ليست المفارقة أن تنطلق قافلة برّية إلى فلسطين من البوسنة والهرسك، بل أن تصبح البوسنة، بكلّ بُعدها الجغرافي، أقرب إلى غزة من جوارها العربي. فحين يقرّر أكثر من خمسمئة ناشط أن يقطعوا آلاف الكيلومترات، عابرين البلقان وتركيا والعراق والأردن، حاملين ما تيسّر من مساعدات وسيارات إسعاف ورسالة سياسية ضد الاحتلال، فإن الحدث لا يكشف قوة المبادرة بقدر ما يفضح حجم الفراغ الذي تركه أصحاب القضية المفترضون. اختيار سربرنيتسا نقطةَ انطلاق ليس مجرد تفصيل لوجستي، بل رسالة سياسية بليغة. فالمدينة التي أصبحت شاهدًا على واحدة من أبشع جرائم الإبادة في أوروبا، تريد أن تقول إن الإبادة لا تنتمي إلى الماضي، بل تتكرّر اليوم على شاشات العالم في غزة. لكن الرسالة الأكثر إيلامًا ليست تلك التي يوجّهها البوسنيون إلى العالم، وإنما تلك التي يوجّهونها، من حيث لا يقصدون، إلى النظام العربي. لقد اعتاد الخطاب العربي، كلما تحرّك متضامن أجنبي، أن يردّد شعارات من قبيل: «جاء السند والعجم والأفرنجة لنصرة فلسطين»، وكأن التضامن الإنساني يحتاج إلى إذن من القومية أو الدين، أو كأن نجدة شعب يتعرّض للحصار والإبادة تصبح أقل قيمة إذا جاءت من خارج العالم العربي. skip render: ucaddon_material_block_quote لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا جاء «الأفرنجة»؟ بل: لماذا غاب العرب؟ أين الدول التي تشترك مع فلسطين في الحدود والجغرافيا والمصالح والتاريخ؟ أين الحكومات التي تمتلك المعابر والموانئ والمجال الجوي والأدوات السياسية والاقتصادية؟ ولماذا أصبحت مسؤولية كسر الحصار تقع على عاتق ناشط أوروبي، أو طبيب بوسني، أو متضامن لاتيني، بينما يكتفي أصحاب الحدود بإدارة الأزمة من خلف المكاتب والبيانات؟ إن أكبر إهانة للقضية الفلسطينية ليست أن يتقدّم الغرباء إلى الصفوف الأولى، بل أن يضطروا إلى ذلك أصلًا. فلو قامت الدول العربية المجاورة بواجبها السياسي والإنساني، لما احتاج العالم إلى تنظيم قوافل عابرة للقارات. ولو استُخدمت أوراق الضغط العربية كما ينبغي، لما تحوّلت المساعدات إلى مغامرات دولية، ولا أصبح الوصول إلى غزة رحلة تستغرق آلاف الكيلومترات. إن مَن يملك الحدود أولى بكسر الحصار ممن يقطع آلاف الأميال للوصول إليها. المشهد اليوم يكشف انقلابًا كاملًا في موازين المسؤولية. فشعوب أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا تتحرّك، وتنظّم السفن والقوافل، وتجمع التبرعات، وتضغط على حكوماتها، بينما لا تزال دول عربية عديدة تتعامل مع الكارثة وكأنها ملف دبلوماسي مزعج ينبغي احتواؤه، لا جريمة تستوجب موقفًا استثنائيًا. وليس المقصود هنا التقليل من قيمة المبادرة القادمة من البوسنة، بل على العكس تمامًا؛ فهي تستحق الاحترام لأنها تعبّر عن ضمير إنساني حي. لكنها، في الوقت نفسه، تشكّل لائحة اتهام مكتملة الأركان بحق نظام عربي جعل التضامن مع فلسطين مسؤولية الآخرين، بينما احتكر لنفسه حق إصدار البيانات وإلقاء الخطب. لقد تحوّلت الجغرافيا العربية من مصدر قوة إلى قيد، ومن ورقة ضغط إلى ذريعة