أتاح اندلاع الحريق، وصولًا إلى التلميح بأنّ الحرق قد يكون بديلًا متعمّدًا من المعالجة. لكنّ هنا تحديدًا تكمن المغالطة التي تستوجب التوقّف عندها. فوجود تراكمات من النفايات، مهما كانت أسبابها وحجم المسؤولية عنها، مسألة تستوجب المعالجة والمحاسبة وفق الوقائع والالتزامات القانونية والتعاقدية. أمّا اتهام جهة بعينها بإشعال النار عمدًا، فهو مسألة مختلفة تمامًا، لا يجوز إثباتها بالاستنتاج أو بالخصومة السياسية، بل بالأدلة والتحقيق. ثمّ، أين تكمن مصلحة الشركة في إشعال حريق يضعها مجددًا في دائرة الشبهات والاتهامات، بعد صدور قرار قضائي لمصلحتها في الملف السابق؟ سؤال مشروع يستحقّ البحث والتمحيص، من دون أن يشكّل، في المقابل، دليلًا على براءة أحد أو إدانته. فالتحقيق الجدّي لا يبدأ من اسم المتّهم، بل ينتهي إليه، إذا قادت الأدلة إلى ذلك. ثمة مَن يريد إطفاء الحريق، وثمة مَن لا يريد للدخان أن يتبدّد، لأنّ حضوره السياسي معلّق به بطولات من دخان المؤسف أنّ بعض ردود الفعل على الحريق لم تبدُ بعيدة عن مناخ المزايدات الذي اعتادت عليه المدينة، حيث تتحوّل الأزمات إلى مناسبات لاستعراض البطولات الشخصية، واقتناص فرص الظهور الإعلامي، وتسجيل النقاط في سجالات لا تنتهي. وكأنّ المطلوب ليس إطفاء النار بقدر ما هو ضمان الحضور أمام الكاميرا، وليس كشف الفاعل بقدر ما هو اختيار الخصم المناسب وإلصاق التهمة به. إنّه إفلاس في مقاربة الشأن العام حين تصبح النفايات وقودًا لتصفية الحسابات، ويتحوّل الدخان إلى ستار يحجب الإخفاقات، بما فيها تلك «الزحطات» السياسية التي وصلت، في مراحل سابقة، إلى التلويح بالاستقالة من دون أن تقترن بمواقف حاسمة أو خطوات واضحة. والمفارقة أنّ بعض الذين يسارعون إلى توزيع المسؤوليات والاتهامات يتناسون أنّ المسؤولية العامة لا تُقاس بحدّة التصريحات، ولا بعدد الصور والمواقف، بل بالقدرة على اتخاذ القرار وتحقيق النتائج. التراكمات أولًا لا يعني ذلك، بأيّ حال، تجاهل المشهد القاتم لتراكمات النفايات داخل المعمل وخارجه. فهذه حقيقة قائمة لا يمكن تجميلها أو القفز فوقها، مهما كانت المبرّرات والأسباب، ومهما تعدّدت الجهات التي تتحمّل مسؤولية الوصول إليها. فالناس لا يعنيهم كثيرًا تبادل البيانات والاتهامات، ولا السجال حول مَن انتصر قضائيًا ومَن خسر سياسيًا، بقدر ما يعنيهم أن تختفي أكوام النفايات من محيط مدينتهم، وأن يتوقّف تهديد صحتهم وبيئتهم، وأن تعود المعالجة إلى مسارها الطبيعي والمنتظم.وإلى أن تتسارع وتيرة إزالة التراكمات، وتظهر النتائج الملموسة أمام أعين المواطنين، ستبقى هذه المشاهد مادة خصبة للاستهداف السياسي والإعلامي، وستظلّ المساحة الرمادية مفتوحة أمام التأويلات والاتهامات المتبادلة. لكنّ معالجة هذه المعضلة لا تكون بالنفخ المستمر في نار الاحتقان، ولا بتحويل كلّ أزمة إلى مواجهة شخصية جديدة، بل بشيء من الرَّوِيّة والحكمة والترفع عن الحسابات الضيّقة، وتقديم المصلحة العامة على المصالح السياسية والشخصية. لقد سئمت صيدا مسلسل الخيبات المتكرّرة الذي يرافق أداء كثيرين ممّن يتصدّرون العمل العام فيها. وسئم أهلها الوعود التي لا تتحقّق، والبطولات التي لا تترك أثرًا، والمواقف التي ترتفع أصوات أصحابها كلّما ارتفعت سحب الدخان. skip render: ucaddon_box_testimonial
