في 11 آب الجاري، أقرّ مجلس النواب اللبناني، في جلسة تشريعية مثيرة للجدل، قانون الإعلام الجديد، بعد مخاض برلماني عسير ونقاشات دامت أكثر من 16 عاماً في اللجان النيابية المشتركة. جاء القانون الجديد ليحمل جملة من الإصلاحات الهيكلية والتحديثية الهامة التي طالبت بها المنظمات الدولية، حيث ألغى «محكمة المطبوعات» والمحاكم الاستثنائية لصالح قضاء مدني متخصص، وحظر تماماً محاكمة الصحافيين أمام المحكمة العسكرية، وأدخل الإعلام الإلكتروني والمنصات الرقمية ضمن إطار قانوني يحمي حرية التأسيس دون تراخيص مسبقة. لكن الصدمة الكبرى والانتكاسة الحقوقية التي فجّرت غضب المنظمات الحقوقية والإعلامية تمثّلتا في رفض البرلمان تعديل المادة 104 من القانون، إذ أصرّ المشرّع على إبقاء التجريم الجنائي وعقوبة السجن وحبس الصحافيين في حالات «النشر المتعمّد للمعلومات الكاذبة أو التشهير والقدح بحق المقامات ورؤساء الدول». وسجّلت جهات حقوقية وإعلامية، كما وزير الإعلام بول مرقص نفسه، اعتراضها الرسمي على بقاء بنود الحبس، واعداً بتقديم مشروع قانون معجّل مكرّر لإلغائها. من المستفيد؟ ويظهر أن المستفيد الأوحد من الإبقاء على عقوبة الحبس في قانون الإعلام الجديد لعام 2026 هو التحالف المالي-السياسي الحاكم و«كارتيل المصارف» وأركان السلطة الذين تسببوا في الانهيار الاقتصادي للبلاد. تدرك هذه المنظومة الشائخة أن بقاء عقوبة السجن، حتى وإن لم تُنفّذ بكثافة، يعمل كسيف مُسلط ومرعب يُحجّم الصحافة الاستقصائية الرقمية، ويمنع تتبّع الأصول والأموال المهرّبة، ويحمي الشخصيات السياسية والمصرفية من الملاحقة الشعبية والإعلامية. إنها محاولة تشريعية أخيرة لحماية الذات وتأمين الحصانة الجنائية لطبقة سياسية تخشى الحقيقة وتستعين بالزنزانة لمدّ عمر نفوذها. ففي الوقت الذي تسوّق فيه السلطة، على الدوام، ذريعة أن نقد الرموز الطائفية والدينية يهدد «السلم الأهلي ويثير الفتن المذهبية» في بلد متعدد ومفتت، يقول الواقع إن هذا الأمر يُستغل لمنع قيام صحافة استقصائية عابرة للاصطفافات المذهبية، كفيلة بتعرية صفقات المحاصصة المشتركة بين قادة الطوائف، حيث يغدو التجريم أداة لحفظ «ستاتيكو» النظام الطائفي. في واقع الأمر، فإن التشريعات اللبنانية تنطلق من فرضية مقلوبة ومخالفة للفقه الدولي، وهي أن الموظف العام والسياسي يتطلبان حماية قانونية وجنائية مفرطة ومشددة ضد النقد، عبر نصوص تحقير الرؤساء والمقامات. في حين أن المعايير الدولية ترى أن الشخصية العامة التي تدير الشأن العام يجب أن تكون أكثر سعة صدر وتحمّلاً للنقد والمكاشفة من المواطن العادي، كونها تتعامل مع أموال المجتمع وسياساته. skip render: ucaddon_material_block_quote الحكاية… من البداية لم يكن النص التشريعي الجزائي في تاريخ لبنان يوماً أداة محايدة لتنظيم حقل النشر أو لترتيب البيت الإعلامي، بل مثّل، على الدوام، مرآة صقيلة تعكس طبيعة الموازين السياسية والأمنية والطائفية المهيمنة في كل حقبة. إن الإبقاء على عقوبات السجن والتدابير السالبة للحرية بحق الصحافيين والمفكرين، كما تبدّى من المادتين الجدليتين 104 و105 في قانون الإعلام الجديد، يذكّر بتاريخ مديد من ممارسات شبيهة، لم يكن التجريم، في أيّ منها، هفوة تشريعية أو قصوراً تقنياً من المشرّع اللبناني، بل جرى تصميمه بعناية فائقة ليكون «هندسة واعية للخوف» تهدف إلى فرض الرقابة الذاتية وتطويق الأقلام الحرة. فتتبّع البنية الجنائية لقوانين الإعلام والصحافة عبر