
هذه الظاهرة التي شهدها لبنان في حرب 2024 تعود اليوم في حرب 2026 بشكل أكثر خطورة، لتضع البلاد أمام معادلة جديدة: حرب عسكرية قد تستحيل إلى كارثة طبيعية.
في خريف عام 2024، شنّت إسرائيل عملية برية واسعة على الجنوب اللبناني، مستخدمةً مئات الأطنان من المتفجرات لتدمير أنفاق ومخازن تابعة لحزب الله. أحد أبرز الأحداث كان تفجير العديسة، الذي استُخدم فيه نحو 400 طن من المواد المتفجرة، ما أدى إلى ارتجاجات شعر بها سكان شمال فلسطين المحتلة، حتى أطلقت السلطات هناك إنذارًا خاطئًا بوقوع زلزال.
خلّفت الحرب أكثر من 2700 شهيد لبناني، معظمهم من المدنيين، وتهجيرًا واسعًا تجاوز المليون شخص. ورغم التوصل إلى وقف إطلاق النار في نوفمبر من ذلك العام، بقيت آثار تلك التفجيرات حاضرة في الذاكرة الجماعية، ليس فقط بسبب الخسائر البشرية، بل أيضًا بسبب المخاوف من تحريك الفوالق الزلزالية النشطة في لبنان.
تصعيد يتجاوز الحرب التقليدية
اليوم، وبعد عامين فقط، تتكرر المشاهد نفسها، لكن بوتيرة أعنف. الجيش الإسرائيلي فجّر أنفاقًا ومخازن في بلدات مثل القنطرة وبنت جبيل، ما أدى إلى ارتجاجات أرضية شعر بها سكان الجنوب والجليل.
الأحداث العسكرية الجارية ترافقت مع تحذيرات جديدة من خبراء الجيولوجيا، الذين أكدوا أن التفجيرات الضخمة قرب الفوالق النشطة قد تغيّر الضغوط عليها وتستحثّ زلازل مستقبلية.
فقد كتب الخبير الجيولوجي الدكتور طوني نمر عبر حسابه على منصة إكس: «الجيش الإسرائيلي طلب من سكان في الجليل الأعلى الالتزام بالمنازل قبيل عملية تفجير نفذها في جنوب لبنان، عسى أن تبقى هذه التفجيرات بعيدة عن الفوالق الزلزالية في جنوب لبنان، كي لا يتكرر ما حصل خلال الحرب الماضية في 26/10/2024 من احتثاث للحركة الزلزالية».
يقع لبنان على شبكة من الفوالق الزلزالية المرتبطة بفالق البحر الميت، أبرزها فالق روم – اليمونة الذي يمتد عبر البقاع والجنوب. هذا الفالق نشط تاريخيًا، وقد شهد لبنان زلازل مدمرة في القرون الماضية. وبحسب خبراء، فإن التفجيرات الضخمة قرب هذه الفوالق قد تؤدي إلى تغيير التوازن الطبيعي للضغوط، ما يزيد من احتمالية حدوث زلازل.
مخاطر جيولوجية
توثّق الدراسات العالمية أكثر من 1300 حالة لهزات أرضية مستحثة بفعل النشاط البشري منذ القرن التاسع عشر، سواء نتيجة التفجيرات النووية أو التعدين أو بناء السدود. وبالتالي، فإن ما يجري في الجنوب اللبناني ليس مجرد ارتجاجات عابرة، بل قد يكون مقدمة لكارثة طبيعية إذا استمرت العمليات العسكرية بهذه الوتيرة.
عند مقارنة حرب 2024 بحرب 2026، يظهر أن الكيان الغاصب اعتمد بشكل أكبر على التفجيرات الضخمة في الحرب الحالية، ما جعل المخاطر الجيولوجية أكثر وضوحًا. ففي حين كانت حرب 2024 تتمحور حول الغزو البري والاغتيالات، فإن حرب 2026 تركز على التفجيرات التي تهز الأرض نفسها. الخسائر البشرية متقاربة، لكن الجديد هو أن لبنان يواجه اليوم احتمال أن تتحول الحرب إلى زلزال طبيعي يضرب المنطقة بأكملها.
يقف لبنان اليوم على مفترق طرق خطير. فالحرب التي بدأت كصراع عسكري قد تتحول إلى كارثة طبيعية إذا استمرت التفجيرات قرب الفوالق الزلزالية النشطة. ويبدو أن المخاطر تضاعفت عمّا سبق، وأن الجنوب اللبناني لم يعد مجرد ساحة مواجهة، بل صفيحًا زلزاليًا قابلًا للانفجار في أي لحظة.
في بلد يعاني من أزمات اقتصادية وسياسية عميقة، فإن إضافة خطر الزلازل إلى مشهد الحرب يجعل المستقبل أكثر قتامة، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية مضاعفة لوقف هذه الحرب قبل أن تتحول إلى كارثة طبيعية وإنسانية شاملة.