بعد أشهر من الشدّ والجذب داخل البلدية، حُسم الصراع إداريًا، قائد شرطة بلدية صيدا خارج دائرة القرار، وصلاحياته تنتقل إلى أمين السر تحت إشراف مباشر من العضو وائل قصب المكلّف بملف إزالة المخالفات. انتهت مرحلة المساكنة المتوترة بين رئيس البلدية مصطفى حجازي وقائد شرطتها بدر القوّام. فبعد سلسلة طويلة من الخلافات والمماحكات، بعضها بقي خلف الأبواب وبعضها خرج إلى العلن، حسم حجازي المواجهة بقرار إداري قد لا ينتظر موافقة من المجلس. القرار يفتح فصلًا جديدًا داخل البلدية، التي تعيش أصلًا أزمة داخلية مركبة تتداخل فيها الخلافات على الصلاحيات والإدارة وآليات اتخاذ القرار. وبينما يرى فريق أن الخطوة قد تزيد التوتر داخل البلدية وتعمّق الانقسامات القائمة، يعتبر مطّلعون أن إبعاد القوّام قد يكون المدخل الضروري لإعادة ضبط جهاز الشرطة البلدية بعد مرحلة طويلة من الترهل والتراخي وتراجع الفاعلية.
أعزَّ الله عزَّ الدين القسّام ونسله، وأذلَّ إسرائيل وزبانيتها أينما ثُقِفوا. لا مجال هنا للتأويل أو الاجتهاد. الأمر قطعيّ ونهائيّ، لا يتغيّر بتغيّر الأزمنة والظروف، ولا مجال للمزايدة والشعبوية. لكن أن يؤول قطاع حيوي وأساسي كقطاع الكهرباء، في مدينة هي العاصمة الثالثة للبلد، ليقع في يد جهة بعينها معروفة الميول السياسية والحزبية بشكل واضح للجميع، فعندها تصبح المسألة مسألة أمن قومي، لا عبث فيها ولا سكوت عنها بحجّة الغباء أو قِصر النظر. تتحفنا بلدية صيدا، بين الحين والآخر، بصورة وخبر لتقول إن المنطقة الفلانية من المدينة باتت بحوزة صاحب المولّد الفلاني… لا أستثني أحدًا من أصحاب المولّدات الخاصة قديمهم وجديدهم، على فظاعة ما اقترفوه بحق المواطنين على مدى سنين، لكن قليل من «الفطنة» وبُعد النظر… وحتى لو كانت الخطوة تتمثّل بنقل امتياز توليد الكهرباء من المولّدات الخاصة من شخص إلى آخر، من الغباء حُكمًا، بغضّ النظر عن الظروف التفصيلية، أن تتمركز الغالبية العظمى بيد شخصين معروفين في المدينة ومحسوبين على «حركة المقاومة الإسلامية» حماس. ليس في الأمر تهمة، بل تنبيه مشروع، ففي زمن العربدة والطغيان الإسرائيلي، ما الذي يمنع مسيّرة أو صاروخًا من تفجير مولّد بحجّة أن صاحبه ينتمي إلى حماس؟ ماذا لو قُصفت كل المولّدات التي باتت لأشخاص مؤيدين للحركة تحت هذه الحجّة؟ عندها تدخل المدينة في ظلام دامس من الصعب الخروج منه. لا تحتاج آلة الحرب الإسرائيلية إلى ذريعة، يكفيها أن تتابع صفحة البلدية على فايسبوك، لكن من السذاجة أن نمنحها سببًا، وألّا نرى أبعد من أنوفنا، وألّا ندرك أبعاد خطوات قد تجرّ الويلات على البلدية نفسها وأعضائها، وتاليًا على صيدا برمتها، بحجج لا تنتهي عند الأميركيين والإسرائيليين تحت عنوان شماعة «الإرهاب». المطلوب اليوم من القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفاعلة في المدينة تدارك الأمر قبل حصول ما لا تُحمد عقباه. الطاقة ليست تيارًا كهربائيًا أو مادة سائلة، إنها شريان حياة آلاف الناس، ولا يجب أن تكون محتكرة بيد شخص، مهما حسنت نواياه. هل خلت المدينة من أصحاب أموال ومستثمرين لا غبار عليهم، بالطبع لا…