skip render: ucaddon_box_testimonial هناك، لا يسألهم أحد إن كانوا مسلمين قبل أن يمنحهم صوته، ولا إن كانت أسماؤهم عربية قبل أن يعترف بحقهم في المنافسة السياسية. أما في لبنان، بلد العروبة المعلّقة على جدران الخطب، فقد تتحوّل هوية الإنسان إلى عائق أمام امتلاك منزل، ويصبح حلم السكن امتحانًا في الوطنية والطائفة والجغرافيا! إنها كوميديا سوداء تستحق أن تُدرَّس في كليات السياسة. في أميركا، العربي المسلم مرشّح محتمل لصناعة القرار، وفي لبنان، قد لا يُسمح للفلسطيني مثلًا بأن يشتري شقة تؤويه، حتى لو قضى عمره يعمل ويدفع إيجارًا ويساهم في اقتصاد بلد لا يريد الاعتراف بأنه جزء من نسيجه الاجتماعي. المواطنة بالصندوق فوز مرشحين عرب ومسلمين في الانتخابات الأميركية يعكس قدرة أبناء المهاجرين على الوصول إلى مواقع القرار، رغم ما يواجهونه من حملات عنصرية وإسلاموفوبيا. لا يعني ذلك أن أميركا تخلّصت من التمييز، لكنه يكشف أن الانتماء الديني أو الأصول العربية لا يشكّلان، بحدّ ذاتهما، حاجزًا قانونيًا أمام المنافسة السياسية. أما في لبنان، فثمة عبقرية سياسية مختلفة: تستطيع أن تعمل وتدفع الضرائب والرسوم وتستأجر منزلًا لعشرات السنين، لكن امتلاك جدران تؤوي عائلتك قد يتحوّل إلى خط أحمر إذا كنت فلسطينيًا أو سوريًا… غرباء في مدينتهم لكن الصورة تصبح أكثر إيلامًا حين ننتقل إلى صيدا، المدينة التي احتضنت اللاجئين الفلسطينيين، وارتبط تاريخها بالقضية الفلسطينية وبحضور مخيم عين الحلوة، أكبر مخيمات اللاجئين في لبنان. هنا تتخذ الحكاية وجهًا أكثر قسوة. فالفلسطيني الذي وُلد في صيدا، وكبر في أحيائها، وعمل في أسواقها، ودفن أجداده في ترابها، لا يستطيع تملّك منزل فيها بسبب القيود القانونية التي طاولت الفلسطينيين بعد تعديل قانون التملّك عام 2001. في المقابل، يستطيع اللبناني، أيًا كانت طائفته أو منطقته، أن يشتري عقارًا في صيدا وفق القوانين المرعية. هنا يبرز سؤال سياسي واجتماعي لا يجوز الهروب منه: كيف يُنظر إلى انتقال الملكية بين اللبنانيين باعتباره حقًا طبيعيًا، بينما يُعامل الفلسطيني المولود في المدينة والمقيم فيها منذ أجيال باعتباره خطرًا ديموغرافيًا؟ ليس الاعتراض على حقّ الشيعي القادم من خارج صيدا مثلًا في شراء عقار فيها، فهذا حقّ للمواطن اللبناني، ولا يجوز تحويله إلى اتهام لطائفة بأكملها. الاعتراض على نظام يمنح هذا الحقّ للمواطن اللبناني، ثم يحرم الفلسطيني الذي عاش في المدينة وارتبط بها من حقّ مماثل، لمجرّد أنه فلسطيني. الفزاعة التي تأكل الحقوق كلما طُرحت قضية التملّك، خرجت فزّاعة التوطين من أدراج السياسة اللبنانية. وكأن امتلاك شقة صغيرة سيغيّر خرائط المنطقة، أو أن تسجيل عقار باسم لاجئ فلسطيني سيهدّد الكيان اللبناني، بينما لا تهدّده الديون والانهيارات والفساد والمحاصصة وهجرة شبابه وتفكّك مؤسساته! رفض التوطين حقّ سياسي لا خلاف على مشروعيته، لكن تحويله إلى ذريعة لحرمان الإنسان من حقوقه المدنية والاقتصادية ليس دفاعًا عن فلسطين، ولا حماية للبنان. بل هو تحميل للاجئ فاتورة إخفاقات لم يرتكبها، وإبقاؤه رهينة صراع لا يملك مفاتيحه. أميركا تنتخب ولبنان يحاكم المشهد يستحق جائزة في السخرية السياسية: أميركا تفتح أبواب مؤسساتها أمام أبناء المهاجرين، فيما بلد عربي يرفع شعار القضية الفلسطينية منذ عقود ما زال عاجزًا عن حسم سؤال بسيط: هل يحقّ للاجئ الفلسطيني أن يمتلك سقفًا فوق رأسه؟ وقد شهدت انتخابات 4 نوفمبر 2026 وصول عبدول السيد إلى مجلس الشيوخ عن ميشيغان، وآدم حماوي إلى الكونغرس عن نيوجيرسي. لا نطالب لبنان بمنح الفلسطيني الجنسية، ولا بمصادرة حقّه في العودة، ولا بإلغاء خصوصيته الوطنية. نطالب فقط بألّا تتحوّل حماية الهوية إلى أداة لإهانة الإنسان، وألّا يصبح الدفاع عن فلسطين مرادفًا لإبقاء الفلسطيني محرومًا من كرامة البيت. إنها ليست أزمة قوانين عقارية فحسب، بل أزمة ضمير سياسي. وطن يخاف من شقة يشتريها لاجئ، ولا يخاف من وطنية تُباع في المزادات، وسيادة تُستباح، وكرامة تُداس، لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات عن العروبة. يحتاج إلى إعادة تعريف معنى الوطن. فالنذالة ليست في أن تكون فقيرًا أو لاجئًا أو غريبًا، النذالة أن تتغنّى بكرامة فلسطين، ثم تحرم الفلسطيني من كرامة البيت. يا له من وطن… وطن النذالة!