خمسة عهود تاريخية يظهر بوضوح كيف تبدّلت هوية «المستفيد الأول»، من سلطة المستعمر العسكري إلى النخب الإقطاعية والسياسية الناشئة بعد الاستقلال، مروراً بأجهزة الوصاية الاستخباراتية، وصولاً إلى كارتيل المصارف والزعامات المذهبية في العصر الراهن، حيث بقيت الزنزانة هي الثابت الوحيد والمشترك لحماية الامتيازات وحظر المساءلة. تأسيس رقابة العسكر بدأت المأسسة القانونية لقمع الكلمة في لبنان مع دخول الجيوش الفرنسية وإعلان دولة لبنان الكبير، حيث سارعت سلطة الانتداب إلى إصدار سلسلة من القرارات التنظيمية الصارمة عبر «المفوض السامي الفرنسي». تميّزت هذه المرحلة التشريعية بدمج مطلق بين القرار الإداري والعقوبة العسكرية؛ إذ منح المفوض السامي نفسه صلاحيات استثنائية كاملة تخوّله إغلاق الصحف، ومصادرة أعدادها، وسحب تراخيصها بقرار إداري مباشر، دون الحاجة إلى اللجوء إلى أي جهاز قضائي. وتضمنت القوانين الصادرة آنذاك مواد فضفاضة تجرّم أي كتابة أو نشر يُشمّ منه إثارة النعرات ضد دولة الانتداب، أو انتقاد جيوش الحلفاء، أو المساس بالهيبة الفرنسية. تضاعفت هذه الإجراءات مع اندلاع الحرب العالمية الثانية بين عامَي 1939 و1944، حيث فُرضت رقابة عسكرية مشددة، وشُطب المقال من المنبع بمقصّ الرقيب، وغدا سجن الصحافيين وتوقيفهم في قلاع عسكرية وسيلة مألوفة وعنيفة. وكان المستفيد الأوحد والمباشر من هذه البنية الجنائية الصارمة هو سلطة الانتداب الفرنسي ومشاريعها الاستعمارية في الشرق؛ فقد كانت فرنسا بحاجة ماسة إلى تهدئة الساحة اللبنانية، وضمان عدم تحوّل الصحافة إلى منبر وطني جامع يطالب بجلاء الجيوش والسيادة الكاملة. إن تجريم الكلمة وسجن أصحابها مكّنا الإدارة الفرنسية من عزل النخب الفكرية اللبنانية عن الجماهير، وحظر أي نقاش عمومي حول نهب الموارد الاقتصادية المحلية أو فرض الامتيازات الأجنبية، ما جعل القمع مادة حيوية لتثبيت شرعية الوجود الفرنسي الاستعماري وإطالة أمده بالحديد والنار والقانون. من الانتداب إلى الوصاية، ومن أمراء الطوائف إلى كارتيل المصارف، تغيّرت الوجوه وبقي تجريم الكلمة عهد الاستقلال والجمهورية الأولى (1943 – 1975): حصانة للنخب الحاكمة! مع نيل لبنان استقلاله، تطلعت الأوساط الثقافية إلى ولادة فجر تشريعي جديد يواكب البند الدستوري الذي كرّس حرية التعبير. إلا أن السلطة الوطنية الناشئة ورثت العقلية الرقابية ذاتها للمستعمر، وأعادت صياغتها في قوالب محلية. تُوّجت هذه المرحلة بصدور قانون المطبوعات في 14 أيلول 1962، والذي شكّل المرجعية القانونية الأساسية لقطاع الصحافة لعقود. وبدلاً من إلغاء نصوص الحبس، قام المشرّع اللبناني بتثبيتها وتوسيع نطاقها؛ فاستحدث مواد صارمة تجرّم القدح والذم والتحقير بحق رؤساء الدول والبعثات الدبلوماسية ومؤسسات الدولة الرسمية. حقبة الحرب الأهلية (1975 – 2000): عقوبات غير مسبوقة ومع اندلاع الحرب الأهلية وتآكل هيبة الدولة، صدر المرسوم الاشتراعي رقم 104 عام 1977 ليزيد المشهد قتامة؛ إذ شدّد العقوبات المادية والجسدية بشكل غير مسبوق، وأجاز صراحة التوقيف الاحتياطي للصحافيين، ومنح السلطة التنفيذية، ممثلة بوزارة الإعلام ومجلس الوزراء، حق التعطيل الإداري الفوري والتحفظي للمطبوعات قبل صدور أي حكم قضائي مبرم. في هذه الحقبة، انتقلت الاستفادة من تجريم الصحافة إلى النخبة الإقطاعية والسياسية اللبنانية الناشئة ورجال الحكم في الجمهورية الأولى. وظّف زعماء العائلات السياسية والطبقة الأوليغارشية الجديدة نصوص الذم والقدح كحصن منيع يمنع النقد أو الغوص في الفساد الإداري والمالي الذي رافق بناء مؤسسات الدولة. وصُمّمت العقوبات لمنع الصحافة الاستقصائية الوليدة من تفكيك شبكات الزبائنية والمحسوبية التي ارتكزت عليها الزعامات التقليدية، ما جعل من سجن الصحافي أداة لحفظ السلم الطبقي والسياسي لهذه النخبة، وإعادة إنتاج سلطتها التقليدية تحت غطاء حماية السمعة الشخصية ومقامات الدولة المعصومة. عهد الوصاية السورية (1990 – 2005): رقابة المخابرات عقب اتفاق الطائف ودخول لبنان حقبة السلم الأهلي الهش تحت ظلال النفوذ السوري، اتخذ قمع الصحافة بُعداً بنيوياً وأمنياً معقداً. تميّزت هذه المرحلة بوجود ازدواجية وتشوه تشريعي صارخ؛ فرغم إقرار تعديل قانوني بارز عام 1999 قضى نظرياً بإلغاء التوقيف الاحتياطي في جرائم
صدر عن اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان البيان التالي: تلقى رئيس تحرير صحيفة “البوست”، نادر صبّاغ، اتصالًا من قبل شخص لم يُعرّف عن نفسه، ليبلّغه وجوب حضوره إلى مبنى المباحث الجنائية في قصر العدل في بيروت، ظهر الإثنين، من دون توضيح سبب الاستدعاء. يؤكد الاتحاد بأنّ “استدعاء الصحافيين أمام الأجهزة الأمنية أو النيابات العامة هو مخالفة لقانون المطبوعات وانتهاك واضح لحرية الصحافة”. أما لجهة استدعاء صبّاغ، فهو بالشكل مخالف للقانون، ذلك أن المتصل لم يكشف عن هويته أو يعرّف عن نفسه كما أنه لم يتطرق إلى السبب، عملًا بأصول الاستدعاء. بالجوهر: لا يستدعى صحافي للمثول أمام المباحث الجنائية، وذلك عملًا بالمادة 29 من قانون المطبوعات التي تحصر التحقيق مع الصحافيين بقاضي التحقيق أو بمحكمة المطبوعات لأنه لا يجوز توقيفه احتياطيًا.وعليه، يؤكد اتحادا الصحافيين والصحافيات في لبنان على التالي: 1- لا يحق للضابطة العدلية، بأجهزتها الأمنية أو النيابات العامة، إجراء أي تحقيق أولي مع الصحافيين في القضايا المرتبطة بعملهم الإعلامي.2- إن صلاحيات النيابات العامة بالتوقيف تشكّل خطرًا على حرية وعمل الصحافي، إذ تستخدم أحيانًا للضغط والتهديد بالتوقيف لإزالة مواد صحافية أو توقيع تعهدات غير قانونية. الخبر على الرابط التالي: https://ujleb.com/8153/
في خطوةٍ غير مسبوقة، أصبحت أستراليا أوّل دولةٍ في العالم تحظر على الأطفال دون سنّ 16 عاماً استخدام منصّات التواصل الاجتماعي المعروفة، في قرارٍ اتّخذته حكومة رئيس الوزراء أنتوني ألبانيز، الذي عبّر عن فخره الشديد بهذا القانون بعد دخوله حيّز التنفيذ في 10 كانون الأوّل 2025 يُلزِمُ القانون الجديد، الذي وصفه مؤيّدوه بالرائد عالميّاً، المنصّاتِ بمنع من هم دون سنّ 16 عاماً من إنشاء حساباتٍ عليها تحت طائلة العقوبة، ويعكس قلقاً متزايداً على مستوى العالم بشأن الآثار النفسيّة والاجتماعيّة للمنصّات الإلكترونيّة على البشر، ولا سيّما اليافعين. تسعى أستراليا، من خلال هذا القانون، إلى حماية الأطفال والناشئة من عالمٍ رقميٍّ قاسٍ وشرس، أثبتت الدراسات مخاطره وحجم الأذى الذي يُلحقه التنقّل فيه بلا حسيبٍ ولا رقيب. وقد أثارت هذه الخطوة اهتماماً عالميّاً ونقاشاً حادّاً وأسئلةً لا تنتهي حول السلامة في الفضاء الإلكتروني والتشريعات التي تحاول ضبطه، وحول قدرة هذه التشريعات على إخضاع شبكات التواصل الاجتماعي لشروطها. ما شكل هذا الحظر؟ بموجب القانون، تتعهّد كبرى شبكات التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك، وإنستغرام، وتيك توك، وسناب تشات، وإكس (تويتر سابقاً)، وريديت، وثريدز، وتويتش، ويوتيوب، بمنع من هم دون سنّ 16 عاماً في أستراليا من امتلاك حساباتٍ على هذه المنصّات، إذ يُلزِمها القانون باتّخاذ خطواتٍ «معقولة» للتحقّق من الأعمار، وحظر المستخدمين الذين لا يستوفون شرط السنّ، والقيام بتعطيل حساباتهم الحاليّة ومنعهم من إنشاء حساباتٍ جديدة، تحت طائلة عقوباتٍ ماليّة تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي (حوالي 33 مليون دولار أمريكي). وغنيٌّ عن القول إنّ شركات التكنولوجيا عارضت في البداية هذه الخطوة، مشكّكةً ومتسائلةً ومتذرّعةً بمخاوف تتعلّق بالخصوصيّة، لكنّها أعلنت لاحقاً، في معظمها، عن استعدادها للامتثال للقانون. يبدو أنّ سياسة أستراليا «ألهمت» حكوماتٍ أخرى، إذ تفيد التقارير بأنّ دولاً في أوروبا، من بينها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا، تدرس حاليّاً إمكانيّة فرض قيودٍ مماثلة على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي داعِمون، منتقدون، ومشكّكون حظي الحظر بدعمٍ واسع من أولياء الأمور والمدافعين عن حقوق الطفل، والكثير من الناخبين الأستراليّين. ويرى المؤيّدون أنّ هذا الحظر سيقلّل من القلق والاكتئاب، ويحدّ بشكلٍ كبير من المقارنات بين المراهقين، وهي ظاهرةٌ خطيرة تغذّيها منصّات التواصل الاجتماعي وخوارزميّاتها. في المقابل، سلّط خبراء ونقّاد الضوء على تحدّياتٍ عدّة، من بينها القيود التقنيّة، إذ أثبتت بعض أدوات التحقّق من العمر، ومنها مثلاً تحليل الوجه باستخدام الذكاء الاصطناعي، عدم دقّتها، ما يسمح لبعض المستخدمين دون سنّ 16 عاماً «بالتسلّل» إلى هذه المنصّات. وبموازاة ذلك، ظهرت منصّات بديلة ستطرح، بلا شكّ، مخاطر جديدة قد تكون أكثر جدّيّة. فقد بدأ الشباب الأستراليّون بالتحوّل إلى تطبيقاتٍ أقلّ شهرة لم تُصنَّف بعد ضمن الحظر، ما دفع بالكثيرين إلى القول إنّ هذه السياسة قد تؤدّي إلى نتائج عكسيّة في حال لم تتمكّن الجهات التنظيميّة من مواكبة المنصّات الناشئة وتقييدها. كما حذّروا من أنّ إبعاد الأطفال عن المنصّات الرئيسيّة قد يدفعهم نحو مساحاتٍ إلكترونيّة أقلّ تنظيماً، وربّما أكثر خطورة، تفتقر إلى أدوات الرقابة الوالديّة أو فلاتر الأمان. من جهتهم، أثار المدافعون عن الحريّات المدنيّة قضايا تتعلّق بالخصوصيّة الرقميّة وحرّيّة التعبير، وما إذا كان تطبيق التحقّق من السنّ قد يؤدّي، من دون قصد – أو ربّما عن قصد – إلى توسيع نطاق مراقبة الدولة والشركات للمستخدمين. تأثير الدومينو يبدو أنّ سياسة أستراليا، التي وُصفت بالجريئة، «ألهمت» حكوماتٍ أخرى، إذ تفيد التقارير بأنّ دولاً في أوروبا، من بينها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا، تدرس حاليّاً إمكانيّة فرض قيودٍ مماثلة على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، كما تدرس الحكومتان البريطانيّة والأمريكيّة فرض أنظمةٍ أكثر صرامة تحمي القاصرين على الإنترنت. وأشارت استطلاعاتٌ للرأي إلى أنّ ما يقرب من ثلثَي الناخبين في الولايات المتّحدة يؤيّدون إجراءاتٍ مماثلة. تسعى أستراليا، من خلال هذا القانون، إلى حماية الأطفال والناشئة من عالمٍ رقميٍّ قاسٍ وشرس، أثبتت الدراسات مخاطره فهل سيحمي هذا القانون الأطفال من مضارّ هذه المنصّات، بخوارزميّاتها المعقّدة والمصمَّمة ببراعة لجعل المستخدمين ينغمسون فيها لساعاتٍ طويلة، بلا هدفٍ في الكثير من الأحيان؟ وهل سنشهد عمّا قريب تجارب أخرى في هذا المجال، غير «التجربة الأستراليّة»؟