تحميل

إبحث

في الصميم

الحروب التي لا تُروى بالصواريخ… بل بالنفط والصين

geopolitical_oil_conflict

الجميع يتحدث اليوم عن إيران: عن المرشد، عن إسرائيل، عن الضربات والردود. الضجيج مرتفع، لكن الصورة الأوضح غالبًا ما تختبئ خلفه. ما يجري ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل خيط واحد يمتد عبر القارات، حيث تُدار المعركة الحقيقية بلغة الاقتصاد قبل الصواريخ

حدثان متباعدان… وسؤال غائب

في فنزويلا، أطاحت عملية أميركية بنيكولاس مادورو. سارع كثيرون إلى الاحتفال بسقوط “ديكتاتور”، بينما انشغل آخرون بسجالات القانون الدولي. لكن سؤالًا بسيطًا غاب: من كان يشتري النفط الفنزويلي بكثافة؟
الإجابة: الصين.
كانت كاراكاس تضخ نحو 800 ألف برميل يوميًا إلى بكين. ومع سقوط النظام، انقطع أحد الشرايين الحيوية.
في إيران، تكررت المشهدية بشكل مختلف. ضربة عسكرية كبرى، وقراءات متناقضة بين من رأى نهاية تهديد، ومن رأى خرقًا للقانون الدولي. لكن السؤال نفسه لم يُطرح بما يكفي: من كان الزبون الأكبر للنفط الإيراني؟
الإجابة لم تتغير: الصين.
كانت طهران تصدّر ما يقارب 1.5 مليون برميل يوميًا إلى السوق الصينية. ومع اندلاع الحرب، تعرّض هذا الخط لضربة مباشرة.
بلدان مختلفان، قارتان مختلفتان، مبررات مختلفة، لكن المستهلك واحد. وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

الجغرافيا أداة ضغط

المسألة ليست صدفة. إنها نمط يتكرر حين تقترب قوة صاعدة من منافسة القوة المهيمنة. لحظة الاحتكاك بين قوة قائمة وأخرى صاعدة تكون غالبًا لحظة صدام أو إعادة تشكيل قاسية للتوازنات.
التاريخ يقدّم شواهد واضحة. صعود ألمانيا في مواجهة بريطانيا انتهى بالحرب العالمية الأولى. وصعود اليابان في المحيط الهادئ قاد إلى الحرب العالمية الثانية. أما الصراع بين واشنطن وموسكو، فترجم إلى الحرب الباردة.
اليوم، تقف الصين على أعتاب موقع مشابه. اقتصادها ينتج نحو 28% من إجمالي الإنتاج الصناعي العالمي، وتزداد حصتها عامًا بعد عام. وتشير تقديرات عديدة إلى أنها قد تصبح الاقتصاد الأكبر عالميًا بحلول عام 2030.

محرك بلا وقود كافٍ

رغم هذا الصعود، تعاني الصين من نقطة ضعف جوهرية: الطاقة. فهي تستورد نحو 73% من احتياجاتها النفطية، ويبلغ استيرادها اليومي قرابة 11 مليون برميل.

هذا يعني أن اقتصادًا بحجم قارة يعتمد على تدفق مستمر من الخارج. ومع تعطل خطوط الإمداد من فنزويلا وإيران، فقدت الصين ما يقارب 2.3 مليون برميل يوميًا خلال فترة قصيرة، أي نحو 20% من وارداتها النفطية.

المنطق هنا بسيط: لإبطاء محرك ضخم، لا تحتاج إلى تدميره، بل يكفي أن تقلّص الوقود الذي يغذّيه.

لكن الطاقة ليست كل شيء. الصين كانت تعمل، بالتوازي، على مشروع استراتيجي ضخم لإعادة تشكيل التجارة العالمية عبر “مبادرة الحزام والطريق”، وهو مشروع يمتد عبر عشرات الدول، ويربط آسيا بأوروبا من خلال موانئ وسكك حديد وخطوط نقل.

الهدف واضح: السيطرة على شرايين التجارة العالمية.

وقد بدأت أوروبا تميل تدريجيًا نحو هذا الاتجاه. أصبحت الصين الشريك التجاري الأول لعدد من الاقتصادات الأوروبية الكبرى، وارتفعت التبادلات التجارية بين الطرفين إلى مئات المليارات من الدولارات سنويًا.

وهنا تبرز إيران مجددًا، ليس فقط كمصدر للطاقة، بل كممر جغرافي أساسي. فأي اضطراب فيها لا يوقف النفط فقط، بل يعرقل أحد أهم المسارات البرية التي تربط الصين بالقارة الأوروبية.

العقدة التي تختصر القرن

في قلب هذا المشهد، تقف تايوان بوصفها أحد أهم المفاصل الاستراتيجية في العالم. فهي تنتج نحو 90% من الشرائح الإلكترونية المتقدمة التي يعتمد عليها الاقتصاد الرقمي العالمي.

هذه الشرائح تدخل في كل شيء: الهواتف، السيارات، أنظمة الدفاع، والذكاء الاصطناعي.
ومن يسيطر على هذه الصناعة، يملك مفتاح التفوق التكنولوجي في القرن الحادي والعشرين.

الولايات المتحدة تؤكد دعمها لتايوان، بينما تصر الصين على أنها جزء من أراضيها. وبين هذين الموقفين، تتصاعد احتمالات المواجهة.

الربح وسط الفوضى

في موازاة ذلك، لا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي المباشر للحروب. فكل تصعيد عسكري في الشرق الأوسط يرفع الطلب على السلاح، ويؤدي إلى توقيع صفقات بمليارات الدولارات.

وخلال السنوات الأخيرة، تجاوزت موازنات الدفاع في بعض دول الخليج عشرات المليارات سنويًا، ما يجعل المنطقة واحدة من أكبر أسواق السلاح في العالم.

بهذا المعنى، لا تقتصر النتائج على إضعاف الخصوم، بل تمتد إلى تحقيق مكاسب مالية مباشرة.

من فنزويلا إلى إيران: الحرب الحقيقية اسمها الصين
Geopolitical tensions across the globe
الحرب التي تُدار من خلف الدخان

خيط واحد

ما يبدو أحداثًا متفرقة، في فنزويلا، وإيران، وروسيا، وأوروبا، يمكن قراءته بوصفه أجزاء من استراتيجية واحدة متكاملة: تقليص إمدادات الطاقة، تعطيل طرق التجارة، إعادة توجيه التحالفات، والاستفادة من اقتصاد الحروب. العالم لا يشهد حروبًا منفصلة، بل إعادة رسم لموازين القوة. والعنوان الحقيقي لكل ذلك ليس ساحة معركة بعينها، بل اسم قوة صاعدة واحدة: الصين.

العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا