في زمنٍ باتت فيه منصّاتُ التواصل الاجتماعي تُشبه غرفَ تحريرٍ خفيّة، تحكمها الخوارزميّات أكثر ممّا تحكمها الحقيقة، يطلّ تطبيق Upscrolled بوصفه فعلًا أخلاقيًا قبل أن يكون منتجًا رقميًا.ليس لأنّه تطبيقٌ جديد، بل لأنّه جاء من مكانٍ لا يُفترض به أن يُنتج حرّية: من قلب التضييق، ومن هامش الصوت العالمي، ومن تجربةٍ فلسطينيّة دفعت ثمن الكلمة قبل أن تُكافأ عليها. لم يُؤسَّس Upscrolled كردّ فعلٍ عاطفي على حجب منشور أو إغلاق حساب، بل كإجابةٍ واعية على سؤالٍ أخطر: ماذا يحدث للعالم عندما تُخنق الحقيقة باسم «المعايير المجتمعيّة»؟ وماذا يبقى من الإعلام عندما تُدار الحريّات كامتياز، لا كحقّ؟ خلل بنيوي السبب الجوهري لولادة هذا التطبيق كان واضحًا منذ اللحظة الأولى: التضييق الممنهج الذي تمارسه كبرى منصّات التواصل على حرّية التعبير، وفي القلب منها القضيّة الفلسطينيّة. ليست هذه مبالغةً خطابيّة، بل واقعٌ موثّق عاشه صحافيّون وناشطون ووسائل إعلامٍ كاملة، حين تحوّلت فلسطين إلى استثناءٍ دائم في سياسات النشر، وكأنّ الحقيقة، حين تكون فلسطينيّة، تصبح عبئًا تقنيًا يجب تقليصه أو إخفاؤه. Upscrolled وُلد من هذا الخلل البنيوي. وُلد لأنّ هناك من قرّر ألّا يُفاوض على صوته، ولا ينتظر إذنًا ليقول ما يجب أن يُقال. المفارقة التي لا يمكن تجاهلها أنّ مؤسّس التطبيق يقيم في أستراليا. وهذه ليست تفصيلةً جغرافيّة عابرة، بل حقيقة سياسيّة كاملة الدلالة. فلو كان هذا المؤسّس لاجئًا في لبنان، أو مقيمًا في أيّ بلدٍ عربي يرزح تحت قيودٍ قانونيّة وأمنيّة واقتصاديّة خانقة، لما كان لهذا المشروع أن يرى النور أصلًا. ليس لضعف الفكرة، بل لأنّ البيئة نفسها لا تسمح للفكرة الحرّة أن تتنفّس، فضلًا عن أن تتحوّل إلى منصّة عالميّة. حين تحجب الخوارزميات الحقيقة… منصّة فلسطينيّة تكسر الصمت فرصة حرّية هنا تحديدًا تتكشّف المعادلة غير العادلة في عالمنا: الحرّية ليست موزّعة بالتساوي، حتّى في الفضاء الرقمي الذي يُفترض أنّه بلا حدود. Upscrolled هو نتيجة مباشرة لفرصة الحرّية، لا لامتياز المال، وهو في الوقت نفسه إدانة صامتة لكلّ نظام يمنع الفلسطيني من أن يكون منتجًا، لا مجرّد موضوع. الفلسطيني، حين يُمنح الحرّية، لا يُبدع لفلسطين وحدها. هذه حقيقة يغفلها الغرب كثيرًا، ويتجاهلها العرب أكثر. الفلسطيني يولد وهو يفهم معنى القيد، ولذلك حين يكتب، أو يُصوّر، أو يؤسّس منصّة، فإنّه لا يفعل ذلك من موقع الضحيّة، بل من موقع الإنسان الذي اختبر غياب العدالة ويريد تصحيح ميزانها. إعطاء الفلسطيني حرّية الإبداع لا يخدم روايته فقط، بل يخدم العالم كلّه، لأنّه يُضيف إلى المشهد الإنساني صوتًا غير مروّض، وغير مصلحي، وغير مزيّف. من هنا، لا يمكن قراءة Upscrolled كتجربة تقنيّة بحتة. هو أقرب إلى موقفٍ إعلاميٍّ أخلاقيّ يعيد تعريف دور الصحافة ذاتها. فالإعلام، في جوهره، لم يُخلق ليُرضي السلطة، ولا ليُهادن السوق، بل ليؤدّي وظيفة أعمق: النداء. النداء وهنا نستعيد ما يمكن تسميته بسياسة إبراهيم عليه السلام الإعلاميّة. إبراهيم لم يكن صاحب جيش، ولا مال، ولا منصّة، لكنّه كان صاحب نداء. قال كلمته في وجه القوّة، ولم يكن مطلوبًا منه أن يُقنع الجميع، بل أن يُعلن الحقيقة.«عليك النداء وعلينا الإجابة» ليست عبارةً رمزيّة، بل فلسفة إعلاميّة كاملة. على الإعلاميّ أن ينادي بالحقيقة دون حسابات الخوارزميّة، وعلى المجتمع الإنساني أن يقرّر إن كان لا يزال قادرًا على الاستجابة. Upscrolled اختار هذا الطريق الأصعب. لم يقل: «كيف نُرضي الجميع؟»، بل سأل: «كيف نحمي الصوت؟». لم يسأل: «ما الذي يُسمح بنشره؟»، بل: «من الذي لا يُسمح له بالكلام، ولماذا؟». في عالمٍ يُعاد فيه تعريف الحرّية كلّ يوم وفق ميزان القوّة، تأتي مثل هذه المنصّات لتذكّرنا أنّ الإعلام، حين يفقد شجاعته، يتحوّل إلى مجرّد ترف. وحين يستعيدها، يصبح مسؤوليّة تاريخيّة. Upscrolled ليس نهاية الطريق، لكنّه علامة فارقة على أنّ الصحافة الحرّة لم تمت، وأنّ الفلسطيني، متى كُسرت قيوده، لا يطالب بمكانٍ على الطاولة، بل يُعيد تصميم الطاولة نفسها.
لم يَعُد الجدلُ الدائرُ حول وكالةِ غوثِ وتشغيلِ اللاجئينَ الفلسطينيّين (الأونروا) محصورًا في أرقامِ العجزِ الماليّ أو كفاءةِ الإدارة، بل بات يعكسُ تحوّلًا أعمقَ في المقاربةِ الدوليّةِ للقضيّةِ الفلسطينيّةِ نفسها. ما يجري اليوم داخلَ الوكالة لا يبدو مجرّدَ إعادةِ تنظيمٍ بيروقراطيّة، بل أقربَ إلى عمليّةِ إعادةِ هندسةٍ سياسيّة، تنتهي عمليًّا بتقليصِ دورِها، ثم تفكيكِها تدريجيًّا، ثم تذويبِ وظيفتِها التاريخيّة ضمن ترتيباتٍ بديلةٍ أقلَّ ارتباطًا بالحقوقِ السياسيّةِ للاجئين. إيان مارتن في خلفيّةِ هذا المسار يبرزُ اسمُ الخبيرِ الأمميّ البريطانيّ إيان مارتن، الذي ارتبط في تجاربَ سابقةٍ بصياغةِ استراتيجيّاتِ انتقالٍ مؤسّسيّ في دولٍ ومناطقَ خارجةٍ من النزاعات، مثل ليبيا ونيبال وتيمور الشرقيّة.مارتن ليس مجرّدَ إداريٍّ تقنيّ، بل مهندسٌ لتحوّلاتٍ مؤسّسيّة غالبًا ما تبدأُ بشعارِ «الإصلاح»، وتنتهي بإعادةِ توزيعِ الصلاحيّات على سلطاتٍ محليّة أو ائتلافاتٍ دوليّةٍ بديلة، بما يُقلّل من حضورِ المؤسّساتِ الأمميّةِ المركزيّة. جوهرُ المقاربةِ التي يُعتقد أنّها تُطبَّق في حالةِ الأونروا يتمثّل في الانتقال من نموذجِ التشغيلِ المباشرِ للخدمات إلى نموذجِ الإشرافِ والتنسيق. في هذا الإطار، لم تَعُد الوكالةُ مطالَبةً بإدارةِ المدارسِ والمستشفياتِ والمراكزِ الصحيّة بنفسها، بل تتحوّلُ تدريجيًّا إلى جهةٍ تُنسّقُ بين أطرافٍ أخرى تتولّى التنفيذ، سواء كانت حكوماتٍ مضيفة، أو منظّماتٍ دوليّة، أو جهاتٍ غير حكوميّة، أو حتّى شركاتٍ خاصّة. هذا التحوّل لا يمسُّ البنيةَ الإداريّة فقط، بل يطالُ جوهرَ التفويضِ السياسيّ للأونروا. فالوكالةُ لم تُنشأ أصلًا كمجرّدِ مؤسّسةِ خدماتٍ اجتماعيّة، بل ككيانٍ دوليٍّ يُجسِّدُ اعترافًا مستمرًّا بمسؤوليّةِ المجتمعِ الدوليّ تجاه قضيّةِ اللاجئينَ الفلسطينيّين وحقّهم غيرَ القابلِ للتصرّف. تقليصُ دورِها إلى مجرّدِ «مُنسّق» يعني عمليًّا تفريغَها من ثقلِها السياسيّ والرمزيّ، وتحويلَها من شاهدٍ على قضيّةٍ تاريخيّة إلى مكتبٍ إداريٍّ محدودِ التأثير. لن يُحسَمَ مستقبلُ هذا المسار في مكاتبِ الخبراء أو غرفِ المانحين، بل في موقفِ الشارعِ الفلسطينيّ نفسه. فإذا جرى فهمُ هذه التحوّلات على أنّها جزءٌ من مشروعٍ أوسع لتصفيةِ القضيّة تحت غطاءٍ إنسانيّ خصخصةٌ مُقنَّعة على الأرض، تتجسّدُ هذه التحوّلات عبر سلسلةِ خطواتٍ تبدو تقنيّةً في ظاهرِها، لكنّها تحملُ آثارًا استراتيجيّةً بعيدةَ المدى. إذ يجري نقلُ إدارةِ بعضِ الخدماتِ الصحيّةِ والتعليميّة إلى منظّماتٍ غيرِ حكوميّة، في إطارِ ما يمكن وصفُه بخصخصةٍ مُقنَّعة، كما يُشجَّعُ اللاجئون على الاعتمادِ المتزايدِ على مؤسّساتِ الدولِ المضيفة أو جهاتٍ دوليّةٍ أخرى، في عمليّةِ دمجٍ خدميّ تُقلّصُ حضورَ الأونروا تدريجيًّا. وفي مراحلَ أكثرَ تقدّمًا، يُطرَحُ نقلُ الكادرِ الوظيفيّ من مظلّةِ الوكالة إلى مؤسّساتٍ بديلة، ما يُفرغُها من رأسِ مالِها البشريّ والمؤسّسيّ، ويُمهِّدُ لتقليصِ دورِها بشكلٍ شبهِ نهائيّ. القلقُ الحقيقيّ لا يرتبطُ بمستوى الخدمات وحده، بل بالمعنى السياسيّ الأوسعِ لما يحدث. فالأونروا ليست مجرّدَ مؤسّسةٍ إنسانيّة؛ إنّها أحدُ الأعمدةِ الرمزيّة التي تحفظُ البُعدَ الدوليّ لقضيّةِ اللاجئينَ الفلسطينيّين. تفكيكُها، أو تحييدُها، يعني عمليًّا نقلَ القضيّة من كونِها مسؤوليّةً دوليّةً قانونيّة إلى ملفٍّ إنسانيٍّ محلّيّ، يمكن التعاملُ معه بوصفِه أزمةَ خدماتٍ لا قضيّةَ حقوقٍ تاريخيّة. إطارٌ منزوعُ السياسة في هذا السياق، تبدو عمليّةُ تقليصِ دورِ الأونروا كخطوةٍ نحو رفعِ العبءِ عن المجتمعِ الدوليّ، وإعادةِ تعريفِ القضيّةِ الفلسطينيّة ضمن إطارٍ إنسانيٍّ منزوعِ السياسة، ما يُهدّدُ بتآكُلِ مركزيّةِ حقّ العودة وتحويلِه إلى مطلبٍ مؤجَّلٍ أو هامشيٍّ في الخطابِ الدوليّ. في المقابل، تُسوّقُ إدارةُ الوكالةِ هذه التحوّلات باعتبارِها استجابةً اضطراريّةً لأزمةِ التمويل، ووسيلةً للحفاظِ على استمراريّةِ الخدمات في ظلّ تراجعِ التزاماتِ الدولِ المانحة. غير أنّ الفارقَ بين إنقاذٍ تقنيٍّ مؤقّت وإعادةِ تموضعٍ سياسيٍّ طويلِ الأمد يظلّ سؤالًا مفتوحًا، خصوصًا في ظلّ غيابِ ضماناتٍ واضحة بأنّ هذه التغييرات لن تُمهِّدَ لإنهاءِ التفويضِ الدوليّ للوكالة مستقبلًا. ليس انهيارًا مفاجئًا تتقاطعُ هذه التحوّلات مع نماذجَ جديدةٍ لإدارةِ العملِ الإنسانيّ في غزّة، حيث تُقرأُ المبادراتُ الإماراتيّة في مجالي التعليم والصحّة، بما في ذلك المستشفياتُ الميدانيّة والبرامجُ التعليميّة البديلة، بوصفِها تجربةً عمليّةً لما قد يكون عليه «اليوم التالي» بعد تراجعِ دورِ الأونروا. ورغم الطابعِ الإنسانيّ لهذه المبادرات، فإنّها تُفهَمُ سياسيًّا على أنّها تدريبٌ على إدارةِ الخدمات خارجَ إطارِ الأممِ المتّحدة، وإعدادُ بدائلَ مؤسّسيّةٍ يمكن أن تحلَّ محلَّ الوكالة في حال جرى تقليصُ دورِها رسميًّا. بهذا المعنى، فإنّ ما يحدث ليس انهيارًا مفاجئًا للأونروا، بل تفكيكًا ناعمًا لمركزيّتِها، واستبدالَها بشبكةٍ متعدّدةِ الأطراف تُخرجُها من موقعِ المنفّذِ الرئيسيّ إلى موقعِ المراقب أو المُنسّقِ الهامشيّ، وهو ما يتقاطعُ بشكلٍ لافتٍ مع التصوّرات التي نظّر لها إيان مارتن حول «المرونةِ المؤسّسيّة» في البيئاتِ المأزومة. في النهاية، لن يُحسَمَ مستقبلُ هذا المسار في مكاتبِ الخبراء أو غرفِ المانحين، بل في موقفِ الشارعِ الفلسطينيّ نفسه. فإذا جرى فهمُ هذه التحوّلات على أنّها جزءٌ من مشروعٍ أوسع لتصفيةِ القضيّة تحت غطاءٍ إنسانيّ، فإنّ أيَّ تحسّنٍ في كفاءةِ الخدمات لن يكون كافيًا لكسبِ الشرعيّةِ الشعبيّة. أمّا إذا طُرحت البدائلُ ضمن إطارٍ يحفظُ الحقوقَ السياسيّة والرمزيّة للاجئين، فقد يُفتحُ بابٌ لنقاشٍ مختلف. لكنّ المؤشّراتِ الحاليّة توحي بأنّ المعركةَ ليست إداريّةً بقدرِ ما هي سياسيّةٌ ورمزيّة، وأنّ السؤالَ الحقيقيّ لم يَعُد كيف ستُدارُ الخدمات، بل ما إذا كانت القضيّةُ الفلسطينيّة ستظلُّ قضيّةَ حقوقٍ دوليّة، أم ستُعادُ صياغتُها كملفٍّ إنسانيٍّ منزوعِ البُعدِ السياسيّ.
ليس الإعلانُ العالميُّ لحقوق الإنسان نصًّا كونيًّا كما يُقدَّم في الكتب المدرسية والخطابات الأممية. هو، في أفضل حالاته، وثيقةٌ أخلاقيةٌ انتقائية، وفي أسوأها أداةٌ خطابية تُستخدم لتجميل نظامٍ دوليٍّ يميّز بين البشر بوقاحةٍ قانونية. الفلسطيني هو الدليلُ الأكثر فجاجةً على هذا التمييز، لأنه الحالة التي لا تنطبق عليها القاعدة، ولا تُمنَح شرفَ الاستثناء النبيل، بل تُترك في المنطقة الرمادية حيث تُعلَّق الحقوق بلا مساءلة. هنا تسقط كلُّ ادّعاءات الحياد. ما يجري ليس تقاسمًا عادلًا للأعباء، بل إعادةُ إنتاجٍ للمنطق نفسه الذي يحكم القضية الفلسطينية منذ عقود: الفلسطيني يدفع، وغيره يُعفى. منذ ولادته، لم يكن الفلسطيني متساويًا في الكرامة أو الحقوق. وُلد لاجئًا أو واقعًا تحت احتلال، وتحوّل بمرور الوقت إلى «حالةٍ إنسانيةٍ مزمنة»، وهي التسمية المهذّبة لحرمانٍ دائم من الحماية القانونية والسياسية. الإعلانُ الذي يُفترض أنه عالميٌّ لم يمنحه حقَّ العودة، ولا الحمايةَ من الاحتلال، ولا حتى المساواة داخل المؤسسات التي أُنشئت خصيصًا من أجله. الجنسيةُ كمعيارٍ في النظام الدوليّ المعاصر، لا تُقاس إنسانيةُ الفرد بكونه إنسانًا، بل بجواز سفره. الفلسطيني، الذي لا يحمل دولةً ذات سيادة، يدفع ثمن هذا الفراغ السياسي يوميًّا، ليس فقط على الحواجز الإسرائيلية، بل داخل مكاتب الأمم المتحدة نفسها. هنا يتحوّل غيابُ الجنسية إلى نقصٍ في القيمة، وإلى مبرّرٍ غير مُعلَن للتمييز. هذا التمييز لا يُمارَس على الهامش، بل في قلب البنية الأممية. المؤسساتُ التي ترفع شعار الحياد والإنسانية تعمل وفق هرميةٍ واضحة: الدولي في القمّة، المحلي في القاع، والفلسطيني في أدنى الدرجات، لأنه يجمع بين المحليّ واللاجئ في آنٍ واحد. الأونروا: العقابُ باسم الإدارة قرارُ المفوّض العام لوكالة الأونروا خصمَ 20 في المئة من رواتب الموظفين المحليين الفلسطينيين، مع استثناء الموظفين الدوليين أصحاب الرواتب الأعلى والامتيازات الأوسع، ليس إجراءً ماليًّا اضطراريًّا، بل فعلٌ سياسيٌّ بامتياز. هو إعلانٌ غير مكتوب بأن الفلسطيني هو الحلقة الأضعف، وبالتالي هو من يجب أن يدفع ثمن فشل النظام الدولي في تأمين تمويلٍ مستدام لوكالة أنشأها المجتمع الدولي نفسه. لا يمكن تبرير هذا القرار بالحديث عن «أزمةٍ مالية» دون الاعتراف بأنه يكرّس تمييزًا على أساس الجنسية. الموظفُ الفلسطيني، الذي يعيش أصلًا تحت ضغطٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ خانق، يُطلب منه أن يتحمّل العجز، بينما يُحمى الموظف الدولي من أي مساس، لا لسببٍ سوى أنه يحمل جنسيةً أقوى، ويمثّل مركزَ النظام لا هامشه. من الحماية إلى الضبط الاجتماعي بهذا القرار، تنتقل الأونروا من كونها وكالةَ حمايةٍ مؤقتة إلى أداةِ ضبطٍ اجتماعيٍّ واقتصاديٍّ لمجتمعٍ لاجئ. تخفيضُ الرواتب ليس تفصيلًا إداريًّا، بل رسالةٌ سياسيةٌ واضحة: الاستقرار يُشترى بالحدّ الأدنى، والكرامة قابلةٌ للتأجيل، والحقوق مرتبطةٌ بالقدرة على التحمّل. الفلسطيني هنا لا يُعامَل كموظفٍ متساوٍ، بل كلاجئ يجب أن «يتفهّم الظروف»، وهي العبارة التي تُستخدم عالميًّا لتبرير الظلم عندما يكون الضحية بلا نفوذ. الإعلانُ العالمي بلا أنياب تكمن مشكلةُ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في أنه نصٌّ بلا أدوات إلزام، وبلا استعدادٍ سياسيٍّ لتطبيقه عندما يصطدم بمصالح الدول الكبرى. لذلك يفشل الإعلان كلَّ مرة يُختبَر فيها في فلسطين، لأن تطبيقه هناك يتطلّب مواجهةَ الاحتلال، ومساءلةَ التمييز، وكسرَ هرمية النظام الدولي نفسه. الفلسطيني لا يحتاج إلى مزيدٍ من البيانات الأممية، بل إلى تفسيرٍ بسيط: لماذا لا تُطبَّق القواعد ذاتها على الجميع؟ ولماذا يصبح التمييز مقبولًا عندما يكون الضحية فلسطينيًّا؟ أزمةُ نظام… لا أزمةُ رواتب ما يحدث اليوم داخل الأونروا ليس أزمةً ماليةً عابرة، بل عرضٌ لمرضٍ أعمق: نظامٌ دوليٌّ يرى الفلسطيني عبئًا دائمًا، لا إنسانًا متساويًا. الإعلانُ العالمي لحقوق الإنسان، في صيغته الحالية، ليس مظلّةَ حمايةٍ للفلسطيني، بل واجهةٌ أخلاقيةٌ لنظامٍ يعرف جيدًا من يستحق الحقوق، ومن يمكن التضحية به. طالما بقيت الإنسانيةُ مشروطةً بالجنسية، وطالما استُخدم الفلسطيني صمامَ أمانٍ لأزمات الآخرين، سيبقى الإعلان العالمي نصًّا جميلًا… لا يصل إلى المخيّم، ولا يحمي من التمييز، ولا يمنع الظلم عندما يكون مُنظَّمًا. https://al-post.com/wp-content/uploads/2026/01/الفلسطيني-خارج-الانسانية.mp4