للعجز. وهذا هو جوهر الأزمة. فغزة لا تحتاج إلى المزيد من الخطب، ولا إلى قمم طارئة تنتهي ببيانات منمّقة، بل تحتاج إلى قرار سياسي يمتلك شجاعة كسر الحصار، ويفرض معادلة جديدة على الأرض. سيذكر التاريخ أن قوافل جاءت من البوسنة وإيرلندا وإسبانيا وجنوب أفريقيا، لكنه سيسجّل أيضًا أن أقرب الجيران ظلّوا عاجزين عن القيام بما هو أقل كلفة وأكثر تأثيرًا. وعندما يكتب المؤرخون قصة هذه المرحلة، فلن تكون المفارقة أن الغرباء حاولوا الوصول إلى غزة، بل أن أصحاب الدار وقفوا يتفرّجون على الطريق.
ليس من قبيل الصدفة أن يبقى حنظلة، بعد أربعة عقود على اغتيال ناجي العلي، أكثر حضورًا من كثير من الزعماء والخطباء والشعارات. فالشخصيات السياسية تولد وتموت مع لحظتها، أما الرموز الحقيقية فتزداد قوة كلما ازدادت الوقائع التي صنعتها قسوةً. في ذكرى اغتيال ناجي العلي، لا يستحضر الفلسطينيون رسامًا استثنائيًّا فحسب، بل يستعيدون طفلًا حافي القدمين، مكتوف اليدين، يدير ظهره للعالم. طفلًا لم يكبر يومًا، لأن فلسطين لم تتحرر يومًا. اختار ناجي العلي اسم «حنظلة» نسبةً إلى نبات الحنظل؛ مُرّ المذاق، لكنه لا يموت في الصحراء. وكأن الرسام أراد أن يقول إن الفلسطيني قد يُقتلع من أرضه، لكنه لا يُقتلع من ذاكرته، وإن الاحتلال يستطيع أن يصادر البيوت، لكنه يعجز عن اقتلاع الجذور. أما عمر حنظلة، فقد ثبّته ناجي عند العاشرة، وهو العمر الذي كان عليه عندما هُجّر من قريته الشجرة في الجليل عام 1948. ومنذ تلك اللحظة، توقف الزمن. قال ناجي إن حنظلة لن يكبر حتى يعود إلى فلسطين. لم تكن عبارةً شاعرية، بل كانت تعريفًا دقيقًا لمعنى اللجوء؛ فالمنفى لا يُقاس بالسنوات، بل بالوطن المفقود. لكن السؤال الذي بقي يرافق العالم لعقود لم يكن: لماذا لم يكبر حنظلة؟ بل لماذا يدير ظهره؟ skip render: ucaddon_material_block_quote أجاب ناجي العلي بنفسه. يدير حنظلة ظهره لأنه يرفض التصالح مع عالم يقبل الظلم، ويتعايش مع الاحتلال، ويحوّل العدالة إلى سلعة تخضع لموازين القوة. إنه احتجاج دائم، لا على الاحتلال وحده، بل على ازدواجية المعايير التي جعلت القانون الدولي نصًّا يُستدعى حين يخدم الأقوياء، ويُهمَل حين يتعلق الأمر بالشعوب الضعيفة. ولذلك، لم يعد حنظلة ملكًا للفلسطينيين وحدهم. لقد أصبح رمزًا لكل مَن شعر أن العدالة مؤجلة، وأن الضحية مطالبة دائمًا بإثبات براءتها، فيما يواصل الجلاد تبرير أفعاله بلغة الأمن والسياسة والمصالح. اليوم، تبدو رمزية حنظلة أكثر راهنيةً من أي وقت مضى. فالمشهد الدولي يعيش أزمة أخلاقية غير مسبوقة. تُرفع شعارات حقوق الإنسان في المؤتمرات، بينما تُختبر هذه الشعارات على الأرض بمعايير مختلفة. يُدان احتلال هنا، ويُبرَّر هناك. تُفرض العقوبات على دول، بينما تُمنح دول أخرى حصانة سياسية مهما بلغت الانتهاكات. وفي خضم هذا المشهد، يقف حنظلة صامتًا، كأنه يقول إن المشكلة لم تكن يومًا في نقص القوانين، بل في غياب الإرادة لتطبيقها بعدالة. ولعل هذا ما يفسر عودة حنظلة بقوة إلى شوارع العالم خلال السنوات الأخيرة. فقد ظهر على جدران الجامعات، وفي ساحات الاعتصام، وبين آلاف المتظاهرين من لندن إلى نيويورك، ومن جوهانسبرغ إلى سانتياغو. لم يعد مجرد رسم فلسطيني، بل صار اختصارًا بصريًّا لفكرة واحدة: أن العدالة لا تتجزأ، وأن الإنسان يفقد إنسانيته عندما يقبل الظلم لأنه لا يمسّه مباشرة. كان ناجي العلي يدرك أن الكاريكاتير ليس رسمًا ساخرًا، بل وثيقة سياسية. لذلك كان اغتياله محاولة لإسكات قلم سبق زمنه. غير أن الرصاص الذي أصاب الرسام لم يُصب الشخصية التي ابتكرها. مات ناجي، لكن حنظلة بقي شاهدًا لا يمكن اغتياله، لأن الأفكار لا تُقتل بالرصاص، ولأن الرموز التي تولد من معاناة الشعوب تصبح جزءًا من ذاكرتها الجمعية. واليوم، وبعد كل ما شهدته فلسطين من حروب وحصار ودمار وتهجير، يبدو أن الطفل الذي أدار ظهره للعالم لم يكن غاضبًا من العالم بقدر ما كان خائبًا منه. كان يرى مبكرًا أن العدالة ليست ما يُكتب في المواثيق، بل ما يُمارَس على الأرض. وكان يعرف أن الصمت أمام الظلم ليس حيادًا، بل شكل آخر من أشكال المشاركة فيه. ربما لو عاد ناجي العلي اليوم، لما غيّر شيئًا في ملامح حنظلة. سيُبقيه حافي القدمين، كما هو. وسيُبقيه في العاشرة من عمره. وسيُبقيه يدير ظهره. لأن العالم، رغم كل ما يدّعيه من تقدم، لم يمنح ذلك الطفل سببًا واحدًا كي يلتفت. skip render: ucaddon_box_testimonial
في زمن الحروب الحديثة، لم تعد المعارك تُحسم في الميدان وحده، بل في الجملة أيضًا. فالكلمة التي تُقتطع من سياقها قد تصبح أكثر فتكًا من رصاصة، لأنها لا تقتل صاحبها جسديًّا، بل تعيد تشكيل صورته أمام جمهوره، وتزرع رواية جديدة قد تعيش أطول من الحقيقة نفسها. هذه ليست ظاهرة فلسطينية خالصة، لكنها في الحالة الفلسطينية تكتسب حساسية مضاعفة، لأن الشعب الذي يخوض معركة يومية لإثبات روايته أمام العالم، يجد نفسه، في الوقت ذاته، أسير معارك داخلية على الرواية ذاتها. أحدث الأمثلة برز مع الكلمة التي ألقاها الأمين العام لـ«المبادرة الوطنية الفلسطينية» مصطفى البرغوثي باللغة الإنجليزية أمام المؤتمر الدولي لمناهضة الحرب في لندن، مطلع يوليو (تموز) 2026. فقد قال الرجل بوضوح إن إسرائيل «قتلت بوحشية وإجرام ما لا يقل عن 22 ألف طفل فلسطيني»، قبل أن يضيف أن إنقاذ نحو 82 ألف مولود جديد ما زالوا على قيد الحياة «ليس مجرد عمل إنساني، بل هو مقاومة»، في سياق حديثه عن مواجهة سياسة الإبادة والتهجير. لكن ما انتشر لاحقًا على المنصات لم يكن هذا النص، بل صيغة أخرى تقول: «قتلوا 22 ألف طفل، لكن غزة أنتجت 82 ألف طفل خلال سنتين ونصف، وهذه معجزة”. قد تبدو الفروق اللغوية طفيفة للقارئ العادي، لكنها، سياسيًّا، تصنع روايتين مختلفتين تمامًا. skip render: ucaddon_material_block_quote في النص الأصلي، إسرائيل هي الفاعل الواضح في جريمة قتل الأطفال، بينما يتحول الحفاظ على حياة المواليد إلى فعل مقاومة في مواجهة مشروع التهجير والإبادة. أما في النص المتداول، فقد اختفى اسم إسرائيل من المشهد، واستُبدلت مفردة «إنقاذ» بكلمة «إنتاج»، وتحولت «المقاومة» إلى «معجزة». وهكذا