تاريخيًا، كما الآن وغدًا، في قصص القصور، لا تُصنع الخلافة دائمًا في اللحظة التي يجلس فيها الوريث على العرش. أحيانًا تبدأ القصة قبل ذلك بسنوات، عندما يُبعد اسم، ويُقدَّم آخر، وتُوزَّع الأدوار داخل العائلة، ويجري إعداد الدولة بهدوء لاستقبال حاكم جديد. هكذا، كان صعود الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى عرش قطر في 25 حزيران/يونيو 2013 لم يبدأ يوم تنحّي والده الشيخ حمد بن خليفة. بدأ قبل ذلك بعشر سنوات على الأقل. في قلب تلك القصة تقف امرأة يصعب فصل تاريخ قطر الحديثة عن اسمها، الشيخة موزا بنت ناصر المسند. لم تكن حاكمة، ولم تحمل منصبًا سياسيًا يتيح لها اختيار الأمير. ولا توجد وثيقة واحدة معلنة تقول إنها وضعت اسم تميم على طاولة حمد وأمرت بصناعته وريثًا. لكن من يقرأ مسار قطر منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، يجد نفسه أمام سؤال يصعب تجاهله: هل كانت موزا المرأة التي فتحت الطريق أمام ابنها إلى العرش؟ ليست زوجة فحسب من الخطأ قراءة موزا بوصفها مجرد واحدة من زوجات أمير ظهرت إلى جانبه في المناسبات الدولية. فالمرأة التي خرجت من مجتمع خليجي محافظ لتصبح وجهًا عالميًا لمشروع التعليم والتحديث القطري كانت جزءًا من صورة سياسية جديدة أراد حمد بن خليفة بناءها لدولته. في عهد حمد، لم تكن قطر تبحث عن الثروة فقط. كانت تبحث عن هوية. الإعلام كان له مشروعه عبر قناة الجزيرة. والسياسة الخارجية كانت تخوض مغامراتها من لبنان إلى السودان، ومن غزة إلى أفغانستان. والاستثمارات القطرية كانت تشتري حصصًا ومباني ونفوذًا في العواصم العالمية. أما موزا، فكانت تبني الجناح الآخر من الدولة: التعليم، والجامعات، والبحث العلمي، والثقافة. لم تكن خارج المشروع. كانت في قلبه. ومن داخل هذا المشروع نفسه، صعد أبناؤها. skip render: ucaddon_material_block_quote الوريث الأول قبل تميم، كان هناك ولي عهد آخر، الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني. في عام 1996، اختاره والده وليًا للعهد. وكان يُفترض، وفق المسار الطبيعي، أن يصبح أمير قطر المقبل. لكن المسار تغيّر. في عام 2003، خرج جاسم من ولاية العهد، وقَبِل حمد تنحّيه، ليتقدم اسم تميم. كانت لحظة حاسمة، ففي قصور الحكم، تغيير ولي العهد ليس تعديلًا إداريًا، إنه إعادة كتابة للمستقبل. ومنذ الخامس من آب/أغسطس 2003، لم يعد السؤال: من سيحكم قطر بعد حمد؟ أصبح الجواب معروفًا. تميم، ابن موزا. صدفة القصر؟ الرواية الرسمية قالت إن جاسم لم يكن راغبًا أصلًا في موقع ولاية العهد، وإنه قبل المهمة في ظروف حساسة. وقد يكون ذلك صحيحًا. لكن السياسة لا تكتفي بالنظر إلى أسباب خروج رجل. إنها تنظر أيضًا إلى هوية الرجل الذي دخل مكانه. لم يُختَر واحد من عشرات أبناء الأسرة، اختير تميم. لم يكن تميم ابنًا عاديًا في معادلة حمد العائلية. كان ابن الشيخة موزا، المرأة الأكثر حضورًا وتأثيرًا في مشروع الدولة الجديدة. من هنا، بدأت الحكاية… هل دفعت موزا باتجاه ابنها؟ هل استثمرت نفوذها لدى الأمير؟ هل كانت ترى أن أبناءها هم الأقدر على وراثة المشروع الذي شاركت في بنائه؟ لم يمنع الصمت الرسمي من قراءة صعود تميم في سياق نفوذ والدته داخل العائلة الحاكمة. وفي السياسة، لا تصنع الأدلة وحدها الصورة، أحيانًا يصنعها تسلسل الأحداث. مشروع موزا اللافت أن تميم لم يكن الابن الوحيد لموزا الذي صعد داخل قطر الجديدة. الشيخة المياسة أصبحت اسمًا ثقافيًا عالميًا، تقود الحضور القطري في عالم الفن والمتاحف، والشيخة هند برزت في ملف التعليم ومؤسسة قطر. وتميم وصل إلى الحكم. هل نحن أمام صدفة عائلية؟ أم أمام عائلة داخل العائلة نجحت في التمركز داخل أهم مفاصل القوة الناعمة والسياسية للدولة؟ هذا السؤال هو الذي جعل دور موزا مادة دائمة للتحليل. فالمشهد يوحي بأن المرأة لم تكن تبني المؤسسات فقط. كانت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تبني جيلًا قادرًا على وراثة المشروع. مشروع حمد، ومشروعها أيضًا. قد لا تكون موزا وضعت التاج على رأس تميم، لكنها كانت جزءًا من الطريق إليه الأم والنفوذ داخل العائلات الحاكمة، لا يُقاس النفوذ دائمًا بالمناصب. قد يكون القرب من الحاكم أهم من الوزارة، وقد يكون التأثير في القرارات العائلية أخطر من الظهور في مجلس الوزراء. وموزا كانت تتمتع بما لا يتمتع به كثيرون: القرب من حمد، والحضور الدولي، والشبكة المؤسسية، والقدرة على تقديم نفسها بوصفها شريكة في صناعة صورة قطر الحديثة. لذلك، عندما أصبح ابنها وليًا للعهد، لم يكن ممكنًا فصل الحدث عن موقعها. وعندما أصبح أميرًا، عاد السؤال بقوة أكبر: هل كان تميم خيار حمد وحده؟ ربما. لكن هل كانت موزا بعيدة عن صناعة هذا الخيار؟ يصعب سياسيًا تصديق ذلك. حمد يعرف القصر كان حمد يعرف جيدًا خطورة صراعات الحكم. هو نفسه وصل إلى السلطة عام 1995 بعد إزاحة والده الشيخ خليفة بن حمد، بينما كان خارج البلاد. وعاش بعد ذلك تداعيات الانقلاب، ومحاولات العودة، والانقسامات العائلية. كان يعرف ماذا يعني أن يبقى سؤال الخلافة مفتوحًا. ويعرف أيضًا أن الأمير الضعيف في بدايات حكمه يمكن أن يصبح رهينة لكبار رجال الدولة أو لأجنحة الأسرة. لهذا، عندما قرر تسليم الحكم إلى تميم، فعل ذلك بطريقة تكاد تكون عكس الطريقة التي وصل بها هو إلى العرش. لم ينتظر ابنه حتى ينقلب عليه، ولم يترك الأسرة تتصارع، ولم يترك المرض أو الشيخوخة يقرران اللحظة، اختار التوقيت بنفسه. إزالة الظل ثم حدث أمر آخر بالغ الأهمية. خرج الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني من رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية. كان حمد بن جاسم رجلًا بالغ القوة، مهندسًا للسياسة الخارجية، ووجهًا معروفًا في العواصم الغربية. وشريكًا أساسيًا في صناعة قطر التي عرفها العالم خلال عهد حمد. وجود رجل بهذا الحجم إلى جانب أمير في الثالثة والثلاثين كان يمكن أن يخلق سؤالًا خطيرًا: من يحكم فعلًا؟ تميم أم رجال والده؟ لكن حمد بن جاسم غادر الواجهة. وبقي الأمير الوالد خارج الحكم الرسمي. وظهر تميم منفردًا في القمة. كأن المسرح جرى تنظيفه قبل دخول البطل الجديد. عبقرية الخلافة الشكل الذي حصل فيه الانتقال السلس للسلطة يُظهر عبقرية هندسة الخلافة. مشهد لم نعهده في ممالك الخليج، ولا حتى في أعتق ديمقراطيات العالم. حمد لم يعطِ ابنه العرش فقط. أعطاه مساحة الحكم. أبعد عنه ظل الأب رسميًا. وغادر أحد أقوى رجال العهد السابق. وكان تميم قد أمضى أصلًا عشر سنوات في الاستعداد. أما موزا، فكانت موجودة داخل المشهد، لا كوصية معلنة، بل كأم لوريث جرى تثبيته سنوات طويلة، وكشريكة في مشروع الدولة التي ورثها. لم يكن هناك مجلس وصاية، لكن كانت هناك بيئة صُنعت بعناية. من اختار تميم؟ الجواب الرسمي واضح. حمد. لكن السياسة تسمح بسؤال آخر: من صنع الظروف التي جعلت تميم هو الخيار؟ هنا يصبح دور موزا أكثر إثارة. فهي لم تكن تملك توقيع
توقّف مصدرٌ اقتصاديٌّ صيداويٌّ مُخضرَم عند خبرِ توقيعِ وزارةِ الطاقةِ السوريّةِ يومَ الخميسِ الماضي اتفاقيّاتٍ نهائيّةً مع تحالفِ شركاتٍ دوليّةٍ تقودُه شركةُ أورباكون القابضةُ القطريّةُ، لإنشاءِ وتشغيلِ محطّاتٍ لتوليدِ الكهرباءِ بقدرةٍ إجماليّةٍ تبلغُ 5000 ميغاواط، تتضمّنُ إنشاءَ أربعِ محطّاتِ توليدِ كهرباءَ جديدة، إضافةً إلى مشاريعِ طاقةٍ شمسيّةٍ موزّعةٍ على أربعةِ مواقع. وقالَ المصدر «تخيَّل أنَّ سوريا الخارجةَ للتوِّ من حربٍ مدمِّرةٍ كارثيّة، استطاعت في أقلَّ من عامٍ التوصّلَ إلى بدايةِ حلولٍ جذريّةٍ ومستدامةٍ لمشكلةِ عدمِ توفُّرِ الكهرباءِ التي عانتْ منها لسنوات، بينما نحنُ في صيدا لا نزالُ تحتَ رحمةِ أصحابِ المولّدات، أمثالِ بوجي والعكّاوي وغيرِهما، من دونِ أيِّ أفقٍ لحلِّ هذه المشكلةِ في المدى القريبِ أو حتى البعيد».
لم يكن الهجومُ الإسرائيليُّ على قطر ومحاولةُ اغتيال قادة “حماس” حدثاً عابراً في مشهد الشرق الأوسط، بل محطةً فاصلةً تُهدِّد بإعادة رسم معادلات القوة والتحالفات، في ظلِّ ما طرحته من أسئلةٍ مصيريةٍ كُبرى: كيف ستردّ المنطقةُ على هذا الانفلات الإسرائيلي؟ وهل ما زالت “المظلّة الأميركية” للحماية كافية؟ وما مصير “الاتفاقيات الإبراهيمية” وسط هذا الزلزال؟ تبدو إسرائيل، في تصعيدها الأخير، كمن يراهن على منطق “القوة المطلقة”، فهي وجَّهت، باستهدافها لبلدٍ عربيٍّ له ثقله كقطر، رسالةً إلى كلِّ الشرق الأوسط بأنّها لا تعترف بأيِّ خطوطٍ حمراء، مع أنّها تعلم أنّ هذا “الجنون المحسوب” لن يمرّ مرور الكرام، وسيكون له تداعياتٌ وارتدادات. فرصة ذهبية في المقابل، لا يختلف اثنان على أنّ محور “الممانعة” يجد في ما تذهب إليه إسرائيل من تصعيد “فرصةً ذهبيةً”، لتوحيد المشاعر الشعبية العربية خلف خطابه، ولإعطائه مشروعيةً إضافيةً باعتباره يُقدِّم نفسه على أنّه “الجبهة الوحيدة” التي تُواجه أو تُقاوم إسرائيل، كما لو أنّ الأخيرة تنتشل محور “الممانعة” من مأزقه، وتهديه “أوراقَ قوة” من حيث لم يتوقّع!. ما حصل لا يقف عند حدود التصعيد العسكري فحسب، بل يضرب في الصميم الدور القطري كـ”وسيطٍ محوريّ” لوقف الحرب على غزّة وتخفيف مآسي شعبها، ومن شأنه تقويض أيّ وساطةٍ عربيةٍ محتملة، وإضعاف أحد المسارات القليلة التي كانت توفِّر متنفساً إنسانياً وسياسياً للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. الجنوح الإسرائيلي نحو التصعيد الدموي ينعكس سلباً على الولايات المتحدة الأميركية، ويضرب في الصميم ترشيح الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى “جائزة نوبل للسلام”، بعد سلسلةٍ من المبادرات الدبلوماسية التي قام بها تصعيد مفتوح كلّ ذلك يعني أنّ إسرائيل لا تريد حلولاً أو تسوياتٍ سلمية، بل تذهب إلى “تصعيدٍ مفتوح” يُضاعف من معاناة المنطقة، ويُواجه “إعلان نيويورك” الذي صدر عن المؤتمر الدولي الذي قادته المملكة العربية السعودية وفرنسا في تموز الماضي، وأقرّتْه قبل أيام، الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 142 صوتاً، من أجل تسويةٍ سلميةٍ تقوم على “حلّ الدولتين” وإقامة دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلّة. لا شكّ أنّ سياسات إسرائيل الحالية تضع مستقبل حكومة نتنياهو المتطرِّفة على المحكّ، وترهن استمرارها بمدى قدرتها على إدارة أزماتٍ متلاحقة من دون أن تنفجر في الداخل قبل الخارج. فالتصعيد المستمر، وإن كان يُرضي قواعد اليمين الإسرائيلي على المدى القصير، إلا أنّه يُفاقم الانقسامات الداخلية، ويُضعف صورة إسرائيل أمام حلفائها. بكلامٍ آخر، كلّما توسَّعت مغامرات حكومة نتنياهو العسكرية، كلّما اهتزّت شرعيتها في الداخل والخارج معاً. كما أنّ سياسات إسرائيل الحالية تضع أيضاً “الاتفاقيات الإبراهيمية” أمام اختبارٍ وجوديّ، خصوصاً وأنّها بُنيت على وعودٍ بالاستقرار والأمن والازدهار، ولكن، بعد ما حصل، هل تحوّلت هذه الاتفاقيات إلى عبءٍ على من وقّعها؟ وكيف يمكن إقناع الشعوب العربية بجدواها، إذا كانت إسرائيل نفسها قد تحوّلت إلى مصدر تهديدٍ مباشر لدولةٍ عربية مثل قطر؟! الهجوم على قطر أعاد بالمنطقة إلى مربّع “الأسئلة الكُبرى”: هل يستمرّ العرب في الاعتماد على “المظلّة الأميركية” أين أميركا؟ ولعلّ السؤال الذي يطرح نفسه: أين الولايات المتحدة الأميركية من كلِّ ما يحصل؟ في قراءةٍ لمطلعين على السياسة الأميركية تسنّى لي اللقاءُ بهم مؤخراً، فإنّ الجنوح الإسرائيلي نحو التصعيد الدموي ينعكس سلباً على الولايات المتحدة الأميركية، ويضرب في الصميم ترشيح الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى “جائزة نوبل للسلام”، بعد سلسلةٍ من المبادرات الدبلوماسية التي قام بها، من رعايته لـ”الاتفاقيات الإبراهيمية”، مروراً بجهوده لوقف النزاع الروسي – الأوكراني، ووساطته في إنهاء الحرب القصيرة بين الهند وباكستان، وصولاً إلى دعمه لمسار السلام بين أذربيجان وأرمينيا، ومحاولاته لإطفاء النزاع بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، وليس انتهاءً بمساعيه الأخيرة لوقف الحرب على غزّة. لا شكّ أنّ خسارة ترامب لـ”نوبل السلام”، إن حصلت، لا يمكن أن تُقاس، بأيّ شكلٍ من الأشكال، بخسارة الولايات المتحدة الأميركية المحتملة لـ”ثقة العرب” بـ”المظلّة الأميركية” كـ”ضمانةٍ للأمن”، إذا ما استمرّ “عجز واشنطن” عن كبح جماح إسرائيل نحو التصعيد، وإذا ما استمرت في تبريره، ولم تقم بأيّ فعلٍ يُلزم إسرائيل بـ”خطوط حمراء”، وبوقف حرب غزّة، وبالاستجابة لـ”إعلان نيويورك”. المربّع الوجودي المؤكَّد اليوم أنّ الهجوم على قطر أعاد بالمنطقة إلى مربّع “الأسئلة الكُبرى”:هل يستمرّ العرب في الاعتماد على “المظلّة الأميركية” إذا ما استمرّ الانحياز الأميركي المطلق إلى جانب إسرائيل، أم باتوا، اليومَ أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى، أقربَ إلى بناء منظوماتٍ أمنيةٍ مستقلّة قائمة على الردع الذاتي والتحالفات المتوازنة مع قوى كبرى كالصين وروسيا؟هل نشهد على تقاطعٍ عربيٍّ مع تركيا كقوةٍ إقليميةٍ لتشكيل “شبكة ردع” تُواجه أيَّ خطرٍ إسرائيليٍّ في المستقبل؟هل سيكون “الجنون الإسرائيلي” فرصةً لإعادة رسم اصطفافٍ استراتيجيٍّ بين دول المنطقة، أم بدايةَ فوضى بلا نهاية؟ ليس قدراً أن نستمرَّ كعربٍ بين "المطرقة الإسرائيلية" و"السندان الإيراني". جلّ ما نريده أن نتصدى، بما نملكه من أوراق قوة، لتلك "العربدة الإسرائيلية" التي يقطف ثمارها محور "الممانعة"، وخارطة الطريق إلى ذلك يجب أن تبدأ من القمّة العربية – الإسلامية الطارئة في الدوحة، بإعادة ترميم البيت العربي، وتفعيل "الدبلوماسية العربية الجماعية" في مواجهة كلّ من يُهدِّد أمن واستقرار الدول العربية، حماها الله وحفظها من كلّ شر. الأمين العام لـ"تيار المستقبل"