يقبع لبنان في مراتب مخزية عالميًّا في مجال الرفق بالحيوان، حيث يحتل المرتبة 79 عالميًّا، وفقًا لتقرير حقوق الحيوان الصادر عن مؤسسة World Population Review، متذيّلًا القوائم الدولية، ومتقدّمًا بضع درجات ضئيلة فقط عن دول الإبادة البيئية التامة. هذا التصنيف المتدني للغاية لا يعكس مجرد غياب للثقافة البيئية، بل يعرّي البنية الأمنية والسياسية للطبقة الحاكمة في لبنان وأجهزتها، التي تبدي عداءً صريحًا وتواطؤًا ممنهجًا ضد الكائنات الضعيفة والناشطين على حدّ سواء. ليس هذا التصنيف المخزي مجرد رقم، بل هو انعكاس دقيق لمنظومة حكم ومجتمع معنَّف يتغذيان على سحق الآخر، ويجدان في تعذيب الحيوانات متنفسًا لسادية متجذّرة، تحت حماية السلاح والفساد المحصَّنين بالقانون والأمر الواقع. معركة نحفاوي تتجلّى خطوط المواجهة في هذا الملف الشائك عبر المعركة الشرسة التي تخوضها الناشطة البيئية غنى نحفاوي، التي أصبحت، بعنادها وصلابتها، نموذجًا صارخًا لكيفية تعامل الأجهزة الأمنية والمنظومة الحاكمة مع ملفات الرفق بالحيوان في لبنان. تقوم نحفاوي بمهمة شاقة تتلخّص في توثيق وبثّ عمليات تعذيب وحشية تتعرّض لها شتى أنواع الحيوانات على الأراضي اللبنانية، من تسميم جماعي للكلاب الشاردة، وضرب مبرح للقطط، وعرض كائنات برية مهددة بالانقراض في أقفاص بائسة. وبدلًا من أن تتحرك السلطة القضائية أو الأجهزة الأمنية لإلقاء القبض على المجرمين والساديين الذين يتباهون بجرائمهم على منصات التواصل الاجتماعي، تحرّكت آلة الترهيب الرسمية بكل ثقلها ضد الناشطة نفسها: استدعاءات متتالية من قِبل مكاتب مكافحة جرائم المعلوماتية، وتحقيقات أمنية تهدف إلى الضغط النفسي والمعنوي عليها لإسكاتها، وكأن توثيق الجريمة وصوت الحيوان المذبوح يمثلان تهديدًا أمنيًّا للنظام العام. يثبت هذا التواطؤ الأمني أن السلطة ترى في الدفاع عن الضعفاء فعلًا تخريبيًّا يهزّ هيبة «الزعران» والمحميّين من أتباع النافذين والأحزاب الطائفية. skip render: ucaddon_material_block_quote فوقية وهمية يُظهر التحليل النفسي لهذا العنف الممارَس ضد الحيوان في لبنان ارتباطًا عضويًّا بالشخصية اللبنانية الجاهلة القادرة على إلغاء الآخر، وهي تركيبة نفسية مشوّهة وُلدت من رحم الفساد والسرقة والعشوائية التي تُدار بها البلاد. يعاني الفرد المعنَّف في هذه البيئة من عقدة نقص وفوقية وهمية؛ فهو مسحوق سياسيًّا واقتصاديًّا أمام الزعيم الإقطاعي أو الحزبي الذي يسرق ودائعه ومستقبله، وبسبب عجزه التام عن مواجهة جلاده البشري، يبحث غريزيًّا عن كائن أضعف يمارس عليه سطوته الكاملة، لإعادة التوازن إلى نفسيته المهزومة. الحيوان هنا هو الضحية المثالية: كائن بلا صوت، وبلا فصيل طائفي يحميه، وبلا محامٍ يدافع عنه. إن ثقافة الإلغاء الشاملة، التي تبيح سحق الجار والمواطن المختلف طائفيًّا أو سياسيًّا، تصبح أكثر فجاجة وسادية عندما تسقط على الحيوان، حيث تتحول عملية الإعدام أو التعذيب إلى أداة للتسلية واستعراض القوة. الفساد البنيوي في الدولة نزع القيمة الأخلاقية والإنسانية عن المجتمع، وحوّل العلاقات إلى ممارسات نفعية استهلاكية. فإذا غابت المنفعة المادية من الكائن، يصبح قتله والتخلص منه بالرصاص أو السم تصرّفًا عشوائيًّا عاديًّا لا يستدعي أي شعور بالذنب أو الخجل الاجتماعي. مسلخ الطيور المفتوح هذه النزعة العدمية في التعامل مع الحياة لم ترحم حتى السماء، إذ تحوّلت الأجواء اللبنانية إلى مسلخ مفتوح للطيور المهاجرة التي تعبر البلاد سنويًّا، كون لبنان يقع على أحد أهم مسارات الهجرة العالمية. تشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن منظمات دولية مهتمة بحماية الطيور إلى أن سماء لبنان تشهد مجازر يُقتل فيها أكثر من 2.6 مليون طائر مهاجر خارج إطار أي قانون أو تنظيم للصيد. طيور اللقالق والنسور والصقور والبجع، التي تقطع آلاف الكيلومترات، تُباد في لبنان برصاص البنادق الأوتوماتيكية والرشاشات الحربية، بدافع «التسلية» المحضة واستعراض الذكورة الزائفة. لا يمارس هؤلاء القتلة الصيد لتأمين القوت، بل يملأون حاويات النفايات بجثث الطيور النادرة بعد التقاط صور متباهية ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، في ظل غياب تام للقوى الأمنية وشرطة البيئة التي من المفترض أن تطبّق قانون الصيد البري، مما كرّس الانطباع الدولي بأن لبنان هو «الثقب الأسود» لرحلات الهجرة البيئية العالمية. رواية الفقمة الحزينة تكتمل مأساة الاستهتار بالحياة البرية في قصة «فقمة عمشيت» الشهيرة، وهي فقمة الراهب المتوسطية النادرة والمهددة بالانقراض عالميًّا، والتي قادتها الأقدار إلى اللجوء إلى الشاطئ اللبناني للاستراحة والتكاثر. وبدلًا من أن تتعامل السلطات المحلية ووزارة البيئة والأجهزة الأمنية مع هذا الحدث كإنجاز بيئي عالمي يفرض تطويق الشاطئ وحمايته، تُرك الكائن النادر لجهل الشارع ووحشيته. تعرّضت الفقمة للرشق الكثيف بالحجارة والعصي من قِبل حشود من المارة والفضوليين، بدافع الفكاهة ودفعها إلى التحرك لالتقاط مقاطع الفيديو. وطاردتها الزوارق البحرية، وأُطلقت المفرقعات النارية بجانبها لإخافتها، وسط تأخّر استمر لأيام من قِبل الأجهزة الأمنية في فرض أي طوق أمني حقيقي لحمايتها، مما أدى في النهاية إلى إصابة الفقمة بجروح بليغة ونفوقها، في طعنة نجلاء وُجّهت إلى التنوع البيولوجي وصورة لبنان أمام المجتمع الدولي. تعذيب الحيوان ليس تفصيلًا هامشيًا؛ إنه مرآة لمجتمع فقد حساسيته تجاه الألم التدمير هو الأصل إن هذا العداء الشامل للحيوانات مترسّخ في علاقة عدمية وتدميرية أسست لها الطبقة الحاكمة مع الطبيعة ككل، من خلال نهب ثروات الجبال والبحر عبر الكسارات والمقالع غير الشرعية، ومشاريع السدود الفاشلة، وتلويث الشواطئ بالصرف الصحي والنفايات السامة لجني الأرباح السريعة. عندما يرى المواطن اللبناني أن القانون يحمي أصحاب الكسارات النافذين الذين يجرفون جبالًا بأكملها، ويقضون على حياتها البرية، ويشوّهون جغرافيا الوطن دون حسيب أو رقيب، يترسّخ في وعيه الجماعي أن التدمير والقتل هما الأصل، وأن الحفاظ على البيئة والكائنات الحية هو الاستثناء الساذج. لقد نجحت المنظومة في تشريع الشذوذ الأخلاقي والبيئي وجعله أمرًا واقعًا محميًّا بسلطة السلاح والمال، فاختفى الخجل الاجتماعي المكتسب من ممارسة العنف، وأصبح تسميم الكلاب الأليفة في الشوارع أو إطلاق النار على الحيوانات الشاردة سلوكًا طبيعيًّا يُنظر إليه كإجراء تنظيمي أهلي، بدلًا من كونه جريمة يعاقب عليها القانون. مظلومية الاستباحة تتغذّى منظومة العنف هذه في لبنان على روافد الحروب والميليشيات والضغط الاقتصادي المنهار، والحيوان هو من يقبع دائمًا في أسفل هذه السلسلة ليدفع الثمن الأكبر نيابةً عن الجميع. لقد أورثت عقود الحروب الأهلية والنزاعات المستمرة تبلّدًا مرعبًا في المشاعر تجاه الدم والموت والدمار، وغذّت الأحزاب السياسية والطائفية ثقافة السلاح المتفلّت وفلسفة «البقاء للأقوى»، حيث تُعتبر مفاهيم مثل الرفق بالحيوان وحقوق الكائنات الحية نوعًا من «الترف الفكري البورجوازي» أو الأفكار الغربية المستوردة التي لا مكان لها في مجتمع السلاح والحروب والكانتونات المغلقة. skip render: ucaddon_box_testimonial
أغرَبُ وأغبى في الذي حصَلَ بالأمسِ عندَ مُسْتَديرةِ “القنّايَةِ”، ذلكَ الدُّوَّارُ الذي تتقاطَعُ فيه ثلاثُ بَلَدِيّاتٍ هي صيدا، الهلاليّة، وحارةُ صيدا، أنَّهُ شهِدَ مُنذُ أيّامٍ قليلةٍ فقط نِفاقًا وتكاذُبًا واضِحًا مِن قِبَلِ مسؤولينَ لإضاءتِه وتزيينِه احتفالًا بموسمِ أعيادِ المِيلادِ ورأسِ السَّنةِ.وقد جَهَدَ أحدُ رُؤساءِ البَلَدِيّاتِ المذكورة، مِن على أرضِ الحدث، لتأكيد مُسمّى لَهُ هو «دُوَّارِ العَيْشِ المُشْتَرَكِ» دليلاً على حُبِّ الناسِ بعضِها الِبعضٍ في هذه المنطقة.