انتقلت الجملة من خطاب سياسي وإنساني إلى خطاب يمكن مهاجمته أخلاقيًّا بسهولة. المثير أن الحملة لم تبقَ داخل فضاء وسائل التواصل الاجتماعي. فبحسب ما وثّقته منصات فلسطينية عدة، بدأ تداول المقطع المجتزأ عبر حسابات معروفة بخصومتها السياسية مع تيار المقاومة، قبل أن ينتقل، خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، إلى مؤسسات إعلامية أكثر تأثيرًا. نشرت منصة «رصيف22» مقالًا للرأي بنى نقده بالكامل على الصيغة المتداولة، ثم لحقتها صحيفة «الحياة الجديدة»، الصحيفة الرسمية للسلطة الفلسطينية، بافتتاحية تبنّت الرواية نفسها، مستندةً إلى العبارة المجتزأة لا إلى التسجيل الكامل للكلمة، بل ووصفت المناسبة بأنها «مقابلة مرئية»، رغم أنها كانت كلمة في مؤتمر دولي بلندن. وهنا لا تعود القضية مرتبطة بمصطفى البرغوثي بقدر ما تصبح مرتبطة بطريقة إنتاج الخبر نفسه. فالصحافة الاحترافية تقوم على العودة إلى المصدر الأصلي قبل إصدار الأحكام، بينما يؤدي الاعتماد على الاقتباسات المتداولة إلى إعادة تدوير رواية ربما تكون قد تعرّضت للتغيير منذ لحظة خروجها الأولى. الأخطر من ذلك أن هذه الواقعة تكشف تحوّلًا في طبيعة الصراع الفلسطيني الداخلي. ففي الماضي، كانت المواجهات تدور حول البرامج السياسية أو الخيارات الوطنية، أما اليوم فأصبحت تدور حول صناعة الصورة الذهنية للخصم، عبر أدوات الإعلام الرقمي، والاجتزاء، وإعادة الصياغة، والتأطير اللغوي. إن حذف كلمة واحدة قد يغيّر المسؤول عن الجريمة، واستبدال مفردة واحدة قد يحوّل خطابًا عن الصمود إلى خطاب يبدو وكأنه يحتفي بالخسارة. وهنا يصبح الصراع على اللغة جزءًا من الصراع على الشرعية السياسية. ولا يعني ذلك، بالضرورة، وجود غرفة عمليات واحدة تدير جميع الأصوات التي شاركت في الحملة، فمثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة مباشرة. لكن ما يمكن رصده هو وجود نمط متكرر: تبدأ الرواية من فضاء رقمي، ثم يُعاد إنتاجها في منصات إعلامية، قبل أن تكتسب شرعية إضافية عندما تتبنّاها مؤسسات رسمية أو شخصيات سياسية. هذه الآلية ليست جديدة في السياسة، لكنها أصبحت أكثر تأثيرًا في عصر المنصات الرقمية، حيث تتراجع أولوية التحقق أمام سرعة التداول، ويصبح الانطباع الأول أقوى من التصحيح اللاحق. ولعل المفارقة أن الفلسطينيين الذين يخوضون واحدة من أعقد معارك السردية مع إسرائيل أمام الإعلام العالمي، يجدون أنفسهم في الداخل يستخدمون الأدوات نفسها ضد بعضهم بعضًا. فالاجتزاء، وإخراج الكلام من سياقه، وبناء أحكام سياسية على نصوص محرّفة، لا يضر بشخص بعينه فقط، بل يضعف صدقية الخطاب الفلسطيني كله. ليست القضية ما إذا كان المرء يتفق أو يختلف مع مصطفى البرغوثي. فالاختلاف السياسي حق مشروع، بل ضرورة في أي حياة عامة سليمة. أما تحويل النصوص، بعد تحريفها، إلى مادة للإدانة، فهو انتقال من الجدل السياسي إلى صناعة روايات موازية، حيث تصبح الحقيقة مجرد تفصيل صغير في معركة أكبر، عنوانها السيطرة على الوعي قبل السيطرة على الموقف. skip render: ucaddon_box_testimonial