صاحب «نهاية التاريخ» يراجع أفكاره بعد 37 عاماً، لكن مراجعة فرانسيس فوكوياما تكشف شيئاً أعمق من خطأ مفكّر؛ إنها تكشف أزمة الغرب نفسه، حيث تتآكل الثقة بالديمقراطية الليبرالية، وتصعد الشعبوية، وتتراجع هيبة المؤسسات، ويبحث الإنسان الغربي من جديد عن معنى يتجاوز الاستهلاك والرفاه. في عام 1989، بدا العالم وكأنه يمنح فوكوياما الدليل الذي يحتاجه. جدار برلين يتهاوى، والاتحاد السوفييتي يترنّح، والليبرالية الغربية تبدو وكأنها خرجت منتصرة من القرن الأكثر دموية في التاريخ الحديث. لذلك، تحوّلت عبارة «نهاية التاريخ» إلى واحدة من أشهر الأطروحات السياسية في العصر الحديث، وإن كانت قد اختُزلت لاحقاً إلى معنى لم يقصده صاحبها. لم يقل فوكوياما إن الحروب ستنتهي أو إن العالم سيصبح ديمقراطياً بين ليلة وضحاها، وإنما رأى أن الديمقراطية الليبرالية لم تعد تواجه منافساً أيديولوجياً قادراً على تقديم نموذج أكثر إقناعاً للإنسان. لكن المفارقة التي يواجهها اليوم أن الأزمة لم تأتِ فقط من خارج الغرب، بل بدأت من داخله. فالذي يتعرّض للاختبار الآن ليس انتصار الغرب على خصومه، وإنما قدرة الغرب على الاستمرار في الإيمان بالنظام الذي أعلن انتصاره. الشك في النموذج بعد نهاية الحرب الباردة، بدا أن الغرب دخل مرحلة تاريخية جديدة تقوم على اقتصاد السوق، والديمقراطية التمثيلية، والعولمة، والتوسع التجاري، وتراجع الحدود أمام رأس المال والتكنولوجيا. غير أن العقود التالية كشفت وجهاً آخر للصورة: حروب مكلفة، وأزمات مالية، وتفاوت اقتصادي، وتراجع في الثقة بالمؤسسات، واستقطاب اجتماعي حاد، وهجرة تحوّلت في بعض المجتمعات إلى قضية وجودية، ثم انفجار وسائل التواصل الاجتماعي التي حوّلت المجال العام إلى ساحة دائمة للغضب والتعبئة. من هنا، يصبح دونالد ترامب أكثر من مجرد ظاهرة أميركية. إنه أحد أعراض الأزمة الغربية، لأنه تمكّن من تحويل شعور قطاعات واسعة من المجتمع بأن النخب السياسية والثقافية والاقتصادية لم تعد تمثلها إلى مشروع سياسي قائم على استعادة الاعتبار والهوية والقوة الوطنية. وهنا تحديداً، يعود فوكوياما إلى مفهوم «الثيموس»، أي حاجة الإنسان إلى الاعتراف بكرامته ومكانته. فالإنسان الذي يحصل على السلع والخدمات، لكنه يشعر بأنه محتقر أو منسي، يمكن أن يتحوّل إلى قوة سياسية غاضبة، حتى لو لم يكن يعاني بالضرورة من الفقر أو الحرمان. skip render: ucaddon_material_block_quote أزمة المعنى قبل أزمة الاقتصاد ربما تكمن أكثر أفكار فوكوياما إثارة في أنه أدرك مبكراً أن استقرار الديمقراطيات الليبرالية قد يُنتج مشكلة من نوع آخر. فعندما تختفي القضايا الكبرى، ويتحوّل الصراع السياسي إلى إدارة للاقتصاد وتحسين للخدمات وحسابات تقنية، قد يشعر الإنسان بأن شيئاً أساسياً انتُزع من حياته. وهذا ما يبدو اليوم في الغرب بصورة واضحة. فالمشكلة ليست فقط في التضخم أو أسعار السكن أو الهجرة أو البطالة، وإنما في شعور قطاعات متزايدة بأن المجتمعات التي تعيش فيها فقدت اتجاهاً واضحاً، وأن النخب تتحدث بلغة المؤسسات والأرقام، فيما يبحث المواطن عن إجابة أبسط: من نحن؟ وإلى أين نذهب؟ ومن يحترمنا؟ ولهذا، لا ينبغي النظر إلى صعود الشعبوية باعتباره مجرد تمرد على النخب، بل باعتباره أيضاً تمرداً على فراغ المعنى الذي أنتجته مرحلة ما بعد الحرب الباردة. الغرب الذي خاف من الديمقراطية المفارقة الأكثر قسوة أن النموذج الذي أراد فوكوياما أن يراه نهاية للصراع أصبح اليوم يعاني أزمة ثقة داخلية. فالديمقراطية لم تعد مهددة فقط بانقلاب عسكري أو نظام شمولي، وإنما يمكن أن تتآكل من داخل صناديق الاقتراع نفسها، عندما تفقد المؤسسات احترامها، وعندما تتحوّل السياسة إلى معركة هويات، وعندما يصبح الخصم السياسي عدواً يجب التخلص منه، لا مواطناً يجب التعايش معه. هنا، يصبح ترامب جزءاً من السؤال الأكبر: هل تستطيع الديمقراطية الليبرالية أن تدافع عن نفسها من دون أن تتحوّل إلى نظام مغلق يخشى الغضب الشعبي، أو إلى شعبوية تطيح بالضوابط التي تحمي الديمقراطية من نفسها؟ فوكوياما نفسه لم يعد يملك إجابة نهائية، وهو يعترف بذلك ضمناً عندما يقرّ بأن حرب العراق وأزمة 2008 أجبرتاه على إعادة النظر في قناعات أساسية حول القوة والأسواق والدولة. الديمقراطية لم تعد مهددة فقط من خارجها؛ يمكن أن تتآكل من داخل صناديق الاقتراع نفسها التاريخ لم ينتهِ لذلك، فإن القيمة الحقيقية لمراجعة فوكوياما ليست في الاعتراف بأنه أخطأ أو أصاب، بل في أنها تأتي من داخل المدرسة الفكرية التي اعتقدت أن الغرب وصل إلى المحطة الأخيرة في تطوره السياسي. التاريخ لم ينتهِ، لكن الأخطر بالنسبة إلى الغرب أن التاريخ عاد إليه هو نفسه؛ عاد في صورة شعبوية، واستقطاب، وحروب، وأزمات ثقة، وصراع على الهوية، وشكّ في المؤسسات، وتراجع في اليقين بأن النموذج الغربي هو بالضرورة المستقبل الذي سيتبنّاه الجميع. وهنا تصبح عبارة فوكوياما أكثر تعقيداً مما بدت عليه عام 1989. فـ«نهاية التاريخ» ربما لم تكن نهاية الصراع، بل نهاية وهم أن الغرب يستطيع أن يعتبر انتصاره حقيقة مكتملة لا تحتاج إلى مراجعة. لقد ظنّ الغرب أنه انتصر على التاريخ، ثم اكتشف أن التاريخ لا ينتقم من المهزومين فقط؛ أحياناً يعود ليختبر المنتصرين أيضاً.
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات السياسية وتتفاقم فيه الأزمات الحضارية، يعود السؤال عن مصادر الحكمة التي يمكن أن تهدي الإنسان والمجتمع إلى سبيل التوازن والاعتدال. فليست السياسة، في جوهرها العميق، مجرد إدارة للمصالح أو تنظيمٍ للقوة، بل هي قبل ذلك تعبير عن تصوّر الإنسان لنفسه وللعالم ولمعنى العيش المشترك من هنا تبرز أهمية المعرفة العرفانية والحسّ الإنساني بوصفهما رافدين أساسيين لإعادة بناء الوعي الإنساني على أسس أكثر عمقًا واتزانًا. المعنى الكلي تقوم المعرفة العرفانية على إدراكٍ يتجاوز حدود التحليل العقلي المجرّد إلى شهود المعنى الكلي ووحدة الحقيقة وراء مظاهر التعدد. فهي لا تنكر العقل، بل تمنحه أفقًا أرحب يجعله قادرًا على إدراك العلاقات الجامعة بين الأشياء بدل الوقوف عند حدود التجزئة والتفكيك. أمّا الحسّ الإنساني، في أرقى تجلّياته، فهو علم تزكية النفس وتحريرها من سلطان الأهواء، حتى تصبح أكثر قدرة على استقبال الحكمة والعدل والرحمة. إن الأزمة الكبرى التي تعاني منها السياسة المعاصرة ليست أزمة مؤسسات فحسب، بل هي أزمة رؤية. فقد أدى اختزال الإنسان في بعده الاقتصادي أو البيولوجي أو الأيديولوجي إلى نشوء أنماط من الحكم والتدبير تفتقر إلى البعد الأخلاقي والروحي. وحين يغيب المعنى، تتحول القوة إلى غاية في ذاتها، وتصبح المنافسة والصراع المعيار الوحيد للعلاقات بين الأفراد والجماعات والدول. في هذا السياق، تقدم الحكمة الإنسانية إسهامًا بالغ الأهمية؛ إذ تذكّر الإنسان بأن السلطة الحقيقية تبدأ من سلطة المرء على نفسه. فالذي لم يتحرر من نوازع الكِبر والطمع والخوف يصعب عليه أن يقيم عدلًا مستقرًا أو أن يدير شأنًا عامًا بروح المسؤولية. ولهذا ارتبط هذا المفهوم بمعاني الخدمة والتواضع والأمانة قبل ارتباطه بمظاهر النفوذ والتأثير. ترسيخ ثقافة القبول أما من الناحية السياسية، فتسهم الرؤية العرفانية في ترسيخ ثقافة الحوار والاعتراف المتبادل. فإدراك وحدة الأصل الإنساني لا يؤدي إلى إلغاء الاختلاف، بل إلى فهمه باعتباره تنوعًا مشروعًا داخل إطار أوسع من الوحدة. ومن هنا يمكن للمعرفة الروحية أن تشكل أساسًا فلسفيًا لمجتمعات أكثر قدرة على التعايش والتعاون، بعيدًا عن نزعات الإقصاء والاستقطاب التي تمزق المجتمعات المعاصرة. كما أن الحسّ الإنساني يقدم تصورًا مختلفًا للتنمية والتقدم. فالتقدم لا يُقاس فقط بمعدلات الإنتاج والاستهلاك، وإنما بقدرة الإنسان على تحقيق التوازن بين حاجاته المادية ومتطلباته الروحية والأخلاقية. وحين يغيب هذا التوازن تنشأ أشكال من الاغتراب الفردي والجماعي، مهما بلغت مستويات الرفاه الاقتصادي أو التطور التقني. skip render: ucaddon_material_block_quote تقوم المعرفة العرفانية على إدراكٍ يتجاوز حدود التحليل العقلي المجرّد إلى شهود المعنى الكلي ووحدة الحقيقة إن استحضار البعد العرفاني في المجال العام لا يعني إقامة سلطة دينية أو فرض رؤية عقدية بعينها، بل يعني إعادة الاعتبار للقيم الكونية المشتركة: العدل، والرحمة، والكرامة، والمسؤولية، والتواضع أمام الحقيقة. وهذه القيم هي الشرط الضروري لأي مشروع حضاري قادر على الاستمرار.وفي عالم يزداد تعقيدًا وتشابكًا، تبدو الحاجة إلى الحكمة أشد من الحاجة إلى المعرفة التقنية وحدها. فالمعرفة تمنح الإنسان القدرة، أمّا الحكمة فتهديه إلى كيفية استخدام هذه القدرة. وإذا كانت السياسة فنّ إدارة الممكن، فإن الحكمة العرفانية تذكّرنا دائمًا بأن الممكن لا يكتمل إلا حين يظل متصلًا بالحق والخير والجمال.من هنا، فإن العلاقة بين المعرفة العرفانية والحسّ الإنساني ليست علاقة خاصة بمجال ديني أو روحي محدود، بل هي مساهمة حضارية كبرى في بناء إنسان أكثر وعيًا بذاته، ومجتمع أكثر عدلًا، وسياسة أكثر اتزانًا، وعالم أكثر سلامًا.وإذا كان الحسّ الإنساني يعلّم أن العمران الحق يبدأ من عمران الإنسان، فإن بعض التجارب السياسية في المشرق العربي قد سعت، بدرجات متفاوتة، إلى ترجمة هذا المعنى في المجال العام. ومن بين هذه التجارب تبرز المدرسة التي ارتبطت باسم الشهيد رفيق الحريري، ليس بوصفها مشروعًا سياسيًا عابرًا، بل بوصفها رؤية للعمران الإنساني قائمة على مركزية الإنسان في عملية النهوض الوطني.لقد أدركت هذه المدرسة أن بناء الأوطان لا يتحقق بالمنشآت والطرق والمؤسسات وحدها، على أهميتها، وإنما ببناء الإنسان القادر على حمل رسالة العمران. فالجامعة، والمدرسة، وفرص المعرفة، والانفتاح على العالم، ليست مجرد أدوات للتنمية الاقتصادية، بل هي وسائل لترقية الكائن الإنساني وتمكينه من أداء دوره في الاستخلاف الحضاري. وهنا يلتقي الفعل السياسي مع إحدى أعمق حقائق الحكمة التقليدية: أن الثروة الحقيقية ليست ما تملكه الأمم، بل ما تصنعه من إنسان.ومن منظور عرفاني أرحب، يمكن النظر إلى الاعتدال الذي بشّرت به هذه المدرسة بوصفه تعبيرًا سياسيًا عن مبدأ التوازن الذي يشكل أحد قوانين الوجود الكبرى. فالحكمة ترى أن كل انحراف نحو الإفراط أو التفريط يقود إلى الاختلال، وأن العدل ليس مجرد قيمة قانونية، بل هو انسجام بين القوى المختلفة داخل الفرد والمجتمع والدولة. ومن هذا المنطلق يصبح الاعتدال أكثر من خيار سياسي؛ إنه صورة من صور الحكمة العملية التي تسعى إلى جمع المتقابلات ضمن وحدة أعلى تحفظ التنوع وتمنع التنازع.كما أن فكرة إعادة بناء المدينة واستعادة دورها الحضاري تتجاوز في معناها العميق حدود الإعمار المادي. فالمدينة، في التراث الإنساني والروحي، ليست مجرد كتلة من الحجر والإسمنت، بل هي فضاء لتجلّي القيم والمعاني والعلاقات الإنسانية. وحين يُنظر إلى العمران من هذه الزاوية، يصبح تشييد المؤسسات الثقافية والتربوية والاقتصادية فعلًا حضاريًا يهدف إلى إعادة وصل الإنسان بمستقبله وبثقته في إمكان النهوض.إن القيمة الفلسفية الأبرز في هذه الرؤية تكمن في رفضها القطيعة بين الأصالة والمعاصرة، وبين الانتماء والانفتاح. فهي تفترض أن الهوية الحقيقية لا تنغلق على ذاتها، بل تزداد رسوخًا كلما ازدادت قدرة على الحوار والتفاعل والإبداع. وهذه الفكرة تلتقي مع جوهر الرؤية العرفانية التي ترى أن الوحدة لا تنفي الكثرة، وأن الانفتاح على الآخر لا يعني الذوبان فيه، بل اكتشاف أفق أوسع للحقيقة المشتركة.ومن هنا يمكن فهم التنمية الإنسانية المستدامة باعتبارها مشروعًا أخلاقيًا وروحيًا بقدر ما هي مشروع اقتصادي أو إداري. فغاية التنمية ليست مضاعفة الأرقام والمؤشرات فحسب، بل تمكين الإنسان من تحقيق كرامته، وتوسيع آفاق حريته، وتعميق إحساسه بالمسؤولية تجاه مجتمعه ووطنه. وعندما تتأسس السياسة على هذا الفهم، فإنها ترتقي من مستوى إدارة المصالح إلى مستوى رعاية المعنى. skip render: ucaddon_box_testimonial
كمية الحشو في وسائل التواصل، في شتى المواضيع، أصبحت تبعث على الإعياء… كأنك تمشي في سوقٍ بلا أبواب؛ تُفتح عليك فيه كل الأصوات دفعة واحدة: مواعظ، نظريات، “تحليلات”، وحقائق “نهائية”. ثم تصحو لتكتشف أنك لم تتعلم شيئًا سوى فنّ الامتلاء الفارغ الحقائق النهائية وثقافة اليقين السريع مسألة “الحقائق النهائية” و”الإجابات اليقينية” هي الطامة الكبرى: كلٌّ يتحدث بلا أدنى مستوى من البحث والتحقق. يتحدثون بناءً على تجاربهم الخاصة ومعارفهم الضيقة وما اعتادوه في محيطهم الصغير، ثم يوزعون النصائح على العالم أجمع. والحقيقة أن بناء الأفكار على التجارب الشخصية وحدها قمة الانغلاق والجهل. صار الواحد يفتح فمه فتخرج منه “موسوعة”… بلا مراجع طبعًا، لأن “التجربة الشخصية” أهم من كل شيء: هي الدليل والبرهان، وهي ختم الجودة. وتتوالد النظريات كالإشعارات على هاتفك حين تضعه في جيبك: لا تدري من أين تأتي، لكنها لا تتوقف. نظريات لا تنتهي عن الغرب وجذوره الفلسفية المتمثلة في “جزيرة الشيطان”، ونظريات أخرى تدافع عن الغرب وتتهم الشرق بـ”جزر شيطانية” كثيرة. كل طرف يمسك خريطته، يرسم الشر حيث يشاء، ثم يطلب من الناس التصفيق لاكتشافه العظيم: “لقد وجدتُ الشيطان!”… وكأن الشيطان يسكن بلادًا دون أخرى. فلا كلام عن الآليات، ولا عن الفلسفات الاجتماعية والثقافية والتاريخية التي قدّمها علماء كبار، ابتداءً بابن خلدون وانتهاءً بطلال أسد مثلًا، فهؤلاء لا يعرفون شيئًا أمام “عظماء اليوم”. ثم يخرج علينا من يدافع عن الغرب ليحدثك عن أهمية الثقوب السوداء التي اكتشفها أحد كبار المريدين لتلك “الجزيرة”… وكأن الثقوب السوداء أطعمتنا وأشبعتنا وقدّمت حلولًا لمشاكل هذا العالم. نعم، العلم مهم، والثقوب السوداء مدهشة؛ لكن ما علاقة ذلك بالاستعلاء الذي يُلقى علينا كأنه فاتورة حضارة؟ هنا لا يتكلم العلم… يتكلم الكِبر. لم يهن عليه، وهو الكاره لمفهوم الدين عمومًا، أن تسجّل المنظومة الدينية نقطة في شباك العلم، أو في “الحضارة الغربية” نقطة إضافية لأنها عنده مرادفة للعلم والعلمانية. فلا يرى الأمور إلا من منظار تسجيل النقاط، تمامًا كرجل الدين الذي ينتقده: مباراة طويلة بعنوان “من منا أفضل؟” والاثنان يلعبان في الملعب نفسه وبالقواعد نفسها، وإن اختلفت الأزياء. العلم… أداة استعلاء هذا يتهم ذاك بالتخلف والرجعية وأنه العائق الأساسي في طريق التقدم، وهو في الوقت نفسه لم يتقدم خطوة واحدة، رغم انفتاحه وتفتحه واستفتاحه؛ على جميع الأوزان. وذاك يتهم الأول بالكفر وسبب البلوى، وبأنه أداة “المؤامرة الخارجية” التي تريد التدمير. النتيجة واحدة: ضجيج فوق ضجيج، وخصومة تُطعم الأنا ولا تُطعم العقل. كأن الهدف ليس أن نفهم… بل أن ننتصر. وبين هذا وذاك يبدأ السيرك الأكبر: كلام في “الإصلاح الديني” وهجوم على الدين، ودفاع عن الدين بشكل أسخف من الهجوم. كأننا لا نعرف كيف نختلف إلا بطريقة تُهيننا جميعًا: من يهاجم يبالغ حتى يفرغ المعنى، ومن يدافع يبالغ حتى يشوّه المعنى. في النهاية يخرج الدين من الحلقة متسخًا؛ لا لأنه دين، بل لأننا جعلناه مادة للعرض السريع، مثل “ستاند أب” ثقيل الدم… لا يضحك إلا صاحبه. ثم يأتي “المصلحون الجدد”، وليس في جُعَب إصلاحهم غير “تجديد الخطاب الديني”. وكلما استمعت إليهم تردد في ذهني سؤال واحد: من يتهمون في مسألة الدين؟ الناس؟ الفقراء؟ المساكين؟ أم السلطات؟ طيب ما السلطات معكم. أعظم السلطات في المنطقة تدعم مسألة التجديد، وحتى سلطات القرن العشرين كانت معكم أكثر؛ وكانت تبطش وتقتل وتقمع. أين المشكلة إذن؟ إذا أنت كتبت كتاب تحاول أن تُفهمنا فيه أنّ الإسلام يُختصر في العدل والإنصاف فقط… طيب لِمَ لا تشرح هذا لداعميك، الذين يقدرون فعلًا أن يحققوا هذا، لا لنا نحن؟ نحن آخر من يملك زر التنفيذ! ولأن الحشو لا يكتمل إلا بحشوٍ مضاد، تنتشر فيديوهات لا تحتوي على شيء مهم أو علمي، وإنما “مقاربة جذابة” لأمر لطيف ومعروف لدى الجميع. مثل الفيديو الذي يحدّثك عن توم وجيري: أن هذا البرنامج الكرتوني ربّانا على حب الذكاء والمصلحة بدلًا من الرحمة والشفقة. شو هالحكي بالله؟ يعني طفل يشاهد مطاردة كرتونية صار مشروع فلسفة أخلاقية؟ وصار علينا أن نعيد قراءة طفولتنا بمنهج “المؤامرة التربوية”؟ هذا ليس تحليلًا… هذا حشو بهدف الحشو فقط، مغلف بورقٍ لامع كي يبدو عميقًا. أنا لا أعارض المبدأ، ولا أمانع البحث والتحقق. لكن هذا الكلام نفسه غير متسق: شاهدنا أيضًا أبطالًا يدافعون عن الحق وينصرون المظلوم، وشاهدنا حلقات ملأتنا بالرحمة والشفقة وأسالت دموعنا. وفوق ذلك، كتب التراث العربية والإسلامية مليئة بقصص التسلية والنوادر التي تمدح الذكاء وتصور تفوقه على البساطة والسذاجة. فهل سندين التراث أيضًا لأن فيه “نوادر”؟ أم سننتقي ما يخدم الفكرة ونترك ما يهدمها؟ الحكاية ببساطة: نريد فكرة جاهزة، ثم نفتش لها عن أدلة… ولو من كرتون. النتيجة واحدة: ضجيجٌ فوق ضجيج، وخصومةٌ تُطعم الأنا ولا تُطعم العقل. كأنّ الهدف ليس أن نفهم… بل أن ننتصر بين الحُلّة والمعنى..أن نمتلئ ولا نمتلئ المتفيهقون… صناعة الدموع الرقمية ثم يخرج علينا أحد المتفيقهين، وما أكثرهم، يبيع برَّه لوالديه كذبًا بعَرَضٍ من السوشيال ميديا؛ يلعن السوشيال ميديا التي هي سبب وجوده، بل سبب ارتزاقه. يكرهها وهو يتغذّى منها، ويبصق عليها وهو يتوضأ بمائها، ويعلن أنه ضدها من داخلها، ثم يطلب منك أن تثق بـ”نقائه” لأنه يغوص في حديثه أكثر… وهو يمنع نفسه من البكاء: البكاء على “حالة البشرية” الغبية التي صدقته وجعلته من أصحاب الملايين. مشهد كامل: دمعة محبوسة، صوت متهدّج، و”لايكات” تتكاثر… ورسالة عميقة جدًا لدرجة أنها لا تقول شيئًا. وهؤلاء المتفيقهون يجيبون دائمًا عن كل سؤال، كما لو أن الجميع يجيب عن كل شيء. لا أحد يقول: لا أدري. لا أحد يعترف: هذا خارج اختصاصي. لا أحد يترك مساحة للصمت كي يتنفس المعنى. أدب الاستهلاك… المعركة الحقيقية صار الناس يعرفون كل شيء؛ يعني حتى أكثر من النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كانت تأتيه أسئلة ليس عنده لها إجابات؛ وهذا طبيعي. وربنا جل في علاه قال: “لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم” يعني بلا أسئلة بلا طعمة، وأسئلة بلا ضرورة، وأسئلة لا تزيد الإنسان إلا تيهًا. والأبشع من الحشو نفسه أن الناس تريد أن تستهلك الحشو. تريده لأنه خفيف وسريع، يملأ الوقت من غير أن يطلب منك جهدًا، يربت على كسلك ويقول لك: “أنت فهمت.” والحقيقة أنك لم تفهم… أنت فقط امتلأت. أنا لا أنتقد وسائل التواصل بذاتها، ولا ألوم الشاشة، ولا ألعن التقنية. ولست ممن يهاجم “الحتميات” ليعتاش على الهجوم؛ فمصارعة الحتميات كثيرًا ما تشبه أحلام دونكيشوت في مصارعة طواحين الهواء. لكنني أبحث عن شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه: الأدب. أدب التعامل مع الواقع، وأدب الأولويات، وأدب الفهم والفقه، وأدب البحث، وأدب الاختلاف مع الآخر- لا بالشعارات بل بالفعل. وعلى رأس هذه الآداب: أدب الاستهلاك؛ الاستهلاك جيد إذا التزم حدود الأدب. أنا أنتقد هذا الجوع الغريب الذي صار