في عام 2002، أحيت الفنانة فيروز حفلًا غنائيًّا عظيمًا على مسرح الجامعة الأميركية في دبي. في ذلك الوقت، كان إلياس أبو صعب يشغل منصب نائب رئيس الجامعة للشؤون الإدارية والأكاديمية. لم يفهم الكثيرون ممن حضروا الحفل في تلك الليلة سبب انزعاج زياد الرحباني، الذي كان واضحًا للجميع على المسرح. استياءٌ وصل حدَّ تركه العزف على البيانو ومغادرة الحفل لفترة، قبل أن يعود إليه. ظنَّ الكثيرون أنها إحدى سمات زياد المزاجية. ما لم يعرفه إلا القلة القليلة أن زياد كان مستاءً من أمر عرفه في اللحظات الأخيرة قبل افتتاح العرض. لقد قام أبو صعب، الذي كان “العرّاب” الأول لتنظيم حفل فيروز حينها، بطباعة بعض أسماء الماركات والشركات على بطاقة دخول الحفل، أمر لم تكن “سفيرتنا إلى النجوم” على علم مسبق به، وهي قطعًا لم تكن لتقبل به. فلمواضيع الدعاية والإعلان حساسية مفرطة عند فيروز وولدها. لكنه، أبو صعب، نجح في “خمّ” الأسطورة وتقريشها دراهم معدودات، وباعها في سوق دبي حتى من دون أن تعلم، ونجح لاحقا في التملص من الموضوع. شخص باع فيروز برمزيتها، ماذا تظنه سيفعل بأحمد الأسير؟ عاش الأمير الروماني فلاد تيبيش المخوزق، المعروف بدراكولا، ردحًا طويلًا من الزمن في كنف الدولة العثمانية. تربّى في ربوعها، وأكل من موائدها، وشرب من مياهها، وغرف من علومها، وعايش الأمراء والسلاطين في قصورهم وتفاصيل حياتهم. ظلَّ لسنين يحمل حقدًا دفينًا في داخله على كل ما هو إسلامي ومسلم. يُظهر أمورًا ويُضمر نقيضها، حتى حانت له الفرصة ليثخن في جسد الأمة الإسلامية حروبًا ودمارًا وقتلًا ودماءً ووحشيةً، وصلت حدَّ وصفه بالأمير المخوزق، الذي يتلذذ بدق الأوتاد العملاقة في أجساد أعدائه، حتى ولو كانوا أطفالًا. بعد أن عمل لسنوات في مطاعم ماكدونالدز في بريطانيا لتكملة تحصيله العلمي، عاد أبو صعب إلى الخليج ليتدرج في سلّم الوظائف، حتى نجح في اقتناص منصب مرموق في الجامعة الأميركية في دبي، سمح له بالتقرب من الطغمة الحاكمة والاستفادة ماديًّا ومعنويًّا من سنوات ازدهار الإمارة. عاش أبو صعب تمامًا كما فلاد دراكولا، يمقت ما تراه عيناه من بذخ القصور وحكايات الشيوخ والأمراء وأثرياء الخليج. لم يتقبل الولد الذي تربّى في كنف عائلة متواضعة ذات ميول قومية سورية فكرة هضم المحيط الذي أُجبر مُرغمًا، لمصالح دنيوية، على العيش فيه والتعايش معه. ما إن سنحت له الفرصة في السياسة، كما في عالم المال والأعمال، حتى تموضع في الكنف “العوني”، مطلقًا لبواطنه العنان بعد طول كبت، منتقمًا من كل ما يمثله الإسلام في السياسة والدين والمجتمع، محكومًا بفكرة تحالف الأقليات في وجه مارد لا يجب أن يستيقظ يوماً. يستاء كثير من السُّنة في لبنان اليوم من تصرفات أبو صعب. لا يجدون، في كثير من الأحيان، تبريرًا لما يقوم به، لا سيما حين يتعلق الأمر بالتنكيل بموضوع قانون العفو العام، ومنع إطلاق سراح الشيخ أحمد الأسير على وجه الخصوص. لا يفهمون لِمَ يقوم الرجل بذلك. الإجابة بسيطة. يدرك أبو صعب أن الثلاثة آلاف صوت التي حاز عليها من جمهورية “ضهور الشوير” لا تؤهله لنيل منصب، ولو ضئيل، في الخارطة السياسية اللبنانية في قادم الأيام، خصوصًا بعدما انكشف أمره أمام جبران باسيل وفكَّ ارتباطه المصلحي مع “الجو” العوني. ولأن أبواب بعبدا موصدة في وجهه بسبب العداء المتأصل مع مستشار القصر جان عزيز، لم يعد هناك سوى وضع كل البيضات في سلة نبيه بري، باعتباره النموذج الذي يفضله أبو مصطفى نائبًا له. ولأن موضوع الجيش له حساسيته في البيئة المسيحية على وجه التحديد، كان لا بدَّ من اعتلاء هذا السلم، علَّه يؤمّن له بعضًا من أصوات مبعثرة في المتن قبيل انتخابات مرتقبة، وهو الذي ينحدر من فكر يعتبر المؤسسة العسكرية أقل شأنًا من عَظَمة “الهلال الخصيب”، وأن أحد أفرادها قتل متفاخرا رئيس وزراء لبنان في يوم من الأيام، غير معترف بنظام أو دولة أو مؤسسات أو جيش. لذا يحاول اليوم بيع الشيخ أحمد الأسير في بيروت كما باع فيروز في دبي. ما لم يفهمه أبو صعب، الذي تزيّن صورةٌ للرئيس الأميركي بيل كلينتون (مغتصب مونيكا لوينسكي) مكتبه في دبي، أن حساباته “الدقيقة”، مهما حاول التذاكي في تقريشها، ستفضي إلى المآل نفسه الذي آلت إليه حسابات دراكولا… على الخازوق. فمن عادى لي وليًّا… آذنته بالحرب. كلمات لن يفهمها حكماً، لكنه سيعيشها قريبًا… مهما طال ليل السنة السجنية وتعديلاتها.
تصاعدت في الساعات الأخيرة موجة اعتراض واسعة في الأوساط الشعبية والحقوقية لاسيما “البيئة السنية” المؤيدة لإقرار قانون العفو العام عن الموقوفين الإسلاميين، بعد تداول أسماء عدد من النواب السُنّة الذين يُقال إنهم رفضوا أو لم يؤيدوا تمرير القانون، في وقت تعتبر فيه عائلات الموقوفين أنّ الملف لم يعد يحتمل مزيدًا من المماطلة السياسية والابتزاز النيابي. وبحسب ما جرى تداوله، فقد شملت لائحة النواب الذين وُجهت إليهم انتقادات حادة كلًا من: جهاد الصمد عن طرابلس، حليمة القعقور عن الشوف، أسامة سعد عن صيدا، قاسم هاشم عن الجنوب، ملحم الحجيري عن بعلبك، وينال الصلح عن بعلبك، وذلك على خلفية موقفهم من اقتراح قانون العفو العام المتعلق بالموقوفين الإسلاميين. ويأتي هذا السجال في ظل تعثّر مسار إقرار قانون العفو العام داخل مجلس النواب. وتعتبر أوساط متابعة للملف أنّ أي تعطيل إضافي للقانون يشكل ضربة جديدة لعائلات الموقوفين الذين ينتظرون منذ سنوات طويلة حلًا عادلًا ومنصفًا، خصوصًا في ظل الحديث عن وجود موقوفين لم تصدر بحقهم أحكام نهائية، أو أمضوا سنوات طويلة خلف القضبان من دون حسم ملفاتهم القضائية بصورة نهائية. وفي المقابل، يثير قانون العفو العام نقاشًا سياسيًا وقانونيًا حادًا بين من يراه ضرورة إنسانية ووطنية لإقفال ملف طال أمده، وبين من يربطه باعتبارات أمنية وقضائية تتعلق بطبيعة الجرائم المشمولة والاستثناءات المطلوبة. وتؤكد عائلات الموقوفين ومناصروهم أنّ المطلوب من النواب، وخصوصًا النواب السُنّة، موقف واضح لا لبس فيه، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والمزايدات، معتبرين أنّ رفض العفو أو التهرب من دعمه يضع أصحابه في مواجهة مباشرة مع بيئة شعبية ترى في هذا الملف قضية عدالة وكرامة لا مجرد بند تشريعي عابر، وهو أمر سيدفع ثمنه لاحقا “الغافلون” في السياسة كما في صناديق الاقتراع، خاصة حين تأتي الطعنات المسمومة، من داخل البيت.