وبالفِعلِ، أثبَتَ هذا الدُّوَّارُ أمسِ، خلالَ موجةِ الاعتِداءِ والتَّضارُبِ والسبابِ والشَّتائِمِ وتَكسيرِ زُجاجِ السَّياراتِ و«تَدمِيَةِ» المارَّةِ، أنَّهُ وبحقٍّ دُوَّارٌ لِلعَيْشِ المُشْتَرَكِ والتسامحِ ونَبذِ العُنفِ والطائفيةِ والمذهبيّةِ والتصالحِ مع الآخَر. بِبساطةٍ، هذا ما قالَهُ الدُّوَّارُ أمسِ للجميعِ، أوّلُهُم لأهالي مدينةِ صيدا وسُكّانِها:لا يَحِقُّ «لكم» أن تُعبِّروا عن آرائِكم، ويَحِقُّ «لهم» أن يقولوا ما يشاؤون، ساعةَ يشاؤون، بالشكلِ الذي يريدون وفي قلبِ مدينتِكم، التي لم تَعدْ لكم وأنتم نائمون. هذه هي الحقيقةُ الصعبةُ التي قالَها الدُّوَّارُ أمس. سيُقال: إنَّهُم دَخَلوا إلى «مناطِقِهِم»، ولا يَحِقُّ لهم ذلك. كيفَ تُرسَمُ الحدودُ عند تلك المنطقة التي لم يكن أحدٌ من الصيداويّينَ يُلقي لها بالًا قبل سنواتٍ قليلة؟وسيُقال ردًّا، هل يجرؤُ أحدُكُم على الطَّلَبِ مِن سيّارةٍ بزجاجٍ «مفيم» عندَ تقاطُعِ إيليّا، «وسطَ منطقتِكم»، أن تُخفِضَ صوتَ «النَّدبيّةِ» التي تَصدَحُ مِن داخِلِها؟أو يستطيعُ أحدُكُم أن يطلُبَ مِن مواكِبِ سيّاراتِهِم ودراجاتِهِم التي تجولُ أحياءَ صيدا وشوارعَها وأزقّتَها إنزالَ صورةٍ لِزعيمٍ سياسيٍّ مذهبيٍّ في ذِكرى ما؟بالطَّبع لا. لذا، طَأطِئوا رُؤوسَكُم بخزي. هذا ما عليكم أن تتأقلَموا معه، وتعتادوا عليه، وإلّا فالقُمصانُ السُّودُ لكم بالمِرصادِ، وتُهَمُ إثارةِ النَّعَراتِ المذهبيّةِ والطائفيّةِ وتهديدِ السِّلمِ الأهليّ و«الدَّعشنةِ» جاهزةٌ «غَبَّ الطَّلَب». وما عليكم إلّا الانصِياعُ والخَوفُ والسُّكونُ ونَفثُ دخانِ النرجيلة… لكنّها لن تَنجلي. سيُقال إنَّهُم «سوريّون»، وسيُخبِّئ «زعماءُ» المدينةِ عجْزَهُم وراء هذه «الحقيقة». وسيقولون إنَّ المشكلةَ لم تكن داخليّةً، كانت مُوَجَّهَةً ضدَّ الجولاني، وسيمنّونَ النفسَ بأنَّهُم غيرُ معنيّينَ بما جرى، وستُكمِلُ الأيامُ دورتَها، لكنَّهُم في قَرارةِ نُفوسِهِم يَعلَمونَ أنَّها ما كانت كذلك البتّة. لو كانَ في هذه المدينةِ مِن رَجُلٍ أو مسؤولٍ حُرّ، لكان تجرّأ وطلب — جِهارًا وبدونِ مُوارَبةٍ — تغييرَ مَسارِ طَريقٍ رئيسيٍّ يربِطُ آلافَ الصيداويّينَ ببيوتِهِم وأرزاقِهِم وأولادِهِم يوميًّا، كي يتجنَّبوا العُبورَ في هذا الكَمِّ مِن الحِقدِ المُتلوّنِ بألوانِ النِّفاقِ والعَيْشِ المُشْتَرَكِ. نعم، بهذه البساطةِ والجذريةِ، كي لا يكونَ الناسُ — في لحظةِ حقيقةٍ — فَريسةً لكُرهٍ دفينٍ لا يَرحَمُ أحدًا. لكنَّهُ موسمُ المَطَرِ، كما يراهُ كثيرون، وإن كان — في الحقيقةِ — موسمَ «البَصْقِ» على الوُجوهِ، والكَراماتِ، والكياناتِ…تمامًا كما تظهَرُ الفيديوهاتُ أدناه… https://al-post.com/wp-content/uploads/2025/12/haret-saida-1.mp4https://al-post.com/wp-content/uploads/2025/12/haret-saida-2.mp4https://al-post.com/wp-content/uploads/2025/12/haret-saida-3.mp4
بينما يستعدُّ لبنانُ لموسمٍ صيفيٍّ جديد، وسطَ التوتراتِ الإقليميةِ وتداعياتِها، مع أملهِ باستقطابِ السُّيّاحِ أو عودةِ المغتربين اللبنانيين لقضاءِ إجازاتِهم، تبرزُ تحدّياتٌ تتعلّق بالتفلّتِ الأمني في كثيرٍ من مناطقه، ومن بينها مدنُ الجنوبِ اللبنانيّ مثل مدينةِ صيدا العريقة في أقلّ من أسبوع، شهدت صيدا، ذات الموقعِ الجيوسياسيّ الحسّاس، جملةً من الحوادثِ وُصفت من قِبَلِ جهاتٍ مستقلّةٍ في المدينة بأنها تشهدُ على “الانفلاتِ الحاصلِ على مختلفِ الأصعدة وغيابِ المعالجةِ والمحاسبة”. مسلسلُ العنفِ والتفلّتِ سجّل تعرُّض أحد الصحافيين الذين يتناولون تحدّياتِ الإهمالِ والفسادِ في المدينة، ويكتبُ مقالاتٍ ذات طابعٍ استقصائيٍّ عن تردّي القطاعاتِ الصحيةِ والمجتمعيةِ فيها وتأثيرِ ذلك على السكان، لاعتداءٍ بالضربِ المُبرِح من قِبَلِ شبّانٍ وصفتهم البياناتُ الاستنكارية لاحقًا بـ”البلطجية”. وفي حيثياتِ ما بات يُعرفُ بقضية #بلطجية_شاطئ_صيدا، أنَّ المعتدين تربّصوا بالصحافي إبراهيم توتونجي، أثناء قيامِه بممارسةِ رياضتِه على الشاطئ، وانهالوا عليهِ بالضربِ والترهيب، ما سبّب له إصاباتٍ جسديةً ونفسيةً بارزة. وخلال اليوم ذاته، أدّى إطلاقُ نارٍ من أحدِ المسلحين على مواطنين يعملون في مجالِ توليدِ الكهرباءِ البديلةِ في الأحياءِ إلى إصابات، وتمّ تداولُ فيديو لهذه الواقعة، يُظهر اقتحامَ المسلّحِ لأحدِ السياراتِ وفتحَهُ أبوابَها بالقوّة، وإطلاقَ الرصاصِ على من فيها، من رشاشٍ حربيّ. وأظهرَ فيديو آخر قيامَ أحدِ الأشخاصِ بالاعتداءِ الجسديّ على سيّدةٍ في مكانٍ عامٍّ لممارسةِ رياضةِ لعبة “البادل”، وظهرت السيدةُ في الفيديو المُتداول وهي تتعرّضُ لصفعاتٍ متتاليةٍ من رجلٍ، وجَّه لها شتائمَ وإهاناتٍ، إضافةً إلى الضرب. وفي فيديو صادمٍ آخر، على مقربةٍ من الجامعِ الرئيسيّ قرب كورنيش المدينة، أظهرت الصورُ هجومًا جماعيًّا من رجالٍ على رجلٍ واحد، مستخدمين أدواتٍ مختلفةً للتعدّي، من كراسٍ وعصيٍّ وأدواتٍ حادّة. وتداول الناس تعليقاتٍ كثيرةً عن شجاعةِ الرجلِ الذي ارتدى زيًّا رسميًّا يوحي بطبيعةِ مهنتِه الخاصةِ بالشأنِ العامّ، وهو يقاومُ بشراسةٍ المعتدين. ويبقى السؤال إن كانت هذه الحادثةُ هي عبارةً عن رسالةٍ للجريدةِ التي صدرت مؤخرًا بشكلٍ مغايرٍ عمّا هو سائدٌ في إعلام المناطقِ والمدن، من أجل “تحسين وتطوير الحياةِ في المدينةِ عبر العملِ الإعلاميّ المهنيّ الحرّ والمسؤول #بلطجية_شاطئ_صيدا وأثارت تلك الأحداث، ومن بينها الحدث الذي بات يُعرف إعلاميًّا بـ**#بلطجية_شاطئ_صيدا**، ردودَ فعلٍ واسعةً تعدّت النطاقَ الجغرافيَّ للمدينةِ ولبنان، لتصلَ الأصداءُ إلى الخارج. وعلّق الرسّام زاهر البزري، ابن المدينة، وأحدُ الفنانين المعروفين عالميًّا والحائزُ على عدّةِ جوائزَ عن لوحاتٍ جسّدت التراثَ الحضاريَّ لصيدا، في بيانٍ صدرَ باسم “الشارع الثقافي”، وهي الجمعية التي أسّسها ويديرها:“إنّ ما نشهده من مخالفاتٍ وفوضى في المدينة ليس إلا انعكاسًا لحالةِ الانحدارِ الأخلاقيِّ والسلوكيِّ، التي لا تمثّل القيمَ الحقيقيةَ لأُسَرِ مدينةِ صيدا، ولا تعكسُ صورةَ التربيةِ الأصيلةِ التي نشأت عليها العائلاتُ الصيداوية.” من جهتها، أشار تجمُّع “مهندسون من صيدا والجوار” إلى الأعطالِ التي تواجهُ آلياتِ التبليغِ عن الاعتداء، مستشهدًا بحادثةِ التعدّي على الصحافي توتونجي، بكونِه حاولَ طلبَ النجدةِ من رقمِ الطوارئ 112 أكثرَ من مرةٍ دون أيّ ردّ.وتساءل البيان:“هل أصبحت صيدا محكومةً بشريعةِ الغاب؟ وهل بات العنفُ والسلاحُ والاعتداءُ العلنيُّ جزءًا من الحياةِ اليوميةِ في المدينة؟” وأضاف “المهندسون”: “أين القوى الأمنية؟ أين شرطةُ البلدية؟ ومن يحمي ويُحاسب؟” في السياق ذاته، برز ربطٌ بين أثرِ هذه الأحداثِ المتكرّرة على الدورةِ الاقتصاديةِ للمدينة، التي تعتمدُ بشكلٍ كبيرٍ على الزياراتِ الداخليةِ والخارجيةِ لإرثِها وآثارِها ومرافقِها السياحية، وأشار بيانٌ صدر عن “المركز الوطني للعيون”، وهو مؤسّسةٌ غير تجاريةٍ تساعد على معالجةِ فاقدي البصر، وتتخذُ من المدينة مركزًا لها، إلى إساءةِ هذه الأحداثِ للحركةِ التجاريةِ في المدينة، الأمرُ الذي يزيدُ من قسوةِ الأزمةِ الاقتصاديةِ الخانقةِ التي تمرُّ بها، كما كاملُ لبنان.وذكر بيانُ المركز أنَّ الصحافي الذي تعرّضَ للضرب هو أحدُ الشخصياتِ “المعروف عنه حبُّه وتعلُّقه بمدينتِه وإثارتُه لقضاياها التنمويةِ والبيئيةِ عبر مقالاتِه وإطلالاتِه الإعلاميةِ المحليةِ والعربية”. وتساءل الصحافيُّ الاستقصائيُّ وفيق هواري، الذي ينتمي للمدينةِ ويكشفُ قضايا المخالفاتِ والفسادِ فيها، في خبرِه عن حادثةِ الاعتداء على زميلِه توتونجي، والذي نُشرَ في موقع جريدة “البوست” Al-Post بعنوان: “صيدا لم تعد آمنةً لأهلها”، إن كانت هذه الحادثةُ هي عبارةً عن رسالةٍ للجريدةِ التي صدرت مؤخرًا بشكلٍ مغايرٍ عمّا هو سائدٌ في إعلام المناطقِ والمدن، من أجل “تحسين وتطوير الحياةِ في المدينةِ عبر العملِ الإعلاميّ المهنيّ الحرّ والمسؤول”، أم أنها “حادثةٌ فرديةٌ تُظهر هشاشةَ الوضعِ الأمنيِّ والإنسانيِّ في مدينةٍ تحاول نفضَ الغبارِ عن تراكماتِ الرجعيةِ والغبنِ واللامبالاة التي أوصلت مستوى الحياة فيها إلى ما وصلت إليه اليوم؟” الاعلام المسؤول وقال الصحافيُّ إبراهيم توتونجي، الذي تعرّضَ لحادثةِ الاعتداء، في منشورٍ على صفحتِه على “فيسبوك”:“شعرتُ بألمٍ كبيرٍ على المستويين الشخصيّ والمهنيّ، إذ تعرّضتُ في مدينتي إلى اعتداءاتٍ متتاليةٍ على مرأى من جموع الناس، ثمّ على مرأى من عناصرِ شرطةِ البلدية، من دون أن يتدخل أحدٌ لنجدتي”.