منذ أكثر من عشرين يومًا، تعيش عائلات لبنانية، بينها عائلات صيداوية معروفة، حالة من القلق الشديد بعد توقيف أربعة شبان لبنانيين في المملكة العربية السعودية، من دون اتضاح الأسباب أو الإعلان عن أي تهمة بحقهم حتى الآن. وبحسب معلومات حصلت عليها صحيفة «البوست» من مصادر متابعة، فإن جهاز أمن الدولة في السعودية أقدم على توقيف الشبان الأربعة، وهم ممن يعيشون ويعملون في المملكة منذ سنوات طويلة، حتى إن بعضهم من مواليد الرياض، قبل أن يتم اقتيادهم إلى جهة غير معلومة، وسط انقطاع شبه كامل في التواصل مع ذويهم. وتشير المعلومات إلى أن أحد الموقوفين سُمح له بإجراء اتصال وحيد بعائلته، قبل أن تنقطع أخباره مجددًا، ما زاد منسوب القلق لدى الأهالي، وفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول ظروف التوقيف، ومكان الاحتجاز، وطبيعة الملف الذي يجري التحقيق فيه. وفي ظل غياب أي معطيات رسمية واضحة، تتكاثر الروايات والتسريبات حول خلفيات ما جرى، بما في ذلك الحديث عن أسماء وارتباطات سياسية محتملة، إلا أن أيًا من هذه المعطيات لم يثبت حتى الآن، ولم يصدر ما يؤكدها أو ينفيها بصورة قاطعة. وتؤكد مصادر متابعة أن “جهات نافذة” بدأت السعي للدخول على خط القضية، في محاولة لجلاء حقيقة ما حصل، ومعرفة مصير الموقوفين، وضمان حقهم في التواصل مع عائلاتهم والحصول على المسار القانوني العادل، بعيدًا عن الشائعات والتوظيف السياسي. ويبقى السؤال الأهم: لماذا أوقف هؤلاء الشبان؟ وأين هم اليوم؟ ومن يتحمل مسؤولية كشف الحقيقة لعائلات لا تطلب سوى الاطمئنان إلى أبنائها ومعرفة مصيرهم؟
skip render: ucaddon_box_testimonial يُشاع أنّ الطائفة السنّية مظلومةٌ أو مستضعفةٌ اليوم بسبب ضعف قادتها أو غيابهم، أو بسبب خضوعهم لإملاءاتٍ خارجية. غير أنّ المشكلة، في حقيقتها، أعمق من ذلك بكثير؛ فجوهرها يكمن في ترهّل المؤسسة الدينية الأولى في الطائفة، من رأس هرمها إلى أصغر مفتٍ فيها، إلا من رحم ربّي. فدار الفتوى، التي يترأّسها سماحة المفتي «اللطيف»، اكتفت بتصاريح عامّة لا تُسمن ولا تُغني من جوع، وكأنّ اللطف الذي يُحسَب صفةً نبيلة قد انقلب، في هذا الملف، ليونةً تُضعف موقف الطائفة وتُؤخّر إنصاف أبنائها. فمؤسسةٌ ترفع شأن أمثال خلدون عريمط، «مفتي أبو عمر»، ولا تُحرّك ساكنًا في ملفات الأوقاف المهدورة، لن تكون معنيّةً بنصرة الحقّ يوم يُستنصَر. إنّ دار الفتوى ليست هيئةً استشاريةً تُصدر بياناتٍ من بعيد؛ هي مرجعيّةٌ روحية وسياسية في آنٍ معًا، تملك من الأدوات ما يكفي لقلب موازين أيّ ملفّ داخلي. ولنا في تجربة بكركي في عهد البطريرك مار نصرالله بطرس صفير خير شاهد؛ ففي ظلّ الوصاية السورية، يوم نُفي العماد ميشال عون وسُجن الدكتور سمير جعجع، لم تكتفِ بكركي بالبيانات، بل كانت رأس الحربة في مشروع رفع الظلم عن المسيحيين، وأصدرت «نداء المطارنة الموارنة» في أيلول 2000، الذي أعاد ترتيب المعادلة الوطنية بأسرها. وما لقاء البريستول الشهير، الذي جمع المعارضة اللبنانية على اختلاف ألوانها، ثمّ ما أعقبه من انتفاضةٍ شعبية بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، انتهت بخروج الجيش السوري من لبنان، إلا ثمراتٌ نضجت من تلك الشرارة التي أطلقتها بكركي يوم قرّرت أن تكون مرجعيّة لا منبرًا. تلك هي المرجعية التي تُدرك حجمها وتستعمل أدواتها. أمّا اليوم، فدار الفتوى تملك ما هو أوفر: خطبة جمعة موحّدة، اعتكافٌ رمزي، نداءٌ علنيّ للمحامين السنّة للترافع تطوّعًا عن الموقوفين، ولقاءٌ مع المراجع الروحية الأخرى تحت سقفٍ وطنيّ جامع. كلّ ذلك ممكنٌ في يومٍ واحد لو وُجدت الإرادة. لكنّ المؤسسة المثقلة بحسابات الترضيات والمحاصصة باتت أعجز من أن تُحرّك ما تملك. فالعجز هنا ليس في الطائفة، بل في من تصدّر لتمثيلها. فلو كنّا رجالًا، أي لو كانت المؤسسة في مستوى أبنائها، لتغيّر مسار هذا الملف بالكامل. فالطائفة السنّية ليست عاجزةً، بل مكبّلة اليدين بمؤسسةٍ لا تتقدّم خطوةً واحدةً نحو الحقّ الذي تنطق باسمه. وقد قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ». والتغيير المنشود يبدأ من رأس المؤسسة قبل أن يُطلب من القاعدة. وهذا البلد، كالعالم بأسره، لا يعترف إلا بالقوة والمهابة؛ بأصواتٍ تعلو من المنابر، وبشوارع تنبض بأهلها، وبمواقف لا تُساوَم. ويوم تستعيد دار الفتوى دورها الحقيقي، سيكتشف من ظنّ أنّ الجمر قد خَمَد أنّ تحت الثلج نارًا، وأنّ السنّة في لبنان قادرون، متى أُحسن قيادهم، على إعادة رسم المعادلة من جديد.
بعد جولاتٍ من اللقاءات والمفاوضات، والأخذِ والردّ، والتخبّطِ السياسيّ، والحقدِ المذهبيّ، والاستخفافِ الإنسانيّ، وافق لبنان على إطلاق سراح الموقوفين والمحكومين السوريّين في سجونه، الذين قضوا أكثر من عشر سنواتٍ من عقوبتهم، ما يسمح بتسليم الغالبيّة منهم، بما في ذلك من أدانتهم المحاكم اللبنانيّة بجرائم قتلِ مدنيّين وعسكريّين لبنانيّين. هكذا سقط مبدأ «المتاجرة» بدمِ الجيش اللبنانيّ وقتلةِ العسكريّين، لكنّه بقي، وبوقاحةٍ عنصريّةٍ فجّة، مسلّطًا على شريحةٍ محدّدةٍ من اللبنانيّين، ممّن تنظر إليهم دولتهم باعتبارهم فائضًا بشريًّا، مواطنين من درجاتٍ دنيا، لا ظهرَ لهم ولا دولَ خلفهم، لا قوى كبرى ولا منظّماتٍ حقوقيّة أو مدنيّة ترى فيهم قضيّةً تستحقّ العناء. لبنانيّون يُعاملون كأنّهم كائناتٌ وافدة، لا يستحقّون لا حقّ المواطنة ولا أبسطَ معايير العدالة والإنسانية. اليوم، بين جدران سجن روميّة العفِنة، هناك لبنانيّون مظلومون يتمنّون لو كانوا سوريّين، لا حبًّا بسوريا، بل كرهًا بدولةٍ لبنانيّة لا ترى في أبناءها إلّا أرقامًا قابلةً للشطب و”التجارة” حين تقتضي الحاجات. يتمنّون أن يكون لهم من يفاوض باسمهم، من يرفع صوتهم، لا من يدفنهم أحياءً ويطمس أسماءهم. بحساباتكم الضيّقة، هو مجرّد ملفٍّ سياسيّ–أمنيّ، ورقةُ تفاوض، تفصيلٌ قابلٌ للإقفال السريع، تمهيدًا لما تسمّونه «تصحيح» العلاقات مع سوريا الجديدة، ولو كان الثمن ما تبقّى من كرامة هذا البلد. أمّا في حسابات المؤمنين بالله وعدالته، فالأمر مختلفٌ تمامًا. إنّه ظلمٌ ثقيل، متراكم، يتجوّل بلا رادع، ويتمدد بلا خوف، ويطاول أناسًا تقتلهم دولتهم بدمٍ بارد، ببطءٍ محسوب، ومن دون أن ترتجف لها يدٌ أو يرفّ لها جفن. باستعلاء. تلك حساباتكم، لكن لنا حساباتنا. حساباتٌ لا تُقاس بالأسماء ولا بالمناصب، ولا تتوقّف عند جوزيف عون ولا أحمد الشرع ولا محمد بن سلمان، ولا حتى دونالد ترامب. حساباتٌ تعرف أنّ الظلم لا يُقفل ببيان، ولا يُمحى بتسوية، ولا يُدفن بقرار. حساباتٌ ترى في صمتِ البحر إنذارًا، وفي هيجانه وعدًا، وفي عمقه كائنًا قد لا يظهر كثيرًا، لكنّه حين يخرج، لا يفاوض ولا يشرح ولا يطلب الإذن. حوتًا، كحوتِ يونس، لا ليبتلع فردًا، بل ليقضم معادلاتٍ كاملة، ويقلب طاولات، ويغير نظام الكون ويعيد كتابة المشهد دفعةً واحدة. وعندها، لن تنفع السجون، ولا الصفقات، ولا الأختام الرسميّة. الظلم لا يموت، بل يتعلّم كيف يعود لينتصر، ولو بعد حين… غدا الجمعة، عند الساعة ١٢:٣٠، دعوة عامة للجميع للاعتصام أما السراى الحكومي في وسط بيروت، نصرة للمظلومين والإنسانية…