لا يقف لبنان اليوم أمام نقاش قانوني عابر، بل أمام واحدة من أخطر القضايا المرتبطة بمصير المجتمع نفسه. فالعفو العام في بلد كلبنان لا يمكن اختصاره ببنود قانونية، أو أرقام، أو أسماء مطلوبين ومحكومين فحسب، لأن المسألة أعمق بكثير من مجرّد فتح أبواب السجون أو إسقاط مذكرات التوقيف. نحن أمام بلد يعيش منذ عقود فوق طبقات متراكمة من الخوف، والذاكرة الدموية، والانقسام الطائفي؛ بلد انتهت فيه الحرب عسكريًا، لكنّها بقيت حيّة في النفوس والخطابات والسياسة والوجدان الجماعي. في الدول المستقرة، قد يكون العفو العام جزءًا من تسوية قانونية أو سياسية محدودة، أما في لبنان فهو أشبه بالسير فوق حقل ألغام. فكل كلمة تُقال حوله تُفسَّر طائفيًا، وكل اقتراح يُقرأ من زاوية الخوف الوجودي، وكل فريق يسأل فورًا: من سيستفيد؟ ومن سيدفع الثمن؟ ومن ستُفتح له أبواب التسوية؟ ومن ستُترك جراحه معلّقة؟ ولهذا، فإنّ الحديث عن العفو العام في لبنان ليس حديثًا عن القانون فقط، بل عن العدالة، والسلم الأهلي، والخوف الجماعي، ومستقبل العيش المشترك في بلد يكاد يشعر أبناؤه يوميًا أنّ الانفجار قد يقع في أي لحظة. الهدنة لا التسوية المشكلة الحقيقية أنّ لبنان لم يصل يومًا إلى تسوية وطنية حقيقية بعد الحرب الأهلية. لقد توقفت المعارك عسكريًا، لكن القلوب لم تهدأ بالكامل، والذاكرة بقيت مشتعلة تحت الرماد. الطوائف ما زالت تحمل مخاوفها القديمة، والأحزاب ما زالت تستثمر في تعبئة جمهورها بالخوف من الآخر، والدولة ما زالت عاجزة عن إقناع الناس بأنها مرجع عادل يقف فوق الجميع. لهذا يبدو لبنان حتى اليوم وكأنه يعيش «هدنة طويلة» أكثر مما يعيش سلامًا فعليًا. فالانقسامات لم تختفِ، بل تبدّلت أشكالها فقط، ومع كل أزمة سياسية أو أمنية أو إقليمية، يعود شبح الحرب إلى الذاكرة الجماعية سريعًا. واليوم، مع الحرب الدائرة في المنطقة، والانقسام الداخلي الحاد، والانهيار الاقتصادي غير المسبوق، عاد اللبناني يشعر أنّ الاستقرار هشّ جدًا، وأن أي خطأ في إدارة الملفات الحساسة قد يدفع البلد نحو المجهول. skip render: ucaddon_material_block_quote من هنا، يصبح ملف العفو العام شديد الخطورة، لأنه لا يُناقش في بيئة مستقرة، بل داخل مجتمع متوتر ومعبّأ بالخوف والشك وانعدام الثقة، إضافة إلى الحرب الدائرة حاليًا. في لحظات الانقسام الكبرى، تعجز السياسة وحدها عن إنتاج حلول حقيقية. فالحسابات السياسية غالبًا ما تُدار بالمصالح والتوازنات والخوف وموازين القوى، بينما تحتاج المجتمعات الجريحة إلى شيء أعمق من التسويات العابرة؛ تحتاج إلى ميزان أخلاقي يشعر الجميع أنه أعلى من الطوائف والأحزاب والزعامات. ولهذا كان القرآن واضحًا في جعل العدل أساس قيام المجتمعات: «العدل أساس الملك»، لا مجرّد خيار سياسي يمكن التفاوض حوله. تُعدّ هذه الآية من أعظم النصوص التي تحدّثت عن العدالة المطلقة، حتى إنّ معناها ومفهومها مطبوعان على جدار كلية الحقوق في جامعة Harvard University، إحدى أهم الجامعات التي خرّجت كبار القضاة ورجال القانون وصنّاع القرار في العالم، في إشارة إلى أنّ العدالة الحقيقية لا تقوم إلا حين يكون القانون فوق الجميع بلا استثناء. فالعدل هنا ليس عدالة طائفة ضد أخرى، ولا عدالة المنتصر على المهزوم، ولا عدالة النفوذ والسلاح، بل عدالة مطلقة بين الناس جميعًا. ولهذا، عندما يعجز الإنسان عن إنتاج حلول عادلة بثقافته الضيقة ومصالحه المتصارعة، لا يبقى أمامه إلا الرجوع إلى عدالة السماء؛ العدالة التي لا تفرّق بين قوي وضعيف، ولا بين قريب وبعيد، ولا بين حليف وخصم. العدالة الانتقائية الأزمة الأخطر في لبنان ليست فقط في وجود الظلم، بل في شعور الناس بأنّ العدالة نفسها أصبحت انتقائية. فالمواطن اللبناني كثيرًا ما يشعر أنّ القوي يُحمى، والضعيف يُحاسَب، وأن الطائفة أو النفوذ السياسي قادران على تعطيل القانون أو تبديل مساره. وهذا بالضبط ما حذّر منه النبي ﷺ حين قال: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ». فالخطر الحقيقي على المجتمعات ليس فقط في الجريمة، بل في انهيار الثقة بالعدالة نفسها. حين يشعر الناس أنّ القانون يُستخدم على الضعفاء فقط، تتحول الدولة تدريجيًا إلى ساحة نفوذ، لا إلى مرجعية جامعة، وعندها يبدأ المجتمع بالتفكك من الداخل. يخشى جزء من اللبنانيين أن يتحول العفو العام إلى حماية للنافذين والمتورطين الكبار، فيما يخاف آخرون من أن يؤدي غياب أي تسوية إلى انفجار اجتماعي أو مذهبي جديد. بين هذين الخوفين يقف لبنان حائرًا منذ سنوات طويلة. فالبلد لا يحتمل العودة إلى الحرب، لكنه أيضًا لا يستطيع بناء استقرار دائم فوق شعور الناس بأن حقوقهم ودماءهم ذهبت هدرًا. والتجارب حول العالم أثبتت أنّ المجتمعات لا تستقر بمجرد مطالبتها بنسيان الماضي، لأن الجراح التي لا تُعالج تعود لاحقًا بشكل أكثر خطورة وعنفًا. ولهذا، فإنّ أي عفو لا يرافقه شعور حقيقي بالإنصاف والمصارحة والعدالة المتوازنة قد يتحول إلى قنبلة مؤجّلة بدل أن يكون بابًا للاستقرار. حين تعجز السياسة… هل تنقذ العدالة لبنان؟ لا عدالة انتقامية ولا إفلات من العقاب لم يبنِ الإسلام مفهوم العدالة على الانتقام الأعمى، لكنه أيضًا لم يسمح بتحويل العفو إلى شرعنة للظلم أو حماية للفاسدين والقتلة. فالقرآن يفتح باب العفو، لكنه يربطه دائمًا بالإصلاح الحقيقي. يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. اللافت أنّ الآية لم تقل «فمن عفا فقط»، بل أضافت كلمة مفصلية: «وأصلح». أي إنّ العفو الذي لا يؤدي إلى إصلاح حقيقي ومنع تكرار الظلم، لا يحقق المقصد الكامل للعدالة. وهنا تكمن حساسية الحالة اللبنانية. فالعفو إذا جاء على حساب الحقيقة والإنصاف، قد يزرع شعورًا أخطر، وهو شعور الناس بأن الدولة لا تحمي إلا الأقوياء. تهدئة النفوس قبل القوانين ربما المشكلة الأعمق في لبنان اليوم أنّ المجتمع يعيش حالة خوف جماعي متبادل. كل طائفة تشعر أنها مهددة بطريقة ما، وكل جماعة تحمل في ذاكرتها صورًا من الماضي تجعلها تنظر إلى المستقبل بقلق دائم. وفي المجتمعات الخائفة، تصبح الكلمات أخطر من الرصاص أحيانًا. خطاب تحريضي واحد، أو مشهد إعلامي متوتر، أو تصريح سياسي مستفز، قد يكون كافيًا لإشعال الشارع وإعادة فتح الجروح القديمة. فالفتن الكبرى كثيرًا ما تبدأ بكلمات قبل أن تتحول إلى دماء. ولهذا، فإنّ أي معالجة حقيقية في لبنان يجب أن تبدأ أولًا بإطفاء لغة التخوين والكراهية والتحريض، لأن المجتمعات المعبّأة بالخوف لا تستطيع التفكير بعقلانية أو بناء تسويات مستقرة. أي عفو يحتاجه لبنان؟ لبنان لا يحتاج إلى عفو يُكتب على قياس الطوائف، ولا إلى تسوية إذلال يشعر معها جزء من الناس أنه خسر كرامته أو دمه أو حقوقه. ما يحتاجه البلد فعلًا هو مشروع وطني يعيد للناس شعورهم بأن الدولة موجودة لحمايتهم جميعًا، لا لخدمة موازين القوى. أي عفو حقيقي يجب أن يقوم على عدالة متوازنة، وعلى الاعتراف بآلام الجميع، وعلى منع الثأر الجماعي، وعلى بناء ثقة تدريجية بين مكونات المجتمع. لأن الاستقرار
انسجامًا مع روح القانون اللبناني، ونزولًا عند طلب نقابة المحررين واتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، لم يمثُل رئيس تحرير جريدة «البوست»، الزميل نادر صباغ، أمام المباحث الجنائية في قصر العدل في بيروت اليوم، على اعتبار أنّ «أحكام المادتين 28 و29 من قانون المطبوعات تنصّ على أنّ جميع القضايا المتعلّقة بالمطبوعات تنظر بها محكمة المطبوعات فقط». وبما أنّ المطلوب الاستماع إليه صحافي، فهو يخضع لقرار مجلس نقابة محرّري الصحافة اللبنانية، التي أعلنت أكثر من مرة قرارًا مبدئيًا بالتقيّد بأحكام المادتين المشار إليهما أعلاه. وقد تبيّن أنّ الجهة المدّعية هي صاحب أحد المولّدات الخاصة في مدينة صيدا، المدعو محمد أبو سيدو، عبر النيابة العامة، بجرم القدح والذمّ، بعدما هاله ما نُشر عنه من مخالفات في موضوع التسعيرة التي يتقاضاها، موثّقةً بالمستندات والأدلّة، فسعى إلى محاولة إسكات الصوت الذي ينادي بحقوق الناس والمواطنين، ويطالب بتنفيذ القانون وفق الأصول المرعيّة الإجراء. وهو ما لم يكن له ما أراد… https://al-post.com/wp-content/uploads/2026/04/al-post-trial.mp4
كأنّنا لا نزال في زمن “أبو عبدو” متربعًا على عرشه في عنجر… محاولة جديدة لقمع حرية الصحافة والإعلام، والرأي والفكر ومحاربة الفساد. خلافًا لكل القوانين المرعية الإجراء، جرى أمس التواصل مع رئيس تحرير صحيفة “البوست”، نادر صبّاغ، من قبل شخص لم يُعرّف عن نفسه حتى، لإبلاغه بوجوب الحضور إلى مبنى المباحث الجنائية في قصر العدل في بيروت، ظهر الإثنين، من دون توضيح السبب. القانون واضح ولا لبس فيه: الصحافة لا تخضع إلا لقانون محكمة المطبوعات، وما عدا ذلك ليس سوى ترهيب أجهزة، و”زكزكات” نافذين، ومحاولة إسكات من قبل فاسدين “لم يجنّسوا بعد”. قرارنا واضح، كما أكّدت علينا نقابة المحررين واتحاد الصحافيين/ات في لبنان: نحن لا نمثل أمام محاكم ترهيب كهذا، صار معيبًا في هكذا زمن. محاولات المتضررين في “الدولة العميقة” المتبقية، مما نقوله وننشره، لن تجدي نفعًا. تاريخنا النضالي على مدى أكثر من 30 عاماً شاهد على ذلك.. ستبقى “البوست”، كما شعارها: عربيّة – حرّة – أبيّة صوت المخنوقين…