وأضاف: “لطالما دافعتُ عن حقوقِ الناس بالسلامةِ الجسديةِ والنفسيةِ في الأماكنِ العامة، وكتبتُ الكثيرَ عن ذلك، لأجدَ نفسي اليومَ ضحيةَ ممارساتِ البلطجة، وجهًا لوجه”.وأكّد على مُضيّه في اتخاذِ كافةِ المسالكِ القانونيةِ والحقوقيةِ للوصولِ إلى العدالةِ ومعاقبةِ المعتدين. وكَرِسالةٍ منه بالتمسكِ بحريةِ التعبيرِ عن الآراءِ والأفكار، وكذلك نمطِ الحياة، أعاد توتونجي بعد الحادثة نشر مقتطفاتٍ من مقالاتِه التي نشرتها “البوست” خلال شهر يونيو، كتأكيدٍ على عدمِ تراجعه، رغمَ الترهيب، عن القيامِ بدورِه المهني. ويرِد في مقالةٍ تحمل اسم “كاوبوي على سُلّمِ المستوصف”:“تمسكُ المستوصفاتُ الناسَ من أياديها وأعناقها وكراماتِها، لأنّ البديلَ بالطبع: عياداتٌ خاصّة، للأطبّاء ذاتهم، يُدفَع لقاء التحدّثِ معهم لدقائق، بدلًا يبدأ من خمسين دولارًا، في بلدٍ لا يتنطّح الحدّ الأدنى للأجور فيه فوق 350 دولارًا.” وفي مقالةٍ أخرى حملت اسم “قرقعة على رأس الهلالية”، يسلّط توتونجي الضوء على مساراتِ السياسةِ المدمّرةِ في صيدا مثل: السيطرة على أراضي أهل المدينة عبر التلاعبِ بسلطات المجلس البلدي، التواطؤ بين الإقطاعيين السياسيين وأصحاب الأعمال، تسويق مشاريعَ إلى حكومات الدولِ المانحة والصناديقِ الداعمة بهدف الحفاظِ على الإرث الحضاري للمدينة التي تُعدّ من أقدمِ مدن البشرية الحية، نهب الجزء الأكبر من أموال المانحين باستخدام النفوذ السياسي وألاعيب الكذب والفساد، انتهاك الأمان الصحي والنفسي لسكان المدينة وقتل روح المحاججة والمحاسبة عبر إغراقها حرفيًّا بالنفايات. ويرِد في المقالة:“حين يخرج صيداوي من بيته صباح أحد الأيام، ولا يعود إلّا جثةً لحضن أهله: إما لأنّ مشافي المدينة تعجُّ بالفيروساتِ المتغلغلةِ في أجهزة التنفّس، والتي تنخر أيضًا “مهارات” الطاقم التمريضي، قليلِ الخبرة والتعاطف، بينما يتنعم أصحابها بالثرواتِ تُضَخُّ لحساباتهم “الفريش” ليلَ نهار، من دون أدنى تأكّدٍ من مواءمةِ منشآتهم للاحتياجات الصحية والإنسانية، أو بالموتِ على الطرقات لأنّ قوانينَ البلديةِ ووظائفَها المتعلقةَ بالإنارة العامة، وحفرِ الطرقات، وأدبياتِ طرق المشاة، والفتحاتِ غير القانونية بين الشوارع، ومافيا بيعِ الموتوسيكلات ونشرِها وتطبيعِ حماقاتِها… هي قوانينُ تنام في سرير الأدراج العتيقة. أو لأنّ نسائمَ الصيفِ محمّلةٌ بكلِّ أنواعِ الروائحِ الغريبة، رَوائحُ نجحت في العيشِ والتمدُّد في الأثيرِ الصيداوي، منها فُوحُ جبلِ النفاياتِ