ليس من قبيل الصدفة أن يبقى حنظلة، بعد أربعة عقود على اغتيال ناجي العلي، أكثر حضورًا من كثير من الزعماء والخطباء والشعارات. فالشخصيات السياسية تولد وتموت مع لحظتها، أما الرموز الحقيقية فتزداد قوة كلما ازدادت الوقائع التي صنعتها قسوةً. في ذكرى اغتيال ناجي العلي، لا يستحضر الفلسطينيون رسامًا استثنائيًّا فحسب، بل يستعيدون طفلًا حافي القدمين، مكتوف اليدين، يدير ظهره للعالم. طفلًا لم يكبر يومًا، لأن فلسطين لم تتحرر يومًا. اختار ناجي العلي اسم «حنظلة» نسبةً إلى نبات الحنظل؛ مُرّ المذاق، لكنه لا يموت في الصحراء. وكأن الرسام أراد أن يقول إن الفلسطيني قد يُقتلع من أرضه، لكنه لا يُقتلع من ذاكرته، وإن الاحتلال يستطيع أن يصادر البيوت، لكنه يعجز عن اقتلاع الجذور. أما عمر حنظلة، فقد ثبّته ناجي عند العاشرة، وهو العمر الذي كان عليه عندما هُجّر من قريته الشجرة في الجليل عام 1948. ومنذ تلك اللحظة، توقف الزمن. قال ناجي إن حنظلة لن يكبر حتى يعود إلى فلسطين. لم تكن عبارةً شاعرية، بل كانت تعريفًا دقيقًا لمعنى اللجوء؛ فالمنفى لا يُقاس بالسنوات، بل بالوطن المفقود. لكن السؤال الذي بقي يرافق العالم لعقود لم يكن: لماذا لم يكبر حنظلة؟ بل لماذا يدير ظهره؟ skip render: ucaddon_material_block_quote أجاب ناجي العلي بنفسه. يدير حنظلة ظهره لأنه يرفض التصالح مع عالم يقبل الظلم، ويتعايش مع الاحتلال، ويحوّل العدالة إلى سلعة تخضع لموازين القوة. إنه احتجاج دائم، لا على الاحتلال وحده، بل على ازدواجية المعايير التي جعلت القانون الدولي نصًّا يُستدعى حين يخدم الأقوياء، ويُهمَل حين يتعلق الأمر بالشعوب الضعيفة. ولذلك، لم يعد حنظلة ملكًا للفلسطينيين وحدهم. لقد أصبح رمزًا لكل مَن شعر أن العدالة مؤجلة، وأن الضحية مطالبة دائمًا بإثبات براءتها، فيما يواصل الجلاد تبرير أفعاله بلغة الأمن والسياسة والمصالح. اليوم، تبدو رمزية حنظلة أكثر راهنيةً من أي وقت مضى. فالمشهد الدولي يعيش أزمة أخلاقية غير مسبوقة. تُرفع شعارات حقوق الإنسان في المؤتمرات، بينما تُختبر هذه الشعارات على الأرض بمعايير مختلفة. يُدان احتلال هنا، ويُبرَّر هناك. تُفرض العقوبات على دول، بينما تُمنح دول أخرى حصانة سياسية مهما بلغت الانتهاكات. وفي خضم هذا المشهد، يقف حنظلة صامتًا، كأنه يقول إن المشكلة لم تكن يومًا في نقص القوانين، بل في غياب الإرادة لتطبيقها بعدالة. ولعل هذا ما يفسر عودة حنظلة بقوة إلى شوارع العالم خلال السنوات الأخيرة. فقد ظهر على جدران الجامعات، وفي ساحات الاعتصام، وبين آلاف المتظاهرين من لندن إلى نيويورك، ومن جوهانسبرغ إلى سانتياغو. لم يعد مجرد رسم فلسطيني، بل صار اختصارًا بصريًّا لفكرة واحدة: أن العدالة لا تتجزأ، وأن الإنسان يفقد إنسانيته عندما يقبل الظلم لأنه لا يمسّه مباشرة. كان ناجي العلي يدرك أن الكاريكاتير ليس رسمًا ساخرًا، بل وثيقة سياسية. لذلك كان اغتياله محاولة لإسكات قلم سبق زمنه. غير أن الرصاص الذي أصاب الرسام لم يُصب الشخصية التي ابتكرها. مات ناجي، لكن حنظلة بقي شاهدًا لا يمكن اغتياله، لأن الأفكار لا تُقتل بالرصاص، ولأن الرموز التي تولد من معاناة الشعوب تصبح جزءًا من ذاكرتها الجمعية. واليوم، وبعد كل ما شهدته فلسطين من حروب وحصار ودمار وتهجير، يبدو أن الطفل الذي أدار ظهره للعالم لم يكن غاضبًا من العالم بقدر ما كان خائبًا منه. كان يرى مبكرًا أن العدالة ليست ما يُكتب في المواثيق، بل ما يُمارَس على الأرض. وكان يعرف أن الصمت أمام الظلم ليس حيادًا، بل شكل آخر من أشكال المشاركة فيه. ربما لو عاد ناجي العلي اليوم، لما غيّر شيئًا في ملامح حنظلة. سيُبقيه حافي القدمين، كما هو. وسيُبقيه في العاشرة من عمره. وسيُبقيه يدير ظهره. لأن العالم، رغم كل ما يدّعيه من تقدم، لم يمنح ذلك الطفل سببًا واحدًا كي يلتفت. skip render: ucaddon_box_testimonial
افتتح مهرجان البستان الدولي فعاليات نسخته الثانية والثلاثين، معلنًا بذلك انطلاق موسم المهرجانات الثقافية والفنية في لبنان لعام 2026، في أمسية فنية وثقافية حاشدة عكست إصرار لبنان على مواصلة حضوره الإبداعي رغم التحديات. وجرى حفل الافتتاح بحضور عقيلة رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام، سحر سلام، إلى جانب عدد من الوزراء والنواب وشخصيات سياسية واجتماعية وثقافية، إضافة إلى حشد من محبي الفن والموسيقى. وأحيا الأمسية الافتتاحية الفنانان مارسيل خليفة وشربل روحانا، في حفل حمل عنوان «العائلة والأصدقاء»، قدّما خلاله باقة من الأعمال الموسيقية التي تمزج بين التراث والحداثة، وسط تفاعل كبير من الجمهور الذي ملأ قاعة الحفل. وشكّل هذا الافتتاح رسالة ثقافية تؤكد استمرار الحياة الفنية في لبنان، ودور الموسيقى في جمع اللبنانيين حول مساحة مشتركة من الإبداع والجمال، بعيدًا عن الانقسامات. يُعد مهرجان البستان الدولي من أبرز المهرجانات الموسيقية في لبنان والمنطقة، إذ تأسس عام 1994 في فندق البستان في بيت مري، ونجح على مدى أكثر من ثلاثة عقود في ترسيخ مكانته كمنصة عالمية للفنون الكلاسيكية والموسيقى الراقية. يتميّز المهرجان ببرامجه المتنوعة التي تجمع بين الموسيقى الكلاسيكية والأوبرا وموسيقى الجاز والأعمال المعاصرة، مستضيفًا نخبة من الفنانين العالميين والعرب، إضافة إلى دعمه المستمر للمواهب اللبنانية الشابة. كما يُنظر إلى المهرجان بوصفه أحد أعمدة المشهد الثقافي اللبناني، لما يؤديه من دور في الحفاظ على صورة لبنان كبلدٍ للثقافة والفن، وكجسر تواصل حضاري بين الشرق والغرب.
عندما نتحدّث عن الأغنيةِ العربيةِ الرومانسيةِ في العقدينِ الأخيرين، لا يمكن أن نتجاوز اسمَ فضل شاكر، الصوتَ الذي حملَ همساتِ العاشقين وأحلامَهم، وصاغ من الكلمات ألحانًا تُشبه القلوبَ حين تهفو للحبّ. ما يُميّز فضل شاكر ليس فقط صوتُه الدافئ، بل ذلك الصدقُ الذي يسكُن كلماتِه، حتى أصبحَت لكل أغنيةٍ من أغانيه حكايةٌ تلمس روحَ المستمع