لم تكن الغارة الإسرائيلية على سوريا مجرد عملية عسكرية جديدة في سماء مفتوحة أمام الطائرات الإسرائيلية، بل كادت تتحول إلى لحظة مواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا، في واحدة من أخطر إشارات التحول في التوازنات الإقليمية بعد سقوط نظام بشار الأسد. الرواية التي نقلها المبعوث الأميركي الخاص توم باراك تكشف أن إسرائيل تلقت معلومات استخباراتية تفيد بأن تركيا ربما كانت تنقل أصولًا عسكرية إلى قاعدة جوية سورية. لكن واشنطن تحققت من المعلومات، وخلصت إلى أن ذلك لم يحدث. والأهم أن المخاوف الإسرائيلية كانت قد دخلت بالفعل في مسار اتصالات دبلوماسية، بينها مباحثات غير معلنة استمرت ساعتين بين وزير الخارجية السوري ورئيس الموساد. ثم، رغم ذلك، أقلعت الطائرات الإسرائيلية وضربت مدارج سورية من دون إخطار واشنطن أو أنقرة. هنا تحديدًا يتغير معنى الضربة. خطر الاعتراض بالنسبة إلى إسرائيل، كانت العملية ضربة وقائية. أما بالنسبة إلى تركيا، التي أصبحت لاعبًا عسكريًا وسياسيًا رئيسيًا داخل سوريا الجديدة، فقد بدت الطائرات الإسرائيلية المتجهة إلى أهداف سورية تهديدًا لا يمكن تجاهله. وفي لحظة كهذه، قد لا يحتاج اندلاع الحرب إلى قرار سياسي مسبق؛ يكفي سوء تقدير واحد، أو قراءة خاطئة لمسار الطائرات، أو قرار اعتراض يُتخذ خلال دقائق. ولو أقلعت مقاتلات تركية لاعتراض الطائرات الإسرائيلية، لكان الشرق الأوسط أمام مواجهة غير مسبوقة بين دولتين ترتبط كل منهما بعلاقة استراتيجية مع واشنطن، فيما تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي. وهذا ليس تفصيلًا عسكريًا، بل مشكلة أميركية بامتياز. فواشنطن، التي تحاول إدارة شبكة معقدة من التحالفات في المنطقة، كانت ستجد نفسها أمام احتمال صدام بين حليفين لا يمكن التضحية بأحدهما بسهولة. skip render: ucaddon_material_block_quote خطأ أم اختبار؟ السؤال الأكثر إثارة ليس كيف كادت المواجهة تقع، بل لماذا سمحت إسرائيل لها بأن تقترب إلى هذا الحد. طرح باراك احتمالين: الأول، انهيار خطير في التواصل بين الموساد والجيش الإسرائيلي ومكتب بنيامين نتنياهو؛ والثاني، أن الإسرائيليين كانوا يستدرجون الأتراك إلى رد فعل عسكري. الاحتمال الثاني أكثر خطورة، لكنه ربما أكثر انسجامًا مع منطق السلوك الإسرائيلي في المنطقة. فإسرائيل لا تنظر إلى سوريا الجديدة باعتبارها مجرد دولة خارجة من حرب أهلية، بل باعتبارها جزءًا من البيئة الاستراتيجية التي ستحدد قدرتها على التعامل مع إيران في السنوات المقبلة. ولذلك فإن المسألة، بالنسبة إلى تل أبيب، ليست فقط مَن يحكم دمشق، بل مَن يملك السماء السورية، ومَن يستطيع بناء بنية عسكرية فيها، ومَن يمكنه تحويل الأراضي السورية إلى منصة نفوذ تمنع إسرائيل من الاحتفاظ بحرية الحركة التي بنتها خلال السنوات الماضية. مشروعان إقليميان هنا يظهر الصراع الحقيقي. تركيا تريد سوريا مستقرة، ذات مؤسسات أمنية وعسكرية قابلة للحياة، وتريد أن تكون لاعبًا مركزيًا في إعادة بناء الدولة الجديدة وحمايتها. أما إسرائيل فتريد سوريا لا تشكل تهديدًا عسكريًا، ولا تسمح بوجود منظومات أو قواعد يمكن أن تقيد حرية الطيران الإسرائيلي أو تحول المجال السوري إلى حاجز أمام الوصول إلى إيران. إنها ليست مواجهة على قاعدة جوية سورية فحسب، بل صراع على تعريف سوريا نفسها: هل تكون دولة ذات سيادة وقوة عسكرية تحمي مجالها، أم مساحة أمنية مفتوحة أمام القوى الإقليمية لإدارة مصالحها؟ ومن هنا تصبح تركيا مشكلة بالنسبة إلى إسرائيل، ليس لأنها تركيا، بل لأنها القوة التي يمكن أن تملأ الفراغ الذي تركه الأسد، وتعيد بناء قدرة عسكرية سورية مرتبطة، بدرجات مختلفة، بالنفوذ التركي. الطريق إلى إيران الاعتبار الإيراني هو المفتاح الذي يجعل السلوك الإسرائيلي أكثر قابلية للفهم. فإذا كانت إسرائيل تريد الاحتفاظ بما وصفه باراك بـ«خط رؤية واضح نحو إيران»، فإن أي قوة عسكرية قادرة على ترسيخ وجودها في سوريا قد تتحول مستقبلًا إلى عائق استراتيجي. ولذلك فإن إسرائيل لا تريد فقط منع عودة إيران إلى سوريا، بل تريد أيضًا منع ظهور قوة أخرى يمكن أن تحدّ من هامشها العسكري. وهنا تكمن المفارقة الجيوسياسية: إسرائيل، التي تخوض مواجهة استراتيجية مع إيران، قد تجد نفسها في مواجهة غير مباشرة مع تركيا بسبب الطريقة التي تريد بها أنقرة إعادة تشكيل سوريا. لقد تغيرت الخريطة، لكن عقلية الصراع لم تتغير. السماء الأخطر الأخطر أن ما حدث قد لا يكون حادثًا معزولًا. فكلما توسع الدور التركي داخل سوريا، وكلما رسخت إسرائيل وجودها العسكري في المجال السوري، ضاقت المساحة بين النفوذين. وفي منطقة اعتادت أن تبدأ فيها الحروب من سوء تفاهم صغير، تصبح السماء أخطر من الأرض؛ لأن قرار إطلاق النار فيها قد يُتخذ خلال ثوانٍ، بينما يحتاج القرار السياسي لوقف الحرب إلى أيام. لهذا، فإن السؤال الحقيقي بعد هذه الحادثة ليس ما إذا كانت إسرائيل وتركيا كادتا تخوضان حربًا، بل ما إذا كانتا تتجهان، من دون إعلان، إلى صراع على سوريا. إذا كان ما حدث مجرد خلل في التنسيق، فقد تكون الأزمة قابلة للاحتواء. أما إذا كان اختبارًا إسرائيليًا لحدود النفوذ التركي، فإن الشرق الأوسط دخل مرحلة أكثر خطورة: مرحلة لم تعد فيها سوريا ساحة صراع بين قوى محلية وإقليمية متنافسة، بل أصبحت نقطة تماس مباشرة بين مشاريع دول تملك جيوشًا قوية، وطائرات مقاتلة، وحسابات استراتيجية متعارضة. skip render: ucaddon_box_testimonial
يرتكز النموذج اللبناني على معادلة ثنائية تعيد إنتاج الأزمة ذاتها: تثبيت 33% من المقيمين تحت خط الفقر المُذلّ، بالتوازي مع اعتماد أعمى على تحويلات المغتربين التي تشكّل 33% من الناتج المحلي الإجمالي! هذه الأرقام المتطابقة ليست مصادفة إحصائية، بل هي النتيجة الحتمية لهندسة اقتصادية واجتماعية متعمّدة تُديرها طبقة حاكمة مؤلّفة، في غالبيتها، من أمراء الحرب الأهلية السابقين والمستفيدين من السلم المشوّه. طمس الجريمة لقد نجحت هذه المنظومة في تحويل الهجرة من خسارة بشرية إلى أداة بقاء سياسي واقتصادي، متستّرة وراء خطابات «المعجزة الفينيقية والانتشار العبقري» لطمس جريمة تفريغ البلاد وتدمير مقدّراتها الإنتاجية. في ظل انهيار مالي صُنّف ضمن الأشد عالمياً منذ منتصف القرن التاسع عشر، لا يمكن قراءة تحويلات المغتربين كدليل عافية، بل هي «شريان الحياة الأخير» الذي تحوّل إلى آلية لتأبيد الأزمة. تلقّى لبنان، خلال السنوات الماضية، مليارات الدولارات كتحويلات جارية. غير أن هذه التدفقات النقدية الضخمة لم تجد طريقاً إلى الاستثمار الإنتاجي أو بناء بنية تحتية قادرة على توليد فرص العمل. وبدلاً من ذلك، استُنزفت بالكامل لتمويل العجز التجاري المزمن وشراء السلع المستوردة، ما يعني إعادة ضخ هذه الأموال مباشرة في جيوب «كارتيلات» الاستيراد والاحتكارات التي تسيطر عليها أطراف السلطة. هذا الواقع يصفه الخبير الاقتصادي والوزير السابق شربل نحاس بأنه «تحويل للمجتمع اللبناني إلى مجتمع مُعال». هكذا تصبح الأسر المقيمة بمثابة «رهائن» أو أسرى داخل نظام اقتصادي مغلق، لا يمكنها البقاء من دون دعم مالي خارجي يؤمّن كلفة المعيشة الأساسية التي باتت تفوق الحد الأدنى للأجور بأضعاف مضاعفة. تحويلات المغتربين هنا لا تساهم في النمو، بل تؤدي وظيفة «المخدّر المالي» الذي يمنع الانفجار الاجتماعي الشامل، ويُعفي الطبقة الحاكمة من مسؤولية المحاسبة أو القيام بأي إصلاح بنيوي حقيقي. skip render: ucaddon_material_block_quote استراتيجية أمراء الحرب ليست البنية الريعية للاقتصاد اللبناني عيباً تقنياً طرأ بالصدفة، بل هي خيار واعٍ رسّخته النخبة السياسية الحاكمة منذ اتفاق الطائف. يشير المؤرخ والباحث فواز طرابلسي إلى أن التشخيص السائد، الذي يحصر المشكلة في «الفساد السياسي» فقط، يطمس طبيعة السلطة الاقتصادية العميقة وعلاقتها العضوية بالمحاصصة الطائفية. تتمثّل هذه الاستراتيجية في النقاط التالية: الربح في الحرب والسلم: إذ تتربّح هذه الطبقة عبر تغذية النزاعات لتعزيز نفوذها الطائفي، ثم تتربّح بعد الحروب عبر صفقات إعادة الإعمار، والهندسات المالية، والمضاربات العقارية التي تدر أرباحاً هائلة من دون خلق أي قيمة مضافة. تدمير القطاعات المنتجة: فقد أدى التركيز على الاستدانة والفوائد المرتفعة تاريخياً إلى تدمير ممنهج لقطاعات الزراعة والصناعة، وتحويل الاقتصاد إلى هيكل ريعي استهلاكي بالكامل. الهجرة كصمام أمان سياسي: فهذه السلطة تدرك أن بقاء الشباب العاطل عن العمل والمسلّح بالوعي داخل البلاد يمثّل تهديداً مباشراً لاستمرارها؛ لذا يصبح التحريض غير المباشر على الهجرة أداة لتصدير الأزمات وتفريغ الشارع من طاقاته التغييرية. خديعة «المعجزة الفينيقية»! تمارس المنظومة الحاكمة وإعلامها التابع عملية تضليل أيديولوجي كبرى عندما تطلق على موجات الهجرة القسرية مصطلحات مثل «الانتشار اللبناني العبقري»، وتربطها بـ«الأمجاد الفينيقية». هذا القياس التاريخي ينطوي على مغالطة فاضحة وعميقة، إذ إن النموذج الفينيقي كان قائماً على التوسع التجاري وإنشاء مراكز اقتصادية مزدهرة انطلاقاً من مدن-دول قوية ومنتجة، حيث كانت الهجرة تعزّز ثروة الحواضر الأساسية وبنيتها التحتية. بينما يمثّل النموذج اللبناني الحالي نقيضاً تاماً، فهو قائم على تصفية التراكم المؤسساتي والإنتاجي المحقّق على مدار قرن كامل. الهجرة هنا ليست دليلاً على العبقرية، بل هي نزيف بشري حاد وخسارة فادحة لرأس المال البشري «هجرة أدمغة»، حيث تفيد استطلاعات الرأي والبيانات بأن النسبة الأكبر من المهاجرين هم من فئة الشباب وحملة الشهادات الجامعية. إن ترحيل أكثر من 700 ألف مواطن في غضون سنوات قليلة ليس إنجازاً تاريخياً، بل هو عملية «تطهير طبقي وديمغرافي» ناعمة، يتم فيها استبدال الكفاءات الوطنية الشابة بنظام يعتمد على المساعدات والتدفقات الخارجية لتغطية الانهيار التام في الركائز الأساسية كالتعليم والطبابة والخدمات العامة. بلد يصدّر العقول ليستورد السلع لا يبني اقتصاداً، بل يدير انهياره البنية الريعية… ماذا لو كانت ريعاً؟ تساهم هذه السياسات في تعميق الفقر النقدي وتوسيع الفجوات الاجتماعية. وتبرز فوارق شاسعة بين الاقتصاد الوطني المبني على الإنتاج والتنمية، والاقتصاد الريعي اللبناني المُدار بواسطة قوى المحاصصة. في النموذج الأول، يكون الهدف الأساسي هو بناء مؤسسات رسمية، وتحقيق توازن ديمغرافي، ودعم القطاعات المنتجة، واعتبار الهجرة استنزافاً للطاقات الوطنية يجب الحد منه بخلق فرص عمل، والإفادة من تحويلات المغتربين من أجل توجيهها نحو الاستثمارات الصناعية والزراعية والتكنولوجية، وبالتالي توسيع الطبقة الوسطى وتقليص معدلات الفقر والبطالة. في الاقتصاد الريعي الحالي، ماذا يحصل؟ تعظيم أرباح رأس المال المصرفي والعقاري والريوع الاحتكارية، وتشجيع الهجرة كآلية لجلب الدولارات وتصدير المشكلات الاجتماعية، وتمويل مستمر لعجز الميزان التجاري واستهلاك السلع المستوردة، ما أدى إلى دفع ثلث الشعب إلى الفقر المدقع وتعميق اللامساواة. الشريان الأخير… بخطر! إن الاستمرار في هذا المسار الانحداري لم يعد ممكناً، حتى ضمن الحسابات الريعية نفسها. تشير التقارير الاقتصادية الحديثة الصادرة عن البنك الدولي إلى أن «شريان الحياة الأخير» بات في خطر حقيقي. مع التباطؤ الاقتصادي العالمي، والتشظي الجيوسياسي، والتغيرات الهيكلية في أسواق العمل الخليجية والعالمية، بدأت تحويلات المغتربين تشهد تراجعات تدريجية ملحوظة. في اقتصاد هش ومنهار كالاقتصاد اللبناني، فإن أي تراجع إضافي في هذه التحويلات بنسب تتراوح بين 10% و15% كفيل بإطلاق آثار متسلسلة مدمّرة، إذ يفتقر البلد اليوم إلى القدرة المؤسسية أو الحيّز المالي لاستيعاب أي صدمات جديدة، أو حتى استيعاب العائدين. الخروج من «قدر الـ33%» يقتضي قطيعة كاملة وجذرية مع عقيدة الاقتصاد الحر المتوحّش والمضاربات المالية التي حكمت البلاد لعقود. إن الإنقاذ لا يبدأ من انتظار قروض خارجية جديدة أو الرهان على زيادة أموال المغتربين، بل يمر حتماً عبر: فرض ضريبة تصاعدية، وإعادة هيكلة جذرية للقطاع المالي والمصرفي، لتوزيع الخسائر بشكل عادل يطال أصحاب الرساميل الكبرى والريوع. استعادة الدولة دورها الناظم في توجيه الموارد نحو اقتصاد إنتاجي حقيقي يثبّت الشباب في أرضهم. تفكيك الاحتكارات التجارية و«كارتيلات الطوائف» التي تقتات على دماء المقيمين وتحويلات المهاجرين. skip render: ucaddon_box_testimonial
في ذكرى مولد رسول الله محمد ﷺ، لا يعود السؤال: ماذا نقول في رجلٍ غيّر وجه التاريخ؟ بل يصبح السؤال الأعمق: ماذا بقي من سياسته في طريقة بنائنا للأوطان؟ فالمولد النبوي ليس ذكرى عابرة في الروزنامة. إنه تذكير بأن أعظم التحولات في التاريخ لم تبدأ من القصور، بل بدأت من الإنسان. وأن السياسة حين تنفصل عن الإنسان تتحول إلى صراع على السلطة، أما حين تتصل به فتصبح فنًا من فنون الرحمة والعمران. وهنا تكمن عظمة «السياسة المحمدية». لم تكن سياسة السيطرة على الناس، بل سياسة إخراج الإنسان من الخوف إلى الأمان، ومن التنازع إلى الاجتماع، ومن العصبية إلى المواطنة، ومن الفوضى إلى العمران. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، والرحمة هنا ليست شعورًا عاطفيًا، إنها منهج في إدارة الحياة. فالسياسة التي لا تحفظ كرامة الإنسان ليست سياسةً ناجحة، ولو ربحت الانتخابات. والدولة التي لا تمنح مواطنيها الأمان والعدالة والفرصة ليست دولةً مكتملة، ولو امتلكت أفخم المؤسسات. والوطن الذي يربح فيه فريق ويخسر فيه الوطن كله ليس وطنًا يُبنى، بل ساحةٌ لإدارة الخسائر. تحويل الاختلاف من فتنة إلى ثراء من أعظم ما فعله النبي ﷺ أنه لم يحاول صناعة مجتمع بلا اختلاف، بل صنع مجتمعًا يعرف كيف يعيش اختلافه دون أن يقتل نفسه. وهذه فلسفة سياسية بالغة العمق. فالمدينة لم تُبنَ بإلغاء مكوّناتها، بل بتنظيم العلاقة بينها على قاعدة الحقوق والواجبات والعهد المشترك. وهنا يمكن فهم السياسة المحمدية باعتبارها انتقالًا من منطق: مَن يحكم مَن؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف نحكم معًا؟ وهذه النقلة هي جوهر بناء الدول الحديثة. فالأوطان لا تستقر عندما ينتصر فيها فريق على فريق، وإنما عندما يشعر الجميع أن الدولة ليست غنيمة أحد، بل ملكية معنوية مشتركة لجميع أبنائها. ومن هنا يصبح الحوار ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية. ويصبح الاعتدال ليس ضعفًا، بل قوة استراتيجية. ويصبح التواصل مع الآخر ليس تنازلًا، بل شرطًا لبقاء الوطن. skip render: ucaddon_material_block_quote من الرحمة إلى العمران السياسة المحمدية لم تكتفِ بصناعة مجتمع متراحم، بل أسست لفكرة العمران. فالإنسان الذي يأمن على نفسه يستطيع أن يعمل، والذي يعمل يستطيع أن ينتج. والذي ينتج يستطيع أن يبني، والذي يبني يستطيع أن يعطي وطنه معنى. وهكذا تصبح الرحمة سياسة اقتصادية واجتماعية بقدر ما هي قيمة أخلاقية. من هنا يمكن أن نفهم المشروع الذي حمله الرئيس الشهيد رفيق الحريري بوصفه محاولة لإعادة تعريف السياسة اللبنانية من خلال إعادة بناء الإنسان والدولة والاقتصاد معًا. فلم تكن رؤيته للبنان قائمة على إدارة الانقسام، بل على إعادة وصل ما انقطع. كان يرى أن لبنان لا يستطيع أن يعيش على ذاكرة الحرب، وأن المستقبل لا يُبنى بالثأر من الماضي، وإنما بتحويل آثار الماضي إلى درسٍ للمستقبل. ولهذا كان إعمار بيروت بالنسبة إليه أكبر من إعادة بناء الحجر. كان المعنى الأعمق: إعادة بناء فكرة الدولة في الوعي اللبناني. من سياسة الخراب إلى فلسفة الإعمار كان يمكن لرفيق الحريري أن يتعامل مع السياسة باعتبارها ميزان قوى، لكنه اختار أن يتعامل معها باعتبارها ميزان مصالح وطنية. وهنا يكمن الفارق بين رجل سياسي ورجل دولة. السياسي قد يسأل: ماذا أربح اليوم؟ أما رجل الدولة فيسأل: ماذا يبقى للوطن غدًا؟ في هذه النقطة تحديدًا يلتقي مشروع رفيق الحريري مع جوهر السياسة المحمدية: النظر إلى المستقبل باعتباره أمانة لا غنيمة. فالنبي ﷺ لم يبنِ جماعةً تعيش على لحظة الانتصار، بل أمةً تستطيع أن تستمر بعده. ورفيق الحريري لم يكن يريد للبنان أن يعيش على أمجاد الماضي، بل أن يمتلك قدرةً جديدة على إنتاج المستقبل. الإنسان أولًا إذا كان ثمة كلمة تختصر السياسة المحمدية، فهي: الإنسان. وإذا كان ثمة كلمة تختصر فلسفة رفيق الحريري في الحكم، فهي أيضًا: الإنسان. المدرسة، الجامعة، المستشفى، الطريق، المطار، الاقتصاد، فرص العمل، إعادة الإعمار، الانفتاح على العالم… كلها، في النهاية، ليست غايات منفصلة. إنها أدوات لإعادة الإنسان إلى مركز المشروع الوطني. وهنا يصبح التعليم سياسة وطنية، والاقتصاد سياسة اجتماعية، والإعمار سياسة مصالحة، والانفتاح سياسة سيادية. لأن الدولة القوية ليست التي تجعل المواطن يخاف منها، بل التي تجعل المواطن يثق بها. الوطن لا يُبنى بالمنتصرين هنا ربما يكمن الدرس الأكثر أهمية للبنان اليوم. لا يمكن بناء وطن دائم على قاعدة «أنا ربحت وأنت خسرت»، فكل انتصار فئوي في بلد متنوع يحمل داخله احتمال هزيمة الوطن، أما السياسة الوطنية الحقيقية فتبحث عن معادلة مختلفة: أن يربح لبنان، فيشعر الجميع أن لهم مكانًا في انتصاره. هذا هو المعنى العميق للحوار، فالحوار ليس أن نتفق على كل شيء، بل أن نتفق على أن اختلافنا لا يبيح إسقاط الوطن. وهذه واحدة من أعمق الدروس التي يمكن أن نستخلصها من السيرة النبوية: أن بناء الجماعة لا يحتاج إلى تطابق أبنائها، بل يحتاج إلى عدلٍ يحفظ اختلافهم، وعهدٍ يحفظ اجتماعهم. السياسة التي تنظر إلى الأفق كان مشروع رفيق الحريري، في جوهره، مشروع انتقال: من لبنان الحرب إلى لبنان الدولة، من اقتصاد الانهيار إلى اقتصاد الفرص، من بيروت المهدمة إلى بيروت التي تستعيد دورها، من الانغلاق إلى الانفتاح، ومن منطق التسويات المؤقتة إلى محاولة بناء دولة قادرة على الاستمرار. ولهذا فإن استحضار رفيق الحريري في ذكرى المولد النبوي ليس استحضارًا لشخصية سياسية فحسب، بل استحضار لفلسفة في الحكم. فحين تكون السياسة رحمة، يصبح إعمار البلد عبادةً وطنية بمعناها الأخلاقي. وحين يكون الإنسان هو الغاية، يصبح الاستثمار في التعليم والصحة والعمل والاستقرار أولوية لا شعارًا. وحين يكون الوطن هو المقصد، يصبح الاعتدال شجاعة، والحوار قوة، والتواصل مسؤولية. السياسة التي تنفصل عن الإنسان تتحول إلى صراع على السلطة، أما حين تتصل به فتصبح رحمةً وعمرانًا من المدينة المنورة إلى بيروت في المدينة المنورة تأسست فكرة أن المجتمع يستطيع أن يتحول من جماعات متفرقة إلى جماعة سياسية لها عهد وحقوق ومسؤوليات. وفي بيروت التي أرادها رفيق الحريري، كان التحدي هو تحويل مدينة أنهكتها الحرب إلى مساحة للحياة والتلاقي والانفتاح. المسافتان التاريخيتان مختلفتان، ولا يجوز الخلط بينهما. لكن المعنى الإنساني واحد: العمران يبدأ حين تتوقف السياسة عن إنتاج الخوف. فالمدينة ليست أبنية، والدولة ليست مؤسسات فقط، والوطن ليس خريطة. إنها كلها، في النهاية، علاقة ثقة بين الإنسان والمكان والآخر. وهذا ما يجعل السياسة المحمدية، في بعدها الأخلاقي، قادرة على أن تكون درسًا دائمًا في بناء الأوطان. المولد: مناسبة لمراجعة السياسة لا لتجميلها في ذكرى المولد النبوي الشريف، ربما علينا أن نسأل أنفسنا: هل سياستنا اليوم تزيد الناس أمنًا أم خوفًا؟ هل تزيدهم أملًا أم إحباطًا؟ هل تجمعهم أم تفرّقهم؟ هل تفتح أمام الشباب أبواب المستقبل أم تدفعهم إلى الهجرة؟ هل تجعل الدولة مرجعًا للجميع أم تجعل كل جماعة تبحث عن مرجع خارج الدولة؟ هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تُطرح في ذكرى