لماذا قال الله في كتابه العزيز ﴿كُن فَيَكُونُ﴾، ولم يقل: «كن فكان»؟ أليست «فكان» أقرب إلى الإخبار عن أن الأمر قد انتهى في لمح البصر؟ لو قال جل جلاله «كن فكان»، لكان فعل الماضي يوحي بأن الحدث وقع وانتهى، أما قوله ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ فيحمل معنى المضارع الذي يفتح الدلالة على التجدد والاستمرار. ليس المقصود أن الخلق يبدأ من جديد في كل ثانية، وإنما أن التعبير القرآني يرسم صورة بديعة لنفوذ أمر الله وقدرته التي لا تحتاج إلى المماطلة ولا إلى مراحل طويلة حتى يتحقق مرادها. كأن العالم لا يقف عند لحظة أولى ثم يُترك وحيداً، بل يبقى قائماً بأمر الله، متجدداً في سننه، جارياً وفق النظام الذي أودعه فيه. ﴿كُن فَيَكُونُ﴾؛ كاف الأمر ونون الوجود، وبينهما معنى هائل: حين يأتي الأمر الإلهي لا يحتاج الكون إلى اجتماع يبحث في إمكانية التنفيذ، ولا إلى لجنة تدرس جدوى القرار، ولا إلى تأجيل الجلسة إلى موعد لاحق. في «يكون» سر الحركة كل نباتات عالمنا تنمو الآن، وفي هذه اللحظة، وفق السنن التي أودعها الله فيها. قلوبنا، المحمية بين ضلوعنا، تنبض الآن من دون أن تستأذن وعينا في كل نبضة. والرئة لا تؤجل شهيقها حتى تتوافر الظروف المثالية، والشمس تشرق كل صباح في موعدها، والأرض تدور في مسارها، والماء يبحث عن مجراه، والحياة تمضي في شبكة هائلة من الأفعال المتتابعة. كل ذلك يذكرنا بأن الفطرة لا تعرف المماطلة بالطريقة التي يعرفها الإنسان. الفطرة تفعل ما خُلقت له. الشجرة لا تقضي سنوات في التفكير في أن تصبح شجرة، والطفل لا يضع خطة استراتيجية قبل أن يحاول المشي. يسقط، فينهض، ويحاول، ثم يسقط مرة أخرى، حتى يصبح ما كان مستحيلاً بالأمس حركة طبيعية في اليوم التالي. أما الإنسان، فكلما ازداد وعياً وتعقيداً، أصبح قادراً على اختراع ألف سبب لتأجيل خطوة واحدة. skip render: ucaddon_material_block_quote بين «سأفعل» و«فعلت» تضيع أشياء كثيرة كم مشروعاً بقي أسيراً لعبارة «سأبدأ قريباً»؟ وكم كتاباً لم يُكتب لأن صاحبه ظل ينتظر اللحظة المثالية؟ وكم اعتذاراً تأخر حتى فقد قيمته؟ وكم فكرة ماتت لأن صاحبها أمضى وقتاً أطول في التفكير فيها من الوقت الذي كان يحتاجه لتنفيذها؟ المشكلة ليست دائماً في نقص القدرة، بل في فائض التردد. نحن نخلط أحياناً بين التفكير والحركة، وبين التخطيط والمماطلة، وبين الصبر وتأجيل ما يجب فعله. هناك انتظار ناضج تفرضه طبيعة الأشياء، وهناك انتظار آخر لا يفعل شيئاً سوى منح الخوف اسماً أكثر أناقة. فالزرع يحتاج إلى موسمه، والشفاء يحتاج إلى وقته، وبناء الإنسان يحتاج إلى سنوات، لكن ذلك كله لا يعني أن نقف مكاننا ونسمّي الوقوف صبراً. الفطرة لا تفاوض نفسها انظر إلى الطبيعة وستكتشف أن الأشياء التي تعمل وفق فطرتها لا تحتاج إلى كل هذا التعقيد. حين يحين وقت البرعم، يظهر. وحين يحين وقت الثمرة، تنضج. وحين يأتي الليل، لا تدخل السماء في نقاش طويل حول ما إذا كانت ستظلم أم لا. وهنا يمكن أن نفهم «كن فيكون» بوصفها، بالنسبة إلينا، درساً تأملياً في معنى الفعل: لا تجعل الطريق إلى الشيء أطول من الشيء نفسه. افعل حين يحين وقت الفعل، وانتظر حين يكون الانتظار جزءاً من طبيعة الفعل، لا حين يكون مجرد غطاء للخوف أو العجز أو الحسابات الصغيرة. لو تعلّم السياسيون من شجر! ربما لا يوجد مكان يحتاج إلى هذا الدرس أكثر من السياسة اللبنانية، حيث يمكن لفكرة بسيطة أن تتحول إلى سنوات من النقاش، ولقرار واضح أن يضيع بين التصريحات واللجان والتوازنات والوعود، حتى يصبح التأجيل نفسه جزءاً من آلية الحكم. ليس العيب في التشاور، ولا في المؤسسات، ولا في اختلاف الآراء، فهذه كلها من ضرورات السياسة. العيب يبدأ عندما تتحول الوسائل إلى بدائل عن الغاية، وعندما يصبح الاجتماع بديلاً عن القرار، واللجنة بديلاً عن التنفيذ، والبيان بديلاً عن الفعل. هناك في لبنان من يستطيع أن يتحدث عن الحل لساعات، لكنه يحتاج إلى أشهر كي يقرر من أين يبدأ. والأكثر سخرية أن الطبيعة المحيطة بنا تنجز في صمت ما تعجز عنه السياسة وسط كل هذا الضجيج. الشجرة التي زرعها ذلك الفتى مع جده لن تحتاج إلى مؤتمر وطني كي تكبر، ولن تنتظر توافقاً سياسياً كي تمد جذورها في الأرض، ولن تؤجل إخراج ورقة جديدة لأنها لم تحصل بعد على توقيع الأطراف المعنية. إنها ببساطة تفعل ما ينبغي لها أن تفعله. الطبيعة تنجز في صمت، والسياسة اللبنانية تفشل في ضجيج «يكون» ليست دعوة إلى الاستعجال لكن درس «كن فيكون» ليس دعوة إلى العجلة أو الفوضى، وليس معناه أن كل شيء في حياة الإنسان يجب أن يحدث فوراً. فالله جعل للكون سنناً ومراحل ومواقيت، وجعل للنضج زمناً وللزرع موسماً وللإنسان رحلة. المعنى الأعمق أن نعرف الفرق بين الانتظار الذي تصنعه الحكمة، والانتظار الذي تصنعه المماطلة. بين الاثنين مسافة أخلاقية وعملية هائلة. قد يكون المطلوب أحياناً أن نصبر، لكن ليس المطلوب أن نتخذ من الصبر حجة كي لا نتحرك. وقد نحتاج إلى التخطيط، لكن التخطيط الذي لا ينتهي إلى فعل يتحول في لحظة ما إلى شكل آخر من أشكال الهروب. ولذلك تبدو ﴿كُن فَيَكُونُ﴾، في تأملها، أكثر من تركيب لغوي بديع؛ إنها تفتح أمام الإنسان سؤالاً عن علاقته بالفعل والزمن والانتظار. فبين «سوف أفعل» و«فعلت» يمكن أن تضيع أعمار كاملة. أما الفطرة، فلا تعرف كل هذا الالتفاف. إنها تنمو، وتتنفس، وتنبض، وتشرق، وتمضي. وربما كان السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نسأله لأنفسنا ليس: لماذا لا يحدث ما نريد بسرعة؟، بل: كم مرة كان يمكن أن يحدث، لو أننا توقفنا عن تأجيله؟ skip render: ucaddon_box_testimonial
بعد أشهر من الشدّ والجذب داخل البلدية، حُسم الصراع إداريًا، قائد شرطة بلدية صيدا خارج دائرة القرار، وصلاحياته تنتقل إلى أمين السر تحت إشراف مباشر من العضو وائل قصب المكلّف بملف إزالة المخالفات. انتهت مرحلة المساكنة المتوترة بين رئيس البلدية مصطفى حجازي وقائد شرطتها بدر القوّام. فبعد سلسلة طويلة من الخلافات والمماحكات، بعضها بقي خلف الأبواب وبعضها خرج إلى العلن، حسم حجازي المواجهة بقرار إداري قد لا ينتظر موافقة من المجلس. القرار يفتح فصلًا جديدًا داخل البلدية، التي تعيش أصلًا أزمة داخلية مركبة تتداخل فيها الخلافات على الصلاحيات والإدارة وآليات اتخاذ القرار. وبينما يرى فريق أن الخطوة قد تزيد التوتر داخل البلدية وتعمّق الانقسامات القائمة، يعتبر مطّلعون أن إبعاد القوّام قد يكون المدخل الضروري لإعادة ضبط جهاز الشرطة البلدية بعد مرحلة طويلة من الترهل والتراخي وتراجع الفاعلية.
في السياسة تُقال عبارة مألوفة: «المعرفة قوة». وهي صحيحة إلى حدٍّ بعيد. فالمعلومة تمنح صاحبها قدرة على الفهم، والفهم يمنحه قدرة على التأثير، والتأثير يفتح باب القرار. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المعرفة إلى وسيلة للنفوذ فقط. في المنطق القرآني، المعرفة ليست امتيازًا بلا تبعة. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾. أي إن ما نسمعه ونراه وندركه لا يبقى خارج دائرة المحاسبة. ماذا نفعل؟ سياسيًا، تختصر هذه الآية سؤالًا بالغ الأهمية: ماذا نفعل بما نعرف؟ هذا السؤال أكثر أهمية من كمية المعلومات التي نملكها، لأن السياسة لا تُقاس فقط بقدرة المسؤول على قراءة الوقائع، بل بقدرته على تحويل هذه القراءة إلى قرار يخدم الناس ويحصّن الدولة. من هذه الزاوية يمكن النظر إلى جانب أساسي من تجربة الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ففي جوهر مشروعه، لم تكن معرفة العالم ترفًا، ولم يكن الانفتاح على الخارج خروجًا من لبنان، بل محاولة لوضع لبنان داخل حركة العالم. كانت الفكرة تقوم على أن بلدًا صغيرًا ومفتوحًا مثل لبنان لا يستطيع أن يبني مستقبله بعقل منغلق، ولا أن يحمي مصالحه من دون أن يفهم الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية والتحولات الإقليمية. المعرفة هنا لم تكن هدفًا بحدّ ذاتها، بل مدخلًا إلى الفعل: تعليم، إعمار، علاقات، استثمار، مؤسسات، وفرص. وهذا هو الفارق بين من يستخدم المعرفة لكي يتفوّق على خصمه، ومن يستخدمها لكي يبني. في الحياة السياسية اللبنانية، كثيرًا ما تُستهلك المعرفة في الصراع: من يعرف أكثر عن خصمه؟ من يمتلك معلومات أدق؟ من يستطيع أن يحرجه أو يحاصره أو يسبقه بخطوة؟ لكن الدولة لا تُبنى بهذه العقلية وحدها. الدولة تحتاج إلى معرفة من نوع آخر: معرفة حاجات الناس، وتحولات المجتمع، وأرقام الاقتصاد، ونقاط ضعف الإدارة، واتجاهات العالم، وموقع لبنان داخل كل ذلك. من دون هذه المعرفة تصبح السياسة ارتجالًا، ومن دون المسؤولية تصبح المعرفة نفسها انتهازية. skip render: ucaddon_material_block_quote استعادة الإرث لهذا، فإن استعادة الإرث الحريري لا ينبغي أن تقتصر على استحضار الاسم أو الحنين إلى مرحلة سياسية بعينها، بل على استعادة منهج في التفكير: أن تعرف الواقع قبل أن تتحدث عنه، وأن تفهم التحولات قبل أن تتخذ موقفًا منها، وأن تضع المصلحة العامة قبل استخدام المعلومة في الصراع. هذه مسؤولية تنطبق على كل عمل سياسي، لكنها تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى تيار المستقبل، إذا أراد أن يعيد تعريف دوره انطلاقًا من إرثه السياسي والفكري. المطلوب ليس فقط خطابًا يعرف ماذا يريد الناس أن يسمعوا، بل عقل سياسي يعرف ماذا يحتاج البلد أن يفعل. الفرق كبير بين السؤالين؛ الأول ينتج شعبوية، والثاني قد ينتج دولة. لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الصراخ بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الفهم. لا يحتاج فقط إلى من يصف أزماته، بل إلى من يعرف كيف يقرأ أسبابها وتداخلاتها، ثم يقدّم خيارات قابلة للحياة. حين تصبح المعرفة تكليفًا، تبدأ السياسة بالخروج من منطق النفوذ إلى منطق الخدمة ولهذا، قد يكون أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في السياسة اللبنانية اليوم هو الانتقال من: «ماذا نعرف لكي نغلب؟» إلى: «ماذا نعرف لكي نخدم؟». في السؤال الأول، المعرفة سلاح، وفي الثاني، المعرفة أمانة. وربما هنا يكمن أحد الفروق الأساسية بين السياسي ورجل الدولة. السياسي قد يعرف كيف يستخدم اللحظة. أما رجل الدولة، فعليه أن يعرف كيف يقرأ ما بعدها. وهذا، في أحد أعمق معانيه، ما يجعل المعرفة مسؤولية لا امتيازًا. فالمشكلة ليست أن نعرف أقل، بل أن نعرف، ثم نتصرف كأننا لا نعرف. skip render: ucaddon_